استخدام ورقة “مكافحة الإرهاب” للتوسع في حضرموت والمهرة

منذ 15 ساعات

سيئون- خليل كاملروّج المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًا، منذ نهاية عام 2025 لسرديةٍ أمنية تتهم القوات الحكومية في محافظتي حضرموت والمهرة بالارتباط بتنظيمات إرهابية وتهريب السلاح لصالح جماعة الحوثي

واعتبر “الانتقالي” أن تحركاته العسكرية في المحافظتين تأتي في إطار “مكافحة الإرهاب” وتجفيف منابع الفساد

رافق هذا الادّعاء خطاب سياسي وإعلامي مكثف، قدّم العمليات العسكرية باعتبارها ضرورةً أمنية واستجابةً لمطالب محلية، في اتهامٍ مباشر للقوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا

بفحص التصريحات الرسمية، والوقائع الميدانية، والمواقف الدولية المصاحبة للأحداث تبيّن أن الاتهامات لم تُرفق بأي أدلةٍ مستقلة أو تقارير أمنيةٍ موثوقة، ولا توجد بيانات دولية تتبنى أو تؤكد رواية الإرهاب التي يروّج لها “الانتقالي”، أيضًا الخطاب المستخدم يتطابق مع أنماطٍ سابقة استُخدمت لتبرير السيطرة العسكرية على مناطق أخرى شملت عدن، أبين، شبوة وانتهاءا بحضرموت والمهرة

في 2 ديسمبر 2025، أطلقت قوات المجلس الانتقالي عمليةً عسكرية في وادي حضرموت تحت اسم “المستقبل الواعد”؛ استهدفت مواقع تابعةٍ للقوات الحكومية، من بينها مقر المنطقة العسكرية الأولى ومطار سيئون؛ بحجة محاربة الإرهاب وتجفيف منابع الفساد

وسرعان ما توسعت العمليات لتشمل مواقع في محافظة المهرة؛ ما أثار مخاوف إقليمية ودولية من تصعيدٍ أحادي قد يقوّض مسار التهدئة ويهدد وحدة اليمن

ورغم الدعوات الرسمية للانسحاب، رفض المجلس الانتقالي التراجع؛ ما دفع رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى طلب تدخلٍ سعودي لدعم قوات “درع الوطن”، التي استعادت السيطرة على المواقع خلال أيام

اتهم الخطاب الرسمي للمجلس الانتقالي القوات الحكومية في حضرموت صراحةً بدعم جماعاتٍ إرهابية وتهريب السلاح للحوثيين، ورافقت ذلك تصريحات متطابقة من قياداته ووسائله الإعلامية

من أبرزها تصريح عضو مجلس القيادة الرئاسي فرج البَحسني، الذي قال خلال حديثٍ متلفز في 2 ديسمبر 2025، إن التحرك العسكري جاء “بعد ظهورٍ واضح للتنظيمات الإرهابية وجماعة الحوثي في وادي حضرموت”

كما وصف بيان رسمي للمجلس المناطق التي تمت السيطرة عليها بأنها “منابع للجماعات الإرهابية”، وجرى تقديم العملية باعتبارها استجابةً لمطالب السكان المحليين بتحقيق الأمن والاستقرار

رصد التحقق دورًا محوريًا لوسائل إعلامٍ موالية للمجلس الانتقالي، أبرزها “عدن المستقلة، سكاي نيوز عربية، سوث 24” في الترويج للرواية الأمنية دون عرض أدلةٍ أو مصادر مستقلة

ومن أبرز الأمثلة ما بثته قناة “سكاي نيوز عربية” من تقارير مكثفة روّجت لادّعاءات الانتقالي بمحاربة الارهابين في حضرموت، وإطلاق وصف الإرهابيين على القوات الحكومية

وفي 27 ديسمبر 2025 بثت القناة نقلًا عن ناطق المجلس الانتقالي، ادعاءه باغتيال “300 ضابط وجندي” في وادي حضرموت

وبالتحقق تبيّن أن الخبر قديم ومضلل، إذ يعود إلى تقارير إعلامية منذ عام 2019 حول انفلاتٍ أمني عام، وأعيد تدويره لاحقًا دون سند، ثم أعيد توظيفه سياسيًا للإيحاء بوجود استهدافٍ عسكري منظم

قناة “عدن المستقلة” التابعة للمجلس الانتقالي، هي الأخرى ساهمت بالزخم الإعلامي في تضخيم الاتهامات عبر الكثير من التقارير الإعلامية، جميعها نشرت دون أدلة

تُظهر تطورات الأحداث أن المجلس الانتقالي يستخدم خطاب مكافحة «الإرهاب» كغطاءٍ سياسي وإعلامي لتبرير تحركاته العسكرية وبسط نفوذه على المناطق الجنوبية

ومع اكتمال السيطرة على المحافظتين، يكون المجلس قد فرض نفوذه على معظم مناطق ما كان يعرف بجنوب اليمن سابقًا قبل الوحدة في 1990، في سياقٍ يُفسَّر على أنه تمهيد لتحقيق هدفٍ سياسي أوسع يتمثل في فرض واقع انفصالي

ولم تقتصر تحركات “الانتقالي” على الجانب العسكري، بل سبقتها خطوات أحادية، شملت تعيينات وقرارات خارج إطار التوافق، وصولًا إلى طرد رئيس مجلس القيادة الرئاسي من عدن، وفرض السيطرة على القصر الرئاسي “قصر المعاشيق”

وعقب السيطرة العسكرية، جرى إنزال أعلام الجمهورية اليمنية من عدد من المرافق والمواقع في المناطق المستهدفة، في مؤشرٍ رمزي على فرض أمر واقع جديد

بمراجعة بيانات مجلس الأمن الدولي، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، إلى جانب مواقف السعودية ودولٍ خليجية أخرى، يتضح أن جميعها لم تتبنَّ أو تذكر صراحةً رواية المجلس الانتقالي الجنوبي

بل ركزت جميعها على الدعوة إلى خفض التصعيد ودعم وحدة اليمن والحكومة الشرعية، دون تبني أو الإشارة إلى رواية المجلس الانتقالي بشأن الإرهاب

كما اعتبرت السعودية، قائدة التحالف، تحركات المجلس الانتقالي “أحاديةً ومرفوضة”، قبل أن تتدخل لدعم استعادة المواقع التي سيطر عليها

هذا التجاهل الدولي للسردية الأمنية يعكس عدم قناعة المجتمع الدولي بوجود تهديدٍ إرهابي يبرر التوسع العسكري الذي نفذه المجلس

بيانات وتصريحات لمجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبيفي المقابل ما يزال تنظيم القاعدة ينشط في محافظتي أبين وشبوة الخاضعتين لسيطرة المجلس الانتقالي

فخلال النصف الأول من عام 2025، نفّذالتنظيم أكثر من 30 هجومًا، تركز معظمها في المحافظتين

وشهدت أبين في أكتوبر 2025 هجومًاعنيفًا استهدف مقر اللواء الأول دعم وإسناد، وأسفر عن قتلى وجرحى، كما شنّ التنظيمهجمات أخرى في ديسمبر

وفي شبوه اندلعت اشتباكات مسلحة في يوليو 2025، تلتها غارات أمريكية بطائرات مسيرة استهدفت مواقع للتنظيم في نوفمبر

وتطرح هذه الوقائع تساؤلًا حول أولوية مكافحة التنظيم في مناطق السيطرة الفعلية، مقابل نقل المعركة إلى محافظات أخرى بذريعة الإرهاب

ليست هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها المجلس الانتقالي خطاب “مكافحة الإرهاب” ضد خصومه السياسيين

ففي أغسطس 2019 وجّه “الانتقالي” اتهاماتٍ مشابهةً للقوات الحكومية خلال المواجهات في عدن، التي انتهت بسيطرته على المدينة

وتكرر الأمر في شبوة مطلع 2022، ثم في أبين خلال عملية “سهامالشرق“، وانتهت في حضرموت وأبين، حيث رافق العملياتالعسكرية خطاب مماثل دون تقديم أدلةٍ مستقلة

في جميع هذه الحالات لم ترفق الادّعاءات بأدلةٍ مستقلة تؤكد وجود تهديدٍ إرهابي يبرر السيطرة العسكرية، وهو ما يشير لعدم صحة ادّعاءات المجلس الانتقالي في محاربة الإرهاب، وإنما تستخدم ورقة الإرهاب لبسط سيطرتها على مختلف المناطق الجنوبية وفرض أمرٍ واقع جديد على الأرض

خلف التصعيد العسكري الذي رافقه خطاب الانتقالي، أضرارًا واسعة على المستويات الإنسانية والعسكرية والبنيوية

وفقاً لرئاسة الأركان للقوات المسلحة اليمنية فقد قتل 32 وجرح 45 آخرين من أفراد وضباط المنطقة العسكرية الأولى في سيئون

كما طالت الخسائر المدنيين، حيث أُفيد بمقتل 143 مدنيًا وإصابة 31 آخرين، 27 حالة مداهمة لمنازل مواطنين، شملت اقتحام المساكن بالقوة، ومصادرة ممتلكات خاصة، وترويع الأسر، بما في ذلك النساء والأطفال، حسب وكالة “سبأ” الحكومية

كما أسفر الصراع عن موجات نزوح ملحوظة إذ أشار تقرير أممي إلى نزوح ما لا يقل عن 1,228 أسرة من حضرموت إلى محافظة مأرب، إلى جانب تسجيل حالات نزوح داخلي داخل حضرموت نفسها، مدفوعة بالمخاوف الأمنية واتساع الانتشار العسكري

وامتدت آثار التصعيد إلى الخدمات الأساسية والبنية التحتية، مع تسجيل اضطرابات وانقطاعات في التيار الكهربائي، وإغلاق طرق رئيسية، وتوقف حركة المطار والميناء، وتعطل جزئي للتجارة والتنقل

وأسهم ذلك في شلل أنماط الحياة اليومية وتوقف العملية التعليمية، في ظل غياب إحصاءات رسمية تحدد الحجم الفعلي للخسائر

رغم تكرار خطاب محاربة الإرهاب إلا أن التحقيق في الوقائع يشير إلى أن الانتقالي لم يُقدم أدلةً مستقلةً وموثوقة على وجود شبكات تهريبٍ أو دعم للحوثيين من داخل المواقع التي سيطر عليها

ولم يجد معد المادة تقارير مستقلة من منظماتٍ حقوقية أو أمنية دولية تؤكد وجود تنظيمات إرهابيةً في المواقع التي نُصبت كذريعة للسيطرة

كما أن استمرار نشاط القاعدة في مناطق سيطرة الانتقالي يضعف مصداقية خطابه

وليست هذه المرة الأولى أو الوحيدة التي يستخدم فيها “الانتقالي” خطاب “مكافحة الإرهاب” ضد خصومه السياسيين، فقد استخدمها عام 2019 في معركة عدن، وعام 2022 في معركة أبين وشبوة، وفي عام 2025 استخدمها ضد خصومه في حضرموت والمهرة

السرد السياسي يتقاطع في أغلب الأحيان مع أهدافٍ أخرى غير معلنة بوضوح مثل السيطرة على الموارد والمواقع الإستراتيجية

وتحركات الانتقالي لم تمر دون ردود فعلٍ خارجية، بل أحدثت توترًا بين شركاء التحالف العربي في اليمن

وجاءت بيانات وتصريحات دولية وإقليمية (مجلس الأمن، الاتحاد الأوروبي، أمريكا، السعودية، الكويت، قطر، والبحرين) جميعها تركزت على ضرورة حل الأزمة عبر الحوار وليس عبر القوة، ولم تشر لما روّج له الانتقالي من اتهام خصومه بالإرهاب

والمملكة العربية السعودية الداعمة للحكومة اليمنية رفضت العمليات العسكرية التي نفذها المجلس الانتقالي، وفي حين رفض الانسحاب من المناطق التي سيطر عليها مؤخرًا تدخلت عسكريًا وساندت قوات “درع الوطن” حتى استطاع استعادة المناطق التي سيطر عليها

وختامًا، تظهر المعطيات أن خطاب “مكافحة الإرهاب” الذي روّج له المجلس الانتقالي الجنوبي يستخدم كأداةٍ سياسية وإعلامية لتبرير التحركات العسكرية ضد خصومه وتوسيع نفوذه، أكثر من كونه توصيفًا لتهديدٍ أمني حقيقي

كما تكشف غياب الأدلة وتناقض الوقائع وعدم تبني المجتمع الدولي لهذه الرواية؛ أن ما جرى في حضرموت والمهرة يندرج ضمن نمطٍ متكرر من التضليل، يوظَّف لفرض أمرٍ واقع جديد تحت غطاءٍ أمني

ما رأيك بهذا الخبر؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن