ابراهيم ناصر الجرافي : التجارة الدينية .. في عصر العلوم والتكنولوجيا ..!!

منذ 11 أيام

 التجارة الدينية واحدة من التجارات الرائجة والمربحة جدا ، وهي من أقدم التجارات التي عرفها الإنسان ، وقد اشتغل بها رجال الدين ( الكهنة والسدنة والعرافة والقساوسة والرهبان ) ، وكانت تدر عليهم الكثير من الأرباح المادية ، ومن خلالها كانوا يحققون للحكام والسلاطين الكثير من المصالح السياسية والأطماع السلطوية ، فبالدين التجاري تم إستغفال واستغلال الشعوب والأمم فترات تاريخية طويلة ، وتم السيطرة عليها والتحكم في حياتها ومصيرها ، وحظيت وتحظى التجارة الدينية بأهمية بالغة في كل زمان ومكان ، نتيجة ارتباطها بالجانب الروحي للإنسان ، الذي يحتاج للإشباع المستمر لإحداث حالة من الهدوء والاستقرار والراحة النفسية ، وكذلك نتيجة سعي الإنسان المستمر في الحصول على أجوبة حول الكون والحياة التي يعيشها ومصيره فيها ، وهو ما فتح المجال واسعا أمام تجار الأديان في كل زمان ومكان ، حتى بعد ظهور الأديان السماوية التي استطاعت أن تجيب على الكثير من تساؤلات الإنسان حول الكون والخالق وسر وجوده في هذه الحياة ، إلا أن الأديان السماوية لم تسلم من الإتجار بها ، وإن بوسائل وأساليب مختلفة ومتنوعة ومتعددة

!!   فإذا كان تجار الأديان في السابق هم من يصنعون الآلهة ، ويحددون الممارسات والطقوس الدينية لها ، ويحددون أنواع ومبالغ النذور المقدمة للآلهة ، فإن تجار الأديان السماوية ( الكثير من الأحبار والرهبان وفقهاء السلطة ورجال الدين ) قد جعلوا من أنفسهم وسطاء بين الله تعالى وعباده ، ليوزعوا صكوك الغفران ومفاتيح الجنة على من يشاؤون وكيفما يشاؤون وبالثمن الذي يريدون ، ومن المسلم به أن السلطات الحاكمة هي من توفر الحماية والترويج والدعم لهؤلاء التجار في كل زمان ومكان ، فبدون الحماية والرعاية السلطوية لا يمكن لهذه التجارة ان تزدهر وتنمو وتلقى رواجاً ، فالمصالح المتبادلة بين السلطات الحاكمة وتجار الأديان كبيرة وكثيرة ومترابطة ومتلازمة ، لتتحول الأديان السماوية بسبب التجارة الدينية من مصادر لنشر الخير والسلام والصلاح والهداية والتعاون والسعادة للبشرية ، إلى مصادر لصناعة الكراهية والتنافر والتباغض بين البشر وإثارة المزيد من الصراعات والحروب والفتن بين الأمم والشعوب ، ومصادر للشر والضلال والانحراف والشقاء والإنقسام

!!  ومن أسوأ نتائج التجارة الدينية إضفاء القداسة على الحروب السياسية والتوسعية والاستعمارية ( الجهاد السلطوي المقدس ) ، حيث قام تجار الأديان وخدم السلطان بتغيير مقاصد الجهاد الديني المقدس ذات الابعاد المثالية والإيجابية ، كالدفاع عن النفس ورد العدوان ورفع الظلم عن المظلومين والدفاع عن الحريات والحقوق الإنسانية ، ليجعلوا منها أداة لتبرير العدوان على الآخرين وقتلهم ونهب أموالهم وممتلكاتهم وإستعمار بلدانهم ومصادرة حقوقهم وحرياتهم ، وفرض معتقداتهم الدينية والمذهبية والطائفية على المخالفين لهم ، فعن طريق الجهاد السياسي المقدس تمكن تجار الأديان في كل زمان ومكان من تجييش الجيوش وحشد المقاتلين لشن الحروب العدوانية والتوسعية والاستعمارية على الآخرين ( الحروب الصليبية إنموذجاً ) ، ومثلها كثير من الأحداث التي حدثت قديماً ، وتحدث حاضراً ، وستحدث مستقبلاً ، تحت ذريعة الدفاع عن الدين

!!  وإذا كان تجار الأديان في العهود والأزمنة الغابرة هم من يصنعون الألهة ويضعون الشرائع ويحددون الطقوس الدينية ، فإنهم في العهود الزمنية الأخيرة من يقوم بالنيابة عن الرب ، كوسطاء ( سماسرة ) بينه وبين عباده ، وهم المتحدثون بإسمه والوكلاء عنه ، بل لقد وصل الحال بالبعض منهم إلى القول بأن طاعتهم والإمتثال لهم وتقديسهم

وتعظيمهم وتقديم الولاء لهم طاعة لله تعالى ، رغم تناقض ذلك مع التشريعات والأحكام الإلهية قال تعالى (( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان )) ، نعم لقد تطورت التجارة الدينية بشكل كبير خصوصاً في البلدان المتخلفة والجاهلة والفقيرة ، وذلك عن طريق استغلال تطورات الحياة العلمية والإعلامية والتكنولوجية في تجهيل الشعوب واستغفالها وتضليلها وتزييف وعيها ، بدلاً من استغلالها لتوعيتها وتنويرها ورفع مستواها الثقافي والعلمي والمعرفي ، وبكل صراحة فإن تجار الأديان في كل زمان ومكان وخصوصاً في هذا العصر يتميزون بدهاء كبير ، كيف لا وقد استطاعوا استغفال العديد من المجتمعات البشرية رغم التطورات العلمية والتقنية ، التي تتناقض مع دعواتهم وتكشف مدى انحراف وفساد أفكارهم ومخالفتها للشرع والعلم والعقل والمنطق والتكنولوجيا والابتكارات العلمية والتقنية

!!   والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال ، إذا كان العديد من البشر لا زالوا يقعون ضحايا التجارة الدينية رغم ما وصلت إليه البشرية من التطورات العلمية في كل مجالات الحياة ، فهل هناك فرص للبشرية في القضاء النهائي على هذه التجارة التي دمرت حياتهم وصنعت العداوة والكراهية فيما بينهم ، وهل هناك فرص للبشرية لفهم غايات وأهداف الأديان السماوية بصورتها النقية الطاهرة البعيدة عن أهواء وأطماع ونزوات تجار الأديان ، وإذا كنا نلتمس العذر للأمم والشعوب السابقة سقوطها تحت براثن التجارة الدينية ، بسبب حالة الجهل والتخلف العلمي والحضاري التي كانت سائدة آنذاك ، فماذا يمكن أن نلتمس اليوم للمجتمعات البشرية التي لا تزال تحظى فيها هذه التجارة بالرواج والقبول في ظل ما وصلت إليه البشرية من تطورات علمية وتكنولوجية مذهلة ، وماذا يمكن أن نوصف الكثير ممن يمتلكون درجات علمية وأكاديمية كبيرة وخبرات تكنولوجية متطورة ، وهم يمجدون وينظرون ويروجون لهذه التجارة ، وماذا يمكن أن نوصف علماء في مجالات تقنية وتكنولوجية وهم يسجدون لأبقار وأشجار وأحجار ، وهم يقدسون ويعظمون بشر أمثالهم ، ويسمحون لتجار الدين باستغفالهم واستغلالهم والسيطرة عليهم والتحكم بهم

؟؟