ادعاءات تهريب النفط: تضليل بمئات آلاف البراميل
منذ 4 ساعات
سيئون- محمد علي محروسمساء الرابع والعشرين من ديسمبر 2025 نشر الصحفي خالد سلمان، رئيس التحرير الأسبق لصحيفة الثوري على حسابه في “فيسبوك” منشورًا مطولًا تحدث فيه عن عملية نهبٍ منظمةٍ للنفط من منطقة الخشعة في حضرموت، شرق اليمن، عبر أنابيب تم ربطها إلى صافر وتحديدًا مصفاة مأرب، شمال اليمن، للاستهلاك المحلي، فيما يذهب التصدير عبر شاحنات نقلٍ إلى ميناء الصليف بمحافظة الحديدة، غرب البلاد
سلمان تحدث عن نهب نحو 850 ألف برميل يوميًا، قبل أن يعدّل العدد إلى آلاف البراميل من القطاع النفطي رقم 10، دونًا عن بقية القطاعات
منشور سلمان لقيّ تداولًا واسعًا في منصات التواصل الاجتماعي كـ”فيسبوك“، “إكس“، و”أنستجرام” وحتى مواقع إخبارية اعتمدت على ما نشره سلمان لنقل الخبر الذي جاء مع سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي يومها على وادي وصحراء حضرموت، والإعلان عن ضبط مصافٍ بدائيةٍ لتكرير النفط تتبع نافذين في منطقة الخشعة بمديرية حورة في وادي حضرموت، شرقي اليمن
ربط سلمان والمتداولون للمنشور معلوماتهم المنقولة بخطابٍ تحريضي يحث على العنف والكراهية إلى جانب معلوماتٍ تبدو متضخمةً بالنظر إلى المعطيات الراهنة وواقع البلاد منذ عشر سنوات، كعدد براميل النفط المنهوبة من قطاعٍ نفطي واحد، إلى جانب أن النفط المنهوب يذهب إلى مصفاةٍ للاستهلاك المحلي في مأرب، ويصدّر ما تبقّى إلى ميناء الصليف عبر شاحنات نقلٍ، على الرغم من أن المساحة بين المنطقتين تصل إلى 811 كيلومتر
نحو خمس ساعات بين الخبر الذي نشرته قناة عدن المستقلة التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في 24 ديسمبر 2025 عن ضبط محطاتٍ غير قانونيةٍ لتكرير المشتقات النفطية في الخشعة بحضرموت وبين منشور خالد سلمان الذي تضمن عددًا من الادّعاءات حول ذات الموضوع
النسخة غير المعدلة من منشور سلمان تضمنت ادعاءه بنهب 850 ألف برميل نفطٍ يوميًا من القطاع النفطي رقم 10 في منطقة الخشعة، بحسب ما تؤكده منشورات أخرى في حساباتٍ ومجموعاتٍ في منصة “فيسبوك” مذيلةً باسم خالد سلمان؛ لتؤكد أن المنشور نقلًا عنه، وهو الذي عدّل منشوره إلى آلاف البراميل بدلًا من 850 ألف
المنشور الأصلي تفاعل معه أكثر من 600 شخص، وشاركه نحو 90 شخصًا، حتى العمل على هذه المادة مطلع يناير 2026
والملفت في ذات السياق أن هناك ناشرين آخرين حققت منشوراتهم تفاعلًا كبيرًا، كمنشور أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية في جامعة عدن الدكتور علي صالح الخلاقي الذي تفاعل معه أكثر من 2700 شخص، وشاركه أكثر من 300 آخرين
لقطة شاشة لمنشور خالد سلمان في حساب الدكتور علي الخلاقي، فيسبوك، 24 ديسمبر 2025على مستوى المجموعات شارك علي بن جراش الكلدي منشور خالد سلمان كما هو، في مجموعةٍ تحمل اسم المجلس الانتقالي الجنوبي وتفاعل معه ألف شخص، وشاركه أكثر من 200 آخرين
بينما كان النشر في منصتي “إكس” و”إنستجرام” محدودًا، كذلك الحال بالنسبة لمواقع الويب الإخبارية التي نشر بعضها الخبر مستندًا على منشور خالد سلمان والتداولات الأخرى في منصات التواصل الاجتماعي التي ظلت مستمرةً حتى اليوم التالي من موعد النشر الأول
على النقيض، استنكر البعض ما نشره سلمان، من بينهم الصحفي جمال حسن الذي نشر على حسابه في “فيسبوك”، قائلًا: “أنا مستغرب أن خالد سلمان كان رئيس تحرير واحدة من أهم الصحف المعارضة في اليمن
شفت منشور له يتحدث عن حقل في حضرموت يتم نهبه بكمية تبلغ 850 ألف برميل يوميًا”
وأضاف حسن: “أعتقد أي صحفي مبتدئ، تلقى تعليمًا جيدًا، أو حتى شخص يتمتع بقدر من التفكير المنطقي، لن يتعامل مع هذا الخبر حتى كفرضية للتحقق الاستقصائي؛ لأنه لم يحدث أن وصل حجم الانتاج من كل الحقول في أفضل فتراته إلى 60% من هذه الكمية”
أثار ما نشره خالد سلمان وآخرون تساؤلات حول حقيقة الرقم المتداول الذي لم يسبق لليمن أن صدرته منذ الإعلان عن تدشين إنتاج النفط في ثمانينيات القرن الماضي
القطاع النفطي رقم 10، أو ما يعرف بقطاع شرق شبوة، يقع في الجزء الأوسط من اليمن في حوض (سيئون – المسيلة) بمساحة 1070 كيلومتر مربع، منحت المنطقة لشركة “توتال” في أكتوبر 1987، قبل أن تصبح شركة بترومسيلة المملوكة للدولة في يناير 2016، المشغل الوطني لها
النطاق الجغرافي للقطاع النفطي رقم 10وفقًا لبيانات الهيئة العامة لاستكشاف وإنتاج البترول (PEPA) فإن منطقة القطاع النفطي رقم 10 واحدة من أكبر ثلاث مناطق منتجة للنفط في اليمن، إلى جانب منطقتي مأرب، الجوف، والمسيلة، ومنذ العام 1992، تم اكتشاف أربعة حقول نفطية تجارية، حيث بدأ الإنتاج الأول في يوليو 2003، كما تحتوي المنطقة على أربعة حقول نفطية، بينما بلغ الإنتاج ذروته عند 74 ألف برميل يوميًا في عام 2011
وبلغ إنتاج اليمن من النفط ذروته في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، وهو في انخفاضٍ منذ ذلك الحين؛ إذ بدأت شركات النفط العالمية بالانسحاب من اليمن مع تصاعد الحرب أواخر 2014 وأوائل 2015
وتوقف مؤقتًا إنتاج النفط في حضرموت بعد سيطرة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب على المكلا في أبريل 2015، واستؤنف عام 2016، ولكن بمعدلاتٍ أقل بكثير مما كانت عليه فترة ما قبل الحرب
بدأ إنتاج النفط على نطاقٍ واسع في اليمن عام 1988 بنحو 170 ألف برميل يوميًا، ووصل إلى أعلى مراحله الإنتاجية عام 2002 عند 457 ألف برميل يوميًا، قبل أن ينخفض ليبلغ متوسط بنسبة 6
5% سنويًا بين عامي 2001 و2014
وانخفض بشكل أكبر بعد اندلاع الصراع الدائر ووصل إلى مستوى قياسي منخفض عام 2016، بمتوسط 24 ألف برميل يوميًا فقط، وعام 2015 أوقفت شركات النفط الأجنبية عملياتها في اليمن باستثناء بعض الإنتاج المحدود في حقولٍ تديرها شركات حكومية مثل صافر وبترومسيلة، وفي عام 2019 بلغ متوسط إنتاج النفط الخام في حضرموت 33 ألف برميل في اليوم، وهو ما يمثل 7
2% فقط من ذروة الإنتاج
هذه الأرقام تؤكد بشكلٍ قاطع أن الادعاء الذي تم تداوله عن تهريب 850 ألف برميل أو عشرات الآلاف بشكل يومي من القطاع النفطي رقم 10 ليس صحيحًا؛ فما تم التوصل إليه يدحض ما نشر، ويبيّن أنه جاء في سياق التناول المضلل للمعلومات خلال فترة الصراع التي شهدتها محافظة حضرموت في شهري ديسمبر 2025 ويناير 2026
الأرقام لم تكن وحدها في السياق المضلل الذي اتبعه الناشر الأول، والمتداولون لمنشوره في منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية التي اعتمدته كسردية معلوماتية بنت عليه خبرًا من العدم
بل هناك معلومة أخرى ارتبطت بمسارات تهريب كمية النفط المعلن عنها إلى مأرب والحديدة
في منشوره قال خالد سلمان إن عملية النهب المنظمة للنفط تتم من منطقة الخشعة عبر أنابيب ربطت إلى مأرب وتحديدًا مصفاة صافر للاستهلاك المحلي، فيما يذهب التصدير عبر شاحنات نقل إلى ميناء الصليف بمحافظة الحديدة، غرب البلاد
بالتأكد من هذه المعلومة عبر الهيئة العامة لاستكشاف وإنتاج البترول (PEPA) فإن حقول القطاع النفطي رقم 10 ترتبط بخط أنابيب تصدير النفط الخام الرئيسي في المنطقة 14 عبر خط أنابيب بطول 46 كيلومترًا، بطاقة 45 ألف برميل في اليوم؛ مما يسمح بنقل النفط الخام إلى محطة تصدير الشحر “ميناء الضبة” الذي أنشئ عام 1993 على البحر العربي
خصص ميناء الضبّة النفطي بمديرية الشحر لأغراض التصدير من نفط المسيلة قطاع (14) ونفط شرق شبوة قطاع (10)، وغيرهما من القطاعات الأخرى في حضرموت عبر خطٍ يمتد على مسافة (138) كيلومترًا
بينما من الصعوبة بمكان في ظل الصراع الحاصل أن تنقل شاحناتٌ كمياتٍ بهذا القدر من النفط برًا إلى ميناء الصليف في الحديدة، حيث يجب أن تمر بمناطق سيطرة عسكرية متباينة، إضافةً إلى التكاليف الكبيرة بالنظر إلى المساحة التي تصل إلى 811 كيلومتر من الخشعة في حضرموت شرقًا إلى الصليف في الحديدة غربًا، وبوقت يصل في حالة السلم إلى نحو 13 ساعة سفر متواصلة
صحفي ورئيس تحرير سابق أطلق شرارة ادعاء في أوج صراعٍ قائم، تداوله نقلًا عنه أكاديمي وأستاذ جامعي، ومنهما بات الادعاء شائعةً ذات صيتٍ ذائع في منصات التواصل الاجتماعي ومواقع ويب إخبارية، مرفقةً بكلمات تحشيدٍ مناطقي ودعوة للعنف
ينجر صحفيون إلى نشر المعلومات المضللة بقصد أو دون قصد تحت وطأة التدفق المعلوماتي المتسارع خلال فترات الصراع، ولتحقيق السبق الصحفي، وهو ما يحدث في اليمن وفقًا لتوصيف الصحفي ومدقق المعلومات عدنان المنصوري الذي يضيف لـ”المشاهد”: “هناك صحفيون لديهم توجهاتهم وميولاتهم الخاصة؛ لذا يجدون أنفسهم أمام تحدي النشر المؤيد والداعم دون مراعاةٍ لحقيقة ما شاركوه أو ما سيبنى عليه لاحقًا لتمرير معلوماتٍ يفترضونها حقيقية، وهم بذلك يقعون في الفخ”
ويذهب المنصوري إلى أن هكذا تداول دون تحقق من المعلومة في ظل عدم الاستقرار السياسي يعمّق حالة الصراع؛ مما يؤدي إلى انقسامٍ واستقطاب مجتمعي كبير
ما رأيك بهذا الخبر؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن