أبين: الجفاف يفتك بـ”أشجار البن” في يافع
منذ يوم
أبين – مرفت محمدتحولت أشجار البُن في مديريتي “سباح” و”رصد”، بمحافظة أبين، إلى جذوعٍ يابسة، بعد سنوات من الجفاف وتراجع الأمطار ونضوب مصادر المياه، في أزمة تهدد واحدًا من أهم رموز الهوية الزراعية في يافع واليمن عمومًا
لم يعد الحديث عن تراجع إنتاج البُن أو انخفاض المحصول، بل عن موت حقولٍ كاملة من أشجار البُن، بعدما عجز المزارعون عن توفير مياه الرّي في ظل استمرار الجفاف وغياب مشاريع حصاد المياه، وبينما تتساقط الأشجار واحدةً تلو الأخرى، يقف أصحابها عاجزون عن إنقاذ ما تبقى منها أو إيجاد حلولٍ تقيها خطر الجفاف
على المستوى الوطني، تشمل التأثيرات المحتملة لتغيّر المناخ في اليمن: زيادةً ندرة المياه وانخفاض جودتها؛ زيادة وتيرة الجفاف، ارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط الهطول؛ ما يؤدي إلى تدهور الأراضي الزراعية والتربة والبساتين؛ وانخفاض الإنتاجية الزراعية؛ ما يؤثر على قضايا الأمن الغذائي التي تعاني بالفعل من المخاطر؛ تلف البنية التحتية؛ تدهور المناطق الساحلية والثروة السمكية؛ وزيادة انتشار الأمراض المنقولة عن طريق الحشرات والمياه، بحسب تقريرٍ نشره معهد الدراسات التنمية في 2022 عن مخاطر وفرص التغيرات المناخية في اليمن
لا تزال مياه الامطار هي المصدر الرئيسي للزراعة المحصولية في اليمن
إذ تزيد المساحة المحصولية التي تعتمد على مياه الأمطار عن 46% مقابل أقل من 40% تعتمد على الآبار، حسب كتاب الإحصاء الزراعي للعام 2022، الصادر عن وزارة الزراعة في صنعاء
وقد وصلت مساحة زراعة البن في محافظة أبين في 2022 إلى 825 هكتارا وبإنتاجية بلغت 444 طنا، حسب المصدر السابق
يقول المزارع سامي العبدلي، أحد أبناء مديرية “سباح” بمحافظة أبين، وهو يقف بين أشجاره اليابسة: “فقدتُ هذا العام أكثر من 200 شجرة بُن مثمرة بسبب الجفاف”
ويضيف في حديثه لـ”المشاهد”: “يوجد بئر في المنطقة، لكن اشتداد أزمة المياه دفع السكان إلى تخصيص مياهها للاستخدامات المنزلية والشرب، مضيفًا :”ضحينا بالشجرة من أجل الإنسان”
ويؤكد العبدلي أن المزارعين لم يحصلوا على أي دعمٍ رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدوها، مشيرًا إلى أن احتياجات المنطقة معروفة منذ سنوات لكنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ
ويطالب العبدلي بإنشاء حاجزٍ مائي في منطقة شعب “صيحة”؛ للإسهام في حصاد مياه الأمطار وتغذية الآبار الجوفية، إلى جانب إرسال فرقٍ هندسية متخصصة لدراسة المواقع المناسبة لحفر آبارٍ جديدة
ويلفت إلى أن البئر الوحيدة الموجودة حاليًا تغطي أكثر من ثلاثة أرباع منطقة “شعب العرمي”، وتوفر المياه للمناطق الواقعة أعلى الشعب، إضافةً إلى منطقة “تصلح” وواديها وجزء من “اللكمة”؛ ما يجعلها غير قادرة على تلبية احتياجات السكان والزراعة في الوقت نفسه
كما يشير إلى أن موقعًا في منطقة “المصلول” سبق أن زاره مهندسون عام 1987 وحددوه كموقعٍ مناسبٍ لحفر بئر، غير أن المشروع لم يرَ النور حتى اليوم، رغم مرور نحو أربعة عقودٍ على تحديد الموقع
ولا تقتصر الخسائر على مزرعة العبدلي
إذ يوضح المهندس الزراعي محمد طاهر السعيدي، من مكتب الزراعية بمديرية “رصد”، بأبين، أن عشرات الحقول ماتت بالكامل، ففي مديرية “سباح” وحدها، تعرّض وادي “الأسبرين” الذي كان يضم أكثر من عشرة آلاف شجرة بُن لموجة جفافٍ واسعة، كما تضرر وادي “الأغبرين” الذي كان يضم أكثر من خمسة آلاف شجرة، إضافةً إلى حقول “العرقة” و”ظبة” التي كانت تضم أكثر من أربعة آلاف شجرة
ويضيف: أما في مديرية “رصد”، فقد امتدت الأزمة إلى العديد من الأودية منها: “حمومة، وشعب العرب، وشعب العرمي، وشعب البارع، والسمسرة، والخضراء، وقرض، ودخلس، ويري، والغيل، وذي عسيم” وغيرها من الأودية، حيث يشير إلى أن عشرات الآلاف من أشجار البُن ماتت بالفعل، فيما تقف آلاف الأشجار الأخرى على حافة المصير نفسه
ويُرجع السعيدي بداية التدهور الكبير في حقول البُن إلى منتصف تسعينيات القرن الماضي، حين بدأت التغيرات المناخية تؤثر بشكل واضحٍ على المناطق الجبلية، مع انخفاض معدلات هطول الأمطار وجفاف العديد من الآبار وتراجع مياه الري التكميلي، التي اعتمدت عليها زراعة البُن لعشرات السنين
ويلفت إلى أن ما تشهده مناطق زراعة البُن اليوم ليس أزمةً عابرة، بل نتيجة تراكمات استمرت لسنواتٍ طويلة دون تدخلات حقيقية لمعالجة أسبابها
ويواصل: “الأشجار التي ماتت وصلت إلى مرحلة «الموت الفسيولوجي الكامل»، وهي مرحلة لا يمكن بعدها إعادة الحياة إلى الشجرة مهما توفرت المياه”، موضحًا أن إعادة إحياء الحقول المتضررة لن تتم إلا بزراعة شتلات جديدة، مع توفير مصادر دائمة للمياه
في مديرية “رصد”، لا تختلف الصورة كثيرًا فالمزارعون هناك يواجهون المصير نفسه، مع استمرار تراجع مصادر المياه واتساع رقعة الحقول المتضررة
ويقول رئيس جمعية “ذي عسيم” التنموية الزراعية لإنتاج البُن بمديرية “رصد”، خالد محمد الشامي: “إن حجم الكارثة أكبر بكثير مما تعكسه الأرقام المتداولة، معتبرًا أن طبيعة زراعة البُن في يافع تعتمد على المدرجات الجبلية؛ ولذلك يجري احتساب حجم الزراعة بعدد الأشجار لا بالمساحات”
ويشير إلى أن منطقةً صغيرةً تضم نحو عشرين مزارعًا فقط، فقدت ما بين عشرة آلاف – 15 ألف شجرة بُن، لافتًا إلى أن هذه الأرقام تمثل جزءًا بسيطًا من حجم الخسائر في بقية الأودية والشعاب
ويضيف: “الأشجار في مناطق واسعة أصبحت إما ميتة بالكامل أو مهددة بالانقراض، فيما لا تزال بعض الحقول شبه منتجة؛ لكنها معرضة للمصير ذاته إذا استمر الجفاف”
ويكمل: “ناشدنا وتحدثنا كثيرًا، وطالبنا بحواجز مائية وسدود وخزانات وحفر آبارٍ وشبكات رّي بالتنقيط، لكننا لم نجد استجابة”
ويرى الشامي أن هناك حلولًا إسعافية يمكن أن تنقذ ما تبقى من الأشجار، من بينها توفير صهاريج مياه لكل جمعيةٍ زراعية، حتى تتمكن من نقل المياه إلى الحقول الأكثر تضررًا، غير أن تكلفة الخزان سعة اثنا عشر ألف لتر، تصل إلى نحو 500 ريال سعودي، وهو مبلغ يفوق قدرة غالبية المزارعين
يشير السعيدي إلى أن مطالب المزارعين لا تقتصر على توفير المياه بصورة عاجلة، بل تشمل تنفيذ مشاريع مستدامة؛ تضمن استمرار زراعة البُن، من خلال إنشاء السدود والحواجز المائية لحصاد مياه الأمطار وتغذية المياه الجوفية، وحماية المزارع من انجراف السيول، إلى جانب حفر آبارٍ جديدة في المواقع المناسبة، وتوفير شبكات الرّي الحديثة، ولا سيما أنظمة الرّي بالتنقيط
كما يطالب المزارعون بإعادة تأهيل المدرجات الزراعية وصيانة الأودية، وتدريبهم وتأهيلهم على أساليب الزراعة الحديثة؛ بما يساعد على تحسين الإنتاج وتقليل الفاقد من المياه
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تشجيع المزارعين الذين استبدلوا زراعة القات بزراعة البُن، من خلال توفير الشتلات المجانية لهم، وتقديم دعمٍ مالي وفني عاجل لإنقاذ ما تبقى من أشجار البُن المتضررة
ويتابع: “لا تكتمل هذه الحلول دون تسهيل تسويق البُن محليًا وخارجيًا؛ بما يسهم في رفع دخل المزارعين ودعم الاقتصاد الوطني”
يذكر أن “البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة” نفّذ مشروعًا في منطقة “صبر الموادم” بتعز؛ لدعم استمراية زراعة البُن عبر إنشاء خزانات أرضية لحصاد مياه الامطار، بحسب تقرير للبرنامج نشر في أبريل 2025
ويقول تقرير البرنامج الإنمائي: “إن هذه الخزانات تساعد مزارعي البن بالاعتناء بمحاصيل البن خلال فترات الجفاف”
ووفق دراسةٍ للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، نشرت في أغسطس 2022، فقد انخفض القطاع الزراعي بنسبة 21%، خلال سنوات الصراع، لأسباب رئيسية، من بينها اضطراب السوق، وعدم توفر مدخلات المحاصيل، والنزوح
يتمتع البُن اليمني بسمعة جيدة في السوق العالمي، حيث ذاع صيته، واشتُهر قديمًا باسم “موكا”، نسبةً لميناء المخا، إذ كان اليمن يصدر منه البُ اليمني إلى العالم
وقد ارتفعت إنتاجية البُن نسبيًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، إذ ارتفع من 18,767 طنًا، بمساحة 33,544 هكتارًا، عام 2017 إلى 41,933 طنًا، بمساحة 37,273 هكتارًا عام 2021، بحسب كتاب الإحصاء الزراعي السنوي للعام 2021 الصادر عن وزارة الزراعة في صنعاء
وبين جذوع أشجارٍ يابسة وحقولٍ تقاوم العطش، لا يطالب مزارعو يافع بإنقاذ محصولٍ موسمي فحسب، بل بمحاولة إنقاذ إرثٍ زراعي واقتصادي وثقافي ظل حاضرً في حياتهم لقرون
فالمعركة التي تواجهها شجرة البُن اليوم ليست مع الجفاف وحده، بل مع سنوات من غياب مشاريع حصاد المياه، وتراجع الدعم، وتأخر الاستجابة، وكل موسمٍ يمر دون تدخل؛ يعني أشجارًا جديدة تموت، وحقولًا أخرى تقترب من المصير نفسه
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن