أبو بكر خالد القلعي : استشراف مستقبل جماعة الحوثي
منذ 14 ساعات
المتتبع لتطورات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فيما يظهر موقف جماعة الحوثي أكثر تعقيداً من مجرد حسابات التضامن الأيديولوجي أو الوفاء لمحورٍ طالما قدّم نفسه بوصفه جبهة واحدة
حتى الآن، لا يظهر أن الجماعة اندفعت إلى مستوى الانخراط العسكري الذي فعلته أطراف أخرى في المحور، وهذا لا يُقرأ بوصفه حياداً بقدر ما قد يُقرأ تقديراً بارداً للمآلات
فالحوثي، على الأرجح، ينظر إلى المشهد من زاوية النهاية لا من زاوية اللحظة، ويرى أن كل الطرق تكاد تقود إلى النتيجة نفسها: تضاؤل هامش المناورة، وانكشاف الظهر، واقتراب لحظة دفع الكلفة كاملة
وانطلاقاً من فهم ومعرفة الجماعة، وملاحظة تفاعلها مع الأحداث في المنطقة ، وتصنيفها الدولي والإقليمي ،وطبيعة تفاعلاتها السياسية وتفاعل المحيط الإقليمي معها ،نجد أن أمام جماعة الحوثي مسارات معدودة ومتشابهة المصير في في حال إستمرار الوضع الراهن في المنطقة وهي :المسار الأول: أمامه هو أن يساند طهران عسكرياً بصورة واضحة، فيتحول فوراً إلى هدف مباشر للضرب والاستهداف، وتصبح الجماعة في قلب المعركة لا على هامشها
وهذا المسار لا تحكمه فقط كلفة المواجهة العسكرية، بل أيضاً التحول الرمزي داخل إيران نفسها بعد مقتل خامنئي، وهو الرمز السياسي والديني الذي كان يمثل مرجعية معتبرة لدى الحوثيين والمحور
ومع صعود اسم مجتبى خامنئي في مرحلة ما بعد الاغتيال، قد لا يرى الحوثي في المرشد الجديد الامتداد نفسه من الهيبة والشرعية، بل قد ينظر إلى اللحظة كلها بوصفها لحظة إعادة توزيع نفوذ داخل المحور، وربما لحظة يمكن فيها أن يتحول بعض الحلفاء إلى أوراق مقايضة إذا كان ثمن وقف الحرب على طهران هو التضحية بالأذرع البعيدة
المسار الثاني: فهو أن ترفض الجماعة الانخراط، وأن تنأى بنفسها عن الحرب، لكنه مسار لا يمنحها مستقبلاً آمناً
فالجماعة، حتى لو لم تدخل المعركة الآن، لا تزال في نظر خصومها تهديداً قائماً-إسرائيل بدرجة رئيسية-، وقد فقدت مع الوقت كثيراً من الغطاء الذي كان يوفره اشتعال الجبهات الإقليمية وتماسك المحور
عدم الانخراط مع إيران قد يؤجل ضربها، لكنه لا يلغيه، لأن خصوم الحوثي لن يعيدوا تعريفه فجأة كفاعل مقبول، بل سيبقون ينظرون إليه باعتباره مشكلة مؤجلة لا أكثر
كما أن القراءة الأمنية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة تعاملت مع خطر الحوثيين باعتباره تهديداً متنامياً لا يمكن تركه يتراكم
المسار الثالث: يفترض أن يقف الحوثي مع إيران ثم يسقط نظام طهران في نهاية المطاف تحت وطأة الحرب، وهنا تصبح نهاية الجماعة شبه محتومة
فالحوثي في هذه الحالة سيكون قد أحرق ما تبقى من أوراقه المحلية والإقليمية، وخسر مركز الإسناد الأهم، وفقد قدرته على المناورة السياسية للتفاوض، وقدم نفسه هدفاً مشروعاً لتصفية ممتدة
سقوط طهران لن يعني فقط انقطاع الدعم، بل سيعني أيضاً انتقال مشروع تفكيك المحور إلى مراحله الأخيرة، حيث تصبح الجماعات المرتبطة به أهدافاً قائمة بذاتها
المسار الرابع: يفترض أن يساند الحوثي إيران، ثم ينجو النظام الإيراني ويذهب الجميع إلى تهدئة لاحقة
لكن حتى هذا السيناريو لا يبدو مريحاً للجماعة، لأن بقاء طهران لا يعني بالضرورة بقاء الحوثي خارج بنك الأهداف
على العكس، قد يكون قد استهلك وظيفته العسكرية والسياسية، وبات عبئاً في أي ترتيبات إقليمية جديدة، كما أن إسرائيل التي وسّعت تعريف تهديدها الإقليمي لن تنظر إليه بعد اليوم كملف ثانوي يمكن تجاهله
بمعنى آخر، حتى أفضل السيناريوهات الإيرانية لا تبدو بالضرورة جيدة للحوثي
بل قد يكون كبش الفداء الذي تدفعه إيران كشرط أمريكي إسرائيلي لوقف الحرب عليها
لهذا، إذا كان الحوثي قد امتنع فعلاً عن الانخراط العسكري المباشر حتى الآن، فربما لأنه استشرف أن النهايات متشابهة مهما اختلفت الطرق
مما سبق نستنتج أن الحوثي لن يبقى أمامه إلا سيناريوهين وطريقين : الأول هو الذهاب إلى تسوية مع السعودية، ليس من موقع القوة الكاملة بل من موقع محاولة النجاة المنظمة، عبر البحث عن صيغة تدمجه في حكومة يمنية شاملة بشروط محلية وسعودية، مع قدر من التنازل والالتزام، وربما مع شيء من المراوغة العسكرية المحدودة لتحسين شروط الجلوس إلى الطاولة لا أكثر
أما الثاني فهو خيار الانتحار السياسي والعسكري: أن يختار حرباً مفتوحة مع الشرعية ومن خلفها السعودية وهو وحيد، بلا ظهر إيراني فعّال، وبلا أفق حقيقي، وبلا قدرة على تحمل حرب استنزاف طويلة، وفي هذه الحالة لن يكون أمامه إلا انتظار نهايته، سواء جاءت من الداخل اليمني أو من الخارج الذي صار ينظر إليه كخطر ينبغي إنهاؤه لا احتواؤه
وخلاصة القول إن الحوثي قد يكون اليوم أمام لحظة إدراك قاسية: لم يعد السؤال كيف يربح، بل كيف يؤخر الخسارة
وإذا كان قد قرأ المشهد جيداً، فسيفهم أن البقاء هذه المرة لن يكون بالهروب إلى الشعارات، ولا بالاستعراض العسكري، بل بالبحث عن مخرج سياسي قبل أن يُفرض عليه مخرجٌ أقسى منه
وفي منطقة تُعاد صياغتها بالنار، قد تكون المشكلة الكبرى للحوثي أن كل المسارات تبدو مختلفة في البداية، لكنها تلتقي في النهاية نفسها