التمثيل باليمن.. “قصص بؤسٍ” خلف الكاميرات
منذ 3 ساعات
تعز-إلهام القاضي & نجوى حسنتحت أضواء الكاميرا الخافتة في أحد أزقة مدينة تعز المنهكة، يرتدي الممثل اليمني حُلّته الأنيقة ليؤدي دور رجل أعمالٍ ثري أو بطلٍ شعبي ينتصر للفقراء
لكن بمجرد أن يصرخ المخرج “قطع!”، يعود “البطل” إلى واقعٍ يفتقر لأدنى مقومات الكرامة المهنية
في اليمن، حيث تُمزّق الحرب أوصال البلاد منذ عقد، لم يَعد الفن ترفًا أو حتى مهنةً إبداعية مستقرة؛ بل تحول إلى صراعٍ يومي مرير من أجل لقمة العيش، في بيئةٍ إنتاجيةٍ تحكمها عقلية “السوق السوداء” وغياب القانون
بالنسبة لحسين بن طلال، الممثل الذي ألفته الشاشات المحلية، فإن الفجوة بين الصورة والواقع باتت تتسع لدرجة الانفجار
يروي بن طلال -بمرارة- كيف أن الأجور التي يتقاضاها الفنانون في اليمن لا يمكن وصفها إلا بـ”الإهانة الممنهجة”
في بلد يعاني من انهيارٍ تاريخي للعملة، قد يتقاضى الممثل في دورٍ ثانوي يمتد لثماني حلقات مبلغًا لا يتجاوز 200 دولار، وهو رقم بالكاد يغطي تكاليف المواصلات والوجبات السريعة أثناء التصوير
أما “الكومبارس”، أولئك الذين يمنحون المشاهد واقعيتها، فوضعهم مأساوي إلى حد الذهول
إذ يتقاضون حوالي 5000 ريال يمني (أقل من ثلاثة دولارات) لليوم الواحد
يقول بن طلال: “هذا التعامل المزري دفعني للبحث عن مخارج أخرى، فلم يعد التمثيل مصدر رزق، بل أصبح عبئًا”
ودفع هذا الاستغلال بن طلال إلى الهجرة من “أمام الكاميرا” للعمل “خلفها”، مطورًا مهاراته في كتابة السيناريو والإخراج، بحثًا عن استقلاليةٍ تحميه من “تغول” جهات الإنتاج التي تقتات على عرق المبدعين
لا تقتصر الأزمة على شحّ المال، بل تمتد لتكشف عن جغرافيا الاستغلال
ويشير الممثل، منير حكيم، إلى ظاهرةٍ مقلقة: تحول مدينة تعز إلى “مغناطيس” لشركات الإنتاج في السنوات الأخيرة، ليس تقديرًا لإرثها الثقافي فحسب، بل لأنها أصبحت بيئةً “منخفضة التكلفة”
يوضح حكيم: “الشركات تهرب من صنعاء بسبب القيود السياسية الخانقة والجبايات المرتفعة، وتتجنب عدن لغياب التسهيلات؛ لتجد في تعز ملاذًا يعج بالمواهب الشابة المستعدة للعمل بأي ثمنٍ مقابل “فرصة الظهور”
يروي حكيم تجربته الشخصية التي تختصر الحكاية: “شاركتُ في مسلسلٍ بدور ثانوي لكنه جوهري، ظهرتُ في معظم الحلقات على مدار أشهر، وفي النهاية تقاضيت 100 دولار فقط، في المقابل، يحصل النجوم الكبار على آلاف الدولارات لظهور أقل؛ لأن “الاسم” في كواليس الإنتاج اليمني يزن أكثر من الجهد والاحتراف”
الممثل منير حكيم: شاركتُ في مسلسلٍ بدور ثانوي لكنه جوهري، ظهرتُ في معظم الحلقات على مدار أشهر، وفي النهاية تقاضيت 100 دولار فقط
”هذا التفاوت الطبقي داخل الوسط الفني خلق حالةً من الاغتراب، فحين تنفق شركات الإنتاج ميزانيات ضخمة على الديكورات أو أجور نجوم “الصف الأول”، تترك بقية الطاقم يتضورون جوعًا؛ مما يضطر فنانين مثل حكيم للعمل في الاستشارات وريادة الأعمال للبقاء على قيد الحياة
في استبيانٍ ميداني أجراه معدا التقرير، بمدينة تعز نهاية يناير الماضي، شمل عينةً من الممثلين الثانويين، جاءت النتائج لترسم صورةً قاتمةً لقطاعٍ ينهار بصمت
100 % من المشاركين في الاستبيان قالوا إن التمثيل ليس مهنتهم الأساسية، بل مجرد نشاط عارض لا يمكن الاتكال عليه
بينما جميع المشاركين في الاستبيان اتفقوا على أن الفارق في الأجور بين النجوم والممثلين المساعدين “غير عادلة ومتطرفة”
و60% كشفوا عن تعرضهم لضغوطٍ مباشرة لقبول أجورٍ زهيدة تحت تهديد الاستبدال
فيما أبدا 100 % منهم سخطًا تامًا على دور نقابة الفنانين، التي يصفونها بـ “الكيان الغائب” الذي لا يملك من أمره شيئًا
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي صرخة جماعية ضد منظومةٍ إنتاجيةٍ تفتقر لأبسط الضمانات القانونية
تفتقر الدراما اليمنية إلى “مأسسة” حقيقية، فأغلب التعاملات تتم عبر اتفاقاتٍ شفهية أو عقود هشة لا تضمن حقًا ولا تفرض واجبًا على المنتج
ويكشف حسين بن طلال عن كواليس مرهقة؛ حيث يضطر الممثل للانتظار في مواقع التصوير لأكثر من 17 ساعة متواصلة دون نظام أو رعاية
والأدهى من ذلك، أن الممثل قد يتسلم نَص الحوار في لحظة الوقوف أمام الكاميرا؛ مما يفرغ العمل من قيمته الفنية ويحوله إلى “مسخرة” عشوائية
“يتم الدفع عادة بعد انتهاء المسلسل بأسابيع أو أشهر”، يضيف بن طلال، ويواصل: “تظل القنوات تماطل، ويجد الفنان نفسه في وضعٍ محرج، يطارد مستحقاته البسيطة بينما يكون المسلسل قد عُرض وحقق أرباحًا إعلانية للشركة”
الممثل حسين بن طلال: يتم الدفع عادة بعد انتهاء المسلسل بأسابيع أو أشهر
تظل القنوات تماطل، ويجد الفنان نفسه في وضعٍ محرج، يطارد مستحقاته البسيطة بينما يكون المسلسل قد عُرض وحقق أرباحًا إعلانية للشركة”
ومن يجرؤ على الاعتراض؟ “الإقصاء هو العقاب الفوري”، يقولها بن طلال بأسف؛ فالمطالبة بالحقوق تعني وضع الفنان في “القائمة السوداء”
على الجانب الآخر من المعادلة، يبرز صوت المخرجين والمنتجين ليدافعوا عن منطق “السوق”
المخرج سيف الوافي يرى أن قضية الأجور هي انعكاس طبيعي للانهيار الاقتصادي الشامل في البلاد
“فالمخرج ليس جهة دفعٍ، هو يقرب وجهات النظر فقط، ونعيش في واقعٍ يمني محطم، والمنتج في النهاية هو قطاع خاص يفكر بعقلية التاجر الباحث عن الربح بأقل التكاليف”، يقول الوافي
المخرج سيف الوافي: مخرج ليس جهة دفعٍ، هو يقرب وجهات النظر فقط، ونعيش في واقعٍ يمني محطم، والمنتج في النهاية هو قطاع خاص يفكر بعقلية التاجر الباحث عن الربح بأقل التكاليف
”وينفي وجود “سياسة إقصاء”، معتبرًا أن السوق يعتمد على “فن التفاوض”
لكنه يطرح سؤالًا جوهريًا يضع الكرة في ملعب السلطة: “أين هي الدولة؟ أين وزارة الإعلام والثقافة؟ لا يمكن تحميل القطاع الخاص وحده مسؤولية كرامة الفنان في غياب تشريعات وقوانين تحمي الحد الأدنى من الأجور”
الصحفي الاقتصادي، وفيق صالح، يضع الأزمة في سياقها الأكبر؛ اليمن لا يعاني من أزمة فن، بل من “اقتصاد هشاشة”
يوضح صالح أن غياب التنظيم النقابي وزيادة المعروض من العمالة الفنية في ظل الفقر جعل الممثل هو “الحلقة الأضعف”
ويرى صالح أن شركات الإنتاج استغلت “رخص” العمالة في تعز لتنشيط قطاعاتها، لكن دون أن تتحول هذه الحركة إلى “مأسسة” حقيقية تفيد المجتمع المحلي
يقول صالح: “الاستثمار في الدراما يمكن أن يكون محركًا للنمو، لكنه حاليًا مجرد وسيلة لإثراء فئة محدودة على حساب عرق البقية”
الصحفي الاقتصادي وفيق صالح: “الاستثمار في الدراما يمكن أن يكون محركًا للنمو، لكنه حاليًا مجرد وسيلة لإثراء فئة محدودة على حساب عرق البقية”
أكاديميًا يرى أستاذ الإخراج السينمائي، الدكتور عمار الربصي، أن هذا الخلل المادي يضرب “جوهر الفن” في مقتل
محذرًا من عزوف الممثلين الحقيقيين والأكاديميين عن المهنة بسبب الفقر؛ ما فتح الباب أمام “الدخلاء” ومن يفتقرون للموهبة؛ وأدّى لانحدار جودة المحتوى الدرامي اليمني
يقول الربصي: “هل يجرؤ أحد على ممارسة الطب دون تخصص؟ بالطبع لا
فلماذا يُترك التمثيل لكل من هبّ ودب؟”
ويعتقد أن تعز، التي كان من المفترض أن تكون منارةً للفن، تحولت لمسرحٍ “للتهديد والوعيد”؛ حيث تُمنح فرص الظهور لمن يقبل بالأجر الأقل، لا لمن يمتلك الموهبة الأكبر
بينما يستعد اليمنيون لاستقبال موسم درامي جديد، تظل الكواليس تخفي خلفها قصصًا من البؤس لا تراها الكاميرات
فاستمرار التعامل مع الفنان كـ”ترس” رخيص في آلة الإنتاج ليس مجرد أزمة أجور، بل هو تجريف للهوية الثقافية اليمنية
لم يعد الصمت تجاه “فقر الدراما” خيارًا متاحًا؛ فالفن الذي لا يوفر الخبز لصاحبه، لن يستطيع طويلًا أن يقدم الأمل لجمهوره
والحل يبدأ من اعتراف القنوات وشركات الإنتاج بأن “الشغف” لا يكفي لإطعام عائلة، وأن كرامة الممثل هي في نهاية المطاف كرامة للجمهور والوطن الذي يحاول هذا الفنان تمثيله رغم انكسارات الواقع
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن