إحياء خط “المسند”.. من الصخر إلى الشاشات
منذ 3 أيام
الحديدة- نورا فهدخط المسند أحد أقدم أنظمة الكتابة في الجزيرة العربية، واللسان الذي وثقت به الممالك اليمنية القديمة مثل “سبأ، حمير، وقتبان” تاريخها، ليمثل بذلك ذاكرة ثقافية ورمزًا للهوية الوطنية لليمنيين
وفي الوقت الذي تتعرض فيه هذه الذاكرة لمخاطر التآكل بفعل الإهمال، ظهرت جهود شبابية طوعية أخذت على عاتقها مهمة انتشال هذا الخط من تحت الركام وإعادة إحيائه
وخط المسند هو نظام كتابة أبجدي قديم ظهر أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد في اليمن، وانتشر في الجزيرة العربية ومحيطها
ويتكون هذا النظام من 29 حرفًا دون نقاط، ويُكتب بأحرف منفصلة ويفصل بين الكلمات خط عمودي
ومع مرور الزمن اختفي خط المسند لكن جهود إعادة إحيائه بدأت في العقدين الأخيرين
في عام 2007 أسهم مطور الخطوط الحاسوبية اليمني سلطان المقطري في إدراج خط المسند ضمن الشفرة الدولية (يونيكود)
وفي 2018 ظهرت أول لوحة مفاتيح افتراضية بخط المسند
وفي الأعوام الأخيرة ظهر خط المسند في النقوش الفنية للمحلات التجارية والمكاتب في اليمن
وأعلنت الحكومة اليمنية في 2024، يوم 21 فبرايريومًا وطنيًا لخط المسند
حيث يشهد هذا اليوم أنشطة ثقافية توعوية بخط المسند والقيمة الحضارية بهذا الإرث الثقافي العتيق
يقف خلف هذه المبادرة خليل بن داوود النحوي (30 عامًا)، من مديرية الجراحي بمحافظة الحديدة، الذي تعلّم خط المسند ذاتيًا من خلال النقوش والكتب والمصادر الرقمية، بعد فشل محاولاته في العثور على مختصين يدرّسونه
يقول خليل في حديثه لـ”المشاهد”: “بحثتُ عمن يعلّمني خط المسند، وعرضتُ مبالغ مالية، لكنني قوبلت بالرفض والإهمال، فما كان مني إلا أن شمّرت عن ساعدي وتعلّمت بجهد ذاتي”
وعن السبب وراء سعيه لتعلم خط المسند؛ يوضح خليل أنه خلال جولاته في المدن اليمنية أثارت القلاع والقصور الضاربة في القدم تساؤلاته حول عظمة بُناتها وأخذ على عاتقه مهمة التعريف بهذا التاريخ العريق، إلا أن الكتب لم تكن كافية لتروي ظمأه المعرفي، فقرر التوجه نحو خط المسند “المشرب العذب” كما يصفه، المتمثل في النقوش الأصلية التي صمدت آلاف السنين، ليُعيد إحياء لغة الأجداد وتوثيقها من جديد
بعد تعلمه خط المسند؛ قرر خليل تحويل جهده الفردي إلى مبادرة تطوعية لإحياء هذا الإرث الحضاري، وهو ما كان عندما أطلق في 13 يناير/كانون الثاني 2023، مبادرة تعليم خط المسند عن بُعد
يقول خليل: “عندما أطلقتُ المبادرة بدأتُ بتدريس الأشخاص المهتمين بخط المسند من حولي وكان عددهم عشرة فقط، قبل أن تتوسع المبادرة تدريجيًا وتتحول إلى كيان تطوعي أسميناه آنذاك (هيئات دورات تعليم خط المسند اليمني العربي القديم)، والذي تحول فيما بعد إلى أكاديمية المسند للتعليم، ويضم أكثر من 20 مدربًا ومدربة”
ويشير النحوي إلى أن التعليم منذ هذه المرحلة جمع بين المسارين، عن بُعد وحضوريًا، وذلك بالتنسيق مع مدربي الأكاديمية الذين نظموا دورات ميدانية في محافظاتهم، مستغلين مرافق المدارس لتقديم حصص تعليمية طوعية للطلاب خارج المناهج الدراسية الرسمية
ويوضح أن عدد المنتسبين الذين التحقوا بالدورات بلغ ثلاثة آلاف شخص من مختلف الفئات العمرية من داخل اليمن وخارجه، فيما حصل أكثر من ألف متدرب على شهادات في الدورة التأهيلية لدراسة خط المسند والأعداد وتفسير النقوش، بينما نال 500 متدرب شهادات الدورة التمهيدية في حفظ الحروف والكتابة بها
ويؤكد النحوي أن هدف الأكاديمية لا يقتصر على التعليم فقط، بل يمتد إلى استعادة جزء من الهوية اليمنية وربط الأجيال الجديدة بتاريخهم الحضاري المدفون
يقول محمد الشميري، وهو أحد المدربين في الأكاديمية، إن انضمامه لفريق مدربي الأكاديمية جاء بدافع الإحساس بالمسؤولية تجاه التراث الحضاري اليمني العريق، والخشية من اندثار خط المسند مع مرور الوقت
ويوضح في حديث مع “المشاهد”، أن خط المسند يُنظر إليه كرمز للوحدة والإرث الحضاري الذي نشأ في جنوب الجزيرة العربية، ويعد إحياؤه خطوةً جوهرية لربط الأجيال الحالية بحضارتهم اليمنية القديمة العريقة، وتعزيز الهوية الوطنية والثقافية من خلال فك رموز النقوش الأثرية وترجمتها إلى حروف خط الجزم (الخط العربي الحديث)
محمد الشميري، مدرب تعليم خط المسند: خط المسند يُنظر إليه كرمز للوحدة والإرث الحضاري الذي نشأ في جنوب الجزيرة العربية، ويعد إحياؤه خطوةً جوهرية لربط الأجيال الحالية بحضارتهم اليمنية القديمة العريقة، وتعزيز الهوية الوطنية والثقافية من خلال فك رموز النقوش الأثرية وترجمتها إلى حروف خط الجزم (الخط العربي الحديث)
وفي حديثه عن أثر الأكاديمية، يقول: “إنها أسهمت في تعزيز الوعي بالهوية الوطنية من خلال تمكين المتدربين من قراءة النقوش الأثرية وفهم تاريخ الممالك اليمنية القديمة”، مشيرًا إلى أن إتاحة التعليم المجاني عبر الإنترنت أسهم في توسيع دائرة المهتمين، لتشمل الرجال والنساء والأطفال من داخل اليمن وخارجه
من جهتها تؤكد صفا القاضي، مدربة في الأكاديمية، حديث الشميري، حيث تقول لـ”المشاهد”: “إن هناك إقبال كبير لتعلم خط المسند من كافة الفئات العمرية والتخصصات الأكاديمية المختلفة، ليس من اليمن فقط بل من مختلف دول الوطن العربي، حتى طلاب قسم التاريخ في بعض الجامعات اليمنية يتعلمون خط المسند في الأكاديمية لدينا”
قبل التحاقها بدورات أكاديمية متخصصة في تعليم خط المسند، لم تكن معرفة المتدربة نبيلة حمود، من محافظة تعز، تتجاوز الإطار العام الذي اكتسبته من دراستها الجامعية في قسم التاريخ، غير أن هذه الصورة المحدودة تغيّرت جذريًا بعد انضمامها إلى الأكاديمية، حيث انتقلت من معرفة أولية إلى فهم معمّق وشامل لخط المسند وتاريخه
تصف نبيلة رحلتها في الأكاديمية بأنها كانت بمثابة “غوص في خفايا وأغوار تاريخ اليمن القديم”، وتقول في حديثها لـ”المشاهد”: “بعد التحاقي بالدورات المسندية في الأكاديمية عرفتُ ماهية خط المسند، ومراحل تطوره، والخطوط التي اشتقت منه، وتعرّفتُ على قواعد خط المسند من الجذور، والإضافات، والاشتقاقات، وكذلك التوقيعات الملكية، وتعلمتُ الأرقام والأعداد المسندية، ووصلتُ حاليًّا إلى مرحلة ترجمة النقوش، وتفكيكها، وفهم معانيها”
نبيلة حمود، متدربة خط المسند، تعز: بعد التحاقي بالدورات المسندية في الأكاديمية عرفتُ ماهية خط المسند، ومراحل تطوره، والخطوط التي اشتقت منه، وتعرّفتُ على قواعد خط المسند من الجذور، والإضافات، والاشتقاقات، وكذلك التوقيعات الملكية، وتعلمتُ الأرقام والأعداد المسندية، ووصلتُ حاليًّا إلى مرحلة ترجمة النقوش، وتفكيكها، وفهم معانيها”
وتضيف: “تعلم خط المسند منحني ثقةً كبيرة بتاريخ اليمن وإرثه الحضاري، وأسهم في تعميق إحساسي بالهوية والتاريخ، ومكّني من الاستناد إلى المعرفة والدراية في الرد على المشككين بتاريخ اليمن، انطلاقًا من منطق علمي راسخ”
واختتمت: “من خلال دراستي لخط المسند توصّلتُ إلى قناعة بأن اليمن هو أصل العرب، ومنه انبثقت حضارات أخرى؛ ما عزّز لديّ مشاعر الفخر والعزة والقوة بالانتماء إلى هذا الامتداد الحضاري العريق”
تواجه الأكاديمية جملةً من التحديات منها ضعف الوعي المجتمعي بأهمية خط المسند، وغياب التجاوب والدعم من الجهات الرسمية، إضافةً إلى عدم وجود تشجيع واهتمام كافٍ من قبل شخصيات مؤثرة أو مؤسسات رسمية معنية بالثقافة والتراث، حد قول النحوي
ويشير إلى أن الأكاديمية لا تمتلك حتى الآن أي ترخيص رسمي، موضحًا أنهم كانوا على وشك التقدم بطلب اعتماد لدى قيادة الوزارة السابقة، غير أن التغييرات الحكومية حالت دون إتمام ذلك، مؤكدًا أن القائمين على المبادرة يسعون حاليًا للتقدم بطلب الترخيص لدى الحكومة الشرعية الجديدة
ورغم هذه التحديات، يؤكد النحوي أن طموحات الأكاديمية لا تزال كبيرة، حيث يسعون لتحويلها إلى مؤسسة دولية جامعة لكل متعلمي خط المسند، وتدريس اللغات القديمة الحية والميتة، إلى جانب اللغات الحية المعاصرة
ومن الطموحات أيضًا إقامة معارض لأعمال خط المسند، وإدماجه في الفنون والتصاميم والأعمال اليدوية، لافتًا إلى أن بعض هذه الخطوات بدأت بالفعل وظهرت نتائجها على أرض الواقع
وتسعى أكاديمية المسند للتعليم إلى توثيق خط المسند ضمن قائمة التراث العالمي
وأرسلت الأكاديمية في نوفمبر الماضي خطابًا بذلك إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) حول دعم ترشيح “مهارات وممارسات خط المسند” للتسجيل ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن