التعليم بمناطق الحوثي.. سلعة وغسيل أدمغة

منذ 5 ساعات

صنعاء – موسى ثابتأصبح تدشين العام الدراسي للطلاب في الآونة الأخيرة هَمٌ يؤرق الكثير من أولياء الأمور والأسر القاطنة في المناطق الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي

الحاج جميل عامر (62 عامًا)، يعمل حارسًا لإحدى البنايات السكنية، يخشى بدء العام الدراسي؛ بسبب عدم استطاعته تسجيل أبنائه الأربعة في إحدى المدارس الحكومية بصنعاء، كما يقول في حديثه لـ”المشاهد”

 إذ لا توجد لديه القدرة على دفع 35 ألف ريال يمني كرسوم تسجيلٍ في المدرسة الحكومية، تحت مسمى دعم شعبي، إضافةً إلى دفع 22 ألف ريال رسوم الزّي المدرسي، ودفع مبالغ تتراوح ما بين 50 إلى 70 ألف ريال لشراء الكتب والدفاتر، حيث يصل مجموع ما يتوجب عليه دفعه لأبنائه من أجل مواصلة تعليمهم في العام الدراسي الحالي إلى 127 ألف ريال بالطبعة القديمة من العملة المتداول في مناطق سيطرة الحوثي، أي ما يعادل أكثر من 250 دولارًا أمريكيًا

يحصل الحاج جميل على 70 ألف ريال (135 دولارًا)، كل شهرين وأحيانًا كل ثلاثة أشهر، كمكافأةٍ من سكان العمارة التي يحرسها، وبذلك يجد الحاج جميل نفسه عاجزًا عن تسديد الالتزامات المالية لتعليم أبنائه، كواقع الكثير من المواطنين الذين أفقرتهم الحرب في صنعاء ومختلف المناطق اليمنية

قصة الحاج جميل لا تختلف كثيرًا عن نظرائه من أرباب العائلات، فالموظف الحكومي المتقاعد، محمد مصلح، يجد حرجًا في نفسه حينما يبحث عمن يساعده لتسجيل بناته وأولاده في إحدى المدارس الحكومية بصنعاء

الموظف المتقاعد، محمد مصلح: “ندفع رسومًا باهظة لتسجيل أبنائنا في المدارس الحكومية بصنعاء، رغم أن القانون اليمني ينص على أن التعليم حق مجاني لكل يمني، رواتبنا مقطوعة وظروفنا صعبة جدًا، ومع ذلك تطالبنا وزارة التربية والتعليم بدفع رسوم تسجيل لأولادنا تفوق ما نحصل عليه من دخلٍ مالي، وهذا الأمر غير مقبول”

الموظف المتقاعد، محمد مصلح: “ندفع رسومًا باهظة لتسجيل أبنائنا في المدارس الحكومية بصنعاء، رغم أن القانون اليمني ينص على أن التعليم حق مجاني لكل يمني، رواتبنا مقطوعة وظروفنا صعبة جدًا، ومع ذلك تطالبنا وزارة التربية والتعليم بدفع رسوم تسجيل لأولادنا تفوق ما نحصل عليه من دخلٍ مالي، هذا الأمر غير مقبول”

منذ توقف صرف مرتبات المعلمين في مدارس صنعاء والمحافظات الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، تم فرض مبالغ مالية على أولياء الأمور كرسومٍ دراسية لتسجيل أبنائهم في المدارس الحكومية وهذا النظام لم يكن معمول به قبل سيطرة جماعة الحوثي على الدولة

ورغم حصول معظم المدارس على آلاف الريالات إلا أن عددً من المعلمين قالوا في أحاديث متفرقة لـ”المشاهد”، إنهم لا يحصلون إلا على النذر اليسير من تلك المبالغ، بينما تذهب غالبية هذه الأموال إلى جيوب بعض مدراء ووكلاء المدارس والمشرفين التربويين الذين فرضتهم الجماعة على المدارس والمناطق التعليمية

في سبتمبر من عام 2019 تم الإعلان رسميًا عن إنشاء “صندوق دعم المعلم والتعليم“، وإقرار مشروع قانونه من قبل مجلس النواب التابع للحوثيين

وبعد أسبوعٍ من الإعلان عن هذا الصندوق تم صرف أول حافز (30 ألف ريال) للمعلمين المحرومين من مرتباتهم، لكن ذلك لم يستمر وانقطع صرف هذا الحافز، وتبخرت آمال وأحلام المعلمين، ومعهم أولياء أمور الطلاب حين ظنوا أن الخطوة بارقة أملٍ تنعكس ايجابيًا على وضع أبنائهم الطلاب

تتحدث “ز

ي

” وكيلة إحدى المدارس الحكومية للبنات في صنعاء لـ”المشاهد”، طلبت إخفاء هويتها لأسبابٍ أمنية، كاشفةً أن كثيرًا من العائلات لا تستطيع دفع رسوم التسجيل الدراسي؛ الأمر الذي دفعها هي ومديرة المدرسة للتنسيق مع عقّال الحارات لحثّ رجال المال والأعمال والتجار من الميسورين على دفع رسوم التسجيل

وتقول إن هذه المبالغ تصرف كحافزٍ شهري بمقدار عشرة آلاف ريال (أقل من 20 دولارًا) لمن يلتزم من المعلمين الحضور اليومي لتقديم حصصهم الدراسية، والتي تكفي بالكاد بضعة أيام لبعض المعلمين

لكن هذه الوكيلة لا تنفي وجود فسادٍ في بعض المدارس التي تُتهم إداراتها والمشرفين التربويين المُعيّنين عليها من جماعة الحوثي بالفساد وسرقة موارد التعليم

“خلال فترة الحرب تزايدت أعداد المدارس الخاصة في صنعاء

قابل هذا تزايدًا للرسوم الباهظة التي تم فرضها على الطلاب؛ لأسبابٍ كثيرة، منها غياب بعض المعلمين من حضور حصصهم الدراسية في المدارس الحكومية نتيجة توقف رواتبهم الشهرية، واكتظاظ الفصول بمئات الطلاب، وتسخير الحوثيين المدارس الحكومية لترسيخ مشروعها الطائفي”

“كل هذه العوامل أدّت إلى ابتعاد الكثير من أولياء الأمور عن المدارس الحكومية وتسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة”، هذا ما يقوله لـ”المشاهد”، عبدالله إدريس (اسم مستعار)، ولي أمر أحد الطلاب بصنعاء

حاربت جماعة الحوثي زيادة عدد المدارس الخاصة من خلال فرض إتاواتٍ وجبايات تحت مسميات عديدة، منها رسوم الضرائب والزكاة والأوقاف ودعم المجهود الحربي، والمشاركة في الدعم المالي للمناسبات التي تقيمها الجماعة، كالمولد النبوي ويوم الصمود وأسبوع الشهيد

ومنعت الجماعة تعليم اللغة الإنجليزية لمساقات رياض الأطفال والفصول الدراسية التمهيدية

كما ألزمت المدارس الخاصة بمنح مقاعد مجانية لأبناء المشرفين، وأطفال قتلاها وأبناء الأسرى والجرحى التابعين لها

إضافةً إلى أنها فرضت على معظم المدارس الخاصة توظيف معلمين من أتباعها

هذه الأعباء المادية وغيرها من العوامل دفعت الكثير من ملّاك ومديري المدارس الخاصة إلى رفع رسوم التسجيل للطلاب؛ ما ضاعف المعاناة المالية للكثير من أرباب الأسر الراغبين بتسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة، بحسب شكاوى تحدث بها لـ”المشاهد” عدد من مديري المدارس الخاصة الذين طلبوا إخفاء هوياتهم خوفًا من ملاحقة الحوثيين

هذا العام ارتفعت أسعار تسجيل الطلاب في المدارس الخاصة أضعافًا عن الأعوام الماضية

وبحسب ما رصده معد المادة، فإن متوسط رسوم المرحلة الابتدائية في معظم المدارس الخاصة تتراوح ما بين 150 – 200 ألف ريال الطبعة المتداولة في مناطق سيطرة الحوثيين (300 – 400 دولار)

أما في المرحلة الإعدادية فتتراوح الرسوم ما بين 200 – 300 ألف ريال (400 – 600 دولار)

وفي المرحلة الثانوية تتراوح ما بين 300 – 480 ألف ريال (600 – 960 دولار)، وتختلف الأسعار ما بين مدرسةٍ وأخرى وفق حجم النفوذ والصلات التي تجمع مديري تلك المدارس بمسؤولي ومشرفي وزارة التربية والتعليم التابعة للحوثيين

 ويؤكد المواطن المقيم بصنعاء، محمد مصلح (44 عامًا)، في حديثه مع “المشاهد”، أنه حينما ذهب لتسجيل نجله في الصف الثاني ابتدائي بإحدى المدارس الخاصة أخيروه بأنه يتوجب عليه دفع 190 ألف ريال كرسوم إذ كان الدفع نقدًا، أو 250 ألف ريال إذا كان الدفع بالتقسيط

ويحكي الصحفي الثلاثيني المقيم بصعدة، محمد إسماعيل، أنه اضطر إلى إيقاف تدريس أبنائه في العام الماضي؛ بسبب ارتفاع تكاليف تسجيلهم في المدارس، إذ أصبح التعليم بالنسبة إليه عبئًا لا يُطاق

أما الشاب ناصر علي (اسم مستعار لمواطن بصنعاء)، فيرى أن سبب ارتفاع الرسوم الدراسية في المدارس الخاصة هو أن جماعة الحوثي فرضت على المدارس الخاصة رسومًا باهظة، وفي ذات الوقت تحثهم على تخفيض الأسعار، وهذا الأمر لا يعقل

فمن وجهة نظره، لو أن جماعة الحوثي اهتمت بالمدارس الحكومية ومجانية التعليم فيها مثلما هو اهتمامها بالمراكز الصيفية لكان الوضع أفضل حالًا مما هو عليه في الوقت الراهن

ناصر علي، اسم مستعار لمواطن بصنعاء: “جماعة الحوثي فرضت على المدارس الخاصة رسومًا باهظة، وفي ذات الوقت تحثهم على تخفيض الأسعار، وهذا الأمر لا يعقل، فلو أنها اهتمت بالمدارس الحكومية ومجانية التعليم مثلما اهتمت بالمراكز الصيفية لكان الوضع أفضل حالًا مما هو عليه في الوقت الراهن“وترى نادية نصار (اسم مستعار لربة بيت) أن وضع التعليم في صنعاء أصبح سيئًا، وفي هذا الصدد تقول: “إن قلنا نُدخل أولادنا في المدارس الحكومي فلا وجود لتعليمٍ جيد، وإن قلنا نُدخلهم مدارس خاصة فالرسوم جنونية، والوضع المعيشي من سيء إلى أسوأ، وظروف الناس ما يعلم بها إلا الله”

وفي عام 2019 بدأت جماعة الحوثي بإجراء تعديلاتٍ شاملة في مناهج التعليم وفقًا لفكر جماعة الطائفي الذي يتطابق مع إيران

ومنذ سيطرتها على صنعاء في نهاية عام 2014، عملت الجماعة على “استهداف الشباب بصورةٍ ممنهجة أيديولوجيًا؛ ما يعني الانتقال من التعليم المدني، إلى التعليم بتوجهٍ ديني، في خطوةٍ تماثل ما قامت به الثورة الإيرانية عام 1979، وما فعله نظام الخميني لتشكيل الجيل القادم،” وفقًا لتقرير نشره “منتدى سلام اليمن“، في نوفمبر 2021

  ويضيف التقرير: “تنفذ جماعة الحوثي أجندةً مذهبية (في التعليم) لضمان ولاء الأطفال لها في المستقبل وإقناع البالغين بالقتال إلى جانبها على خطوط المواجهة، ورغم أن الأطفال بمناطق سيطرة الحكومة يقضون هذه الأيام الاجازة الصيفية، بدأ العام الدراسي الجديد في مناطق سيطرة الحوثيين منذ يونيو الماضي مع حلول العام الهجري الجديد، وهو نهج بدأته الجماعة منذ عام 2025

وبين الخوف من غرس أيدلوجية الجماعة في عقول الناشئة وبين الخوف من تجهيل الجيل القادم، تعيش الأسر والأطفال أوضاعًا معقدةً على المستويين الفكري والاقتصادي

ووفقًا لمنظمة “إنقاذ الطفولة” فإن اليمن يشهد أزمةً تعليمية لم يشهد مثيلها من قبل، وبات طفلَين من كل خمسة أطفال خارج أسوار المدارس؛ ما يعادل 4

5 ملايين طفلًا

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن