الجيوش المتوازية باليمن: مخاض عسير لتوحيد “البنادق المتناحرة”
منذ 6 ساعات
عدن – بشرى الحميدي تُتلى البيانات الرسمية من وزارة الدفاع في الحكومة المعترف بها دوليًا، بلغة حازمة تتحدث عن “إعادة الهيكلة” و”دمج القوات” تحت قيادة وطنية واحدة
لكن على الأرض، في الشوارع المتعرجة لمدينة تعز، والرمال المتحركة في مأرب، والموانئ الاستراتيجية في الجنوب، يروي الواقع شيئًا مختلفًا تمامًا
بلد يمتلك “جيوشًا” بدلًا من جيش، حيث الولاء لا يُقاس بالقسم العسكري بقدر ما يُقاس بالانتماء المناطقي، أو الحزبي، أو بجهة صرف الرواتب
يواجه اليمن اليوم معضلةً وجودية؛ فبينما تسعى الحكومة المعترف بها دوليًا لاستعادة الدولة من قبضة جماعة “الحوثي”، تجد نفسها غارقةً في “أرخبيل أمني” من التشكيلات المسلحة المتنافسة التي تشاركها ظاهريًا خندق المواجهة، لكنها تختلف معها في الأجندات والولاءات
هذا التشرذم، بحسب مسؤولين ومحللين، لم يعد مجرد عائق عسكري، بل تحول إلى خطر استراتيجي يهدد بتآكل ما تبقى من شرعية الدولة
في الخامس من نوفمبر 2019، وقّعت الحكومة المعترف بها دوليًا، مع المجلس الانتقالي الجنوبي، في الرياض، بوساطة سعودية، اتفاق مصالحة، عرف بـ”اتفاق الرياض”؛ بهدف انهاء النزاع المسلح في جنوب اليمن وتوحيد القوات ضد جماعة الحوثي التي تسيطر على شمال البلاد منذ سبتمبر 2014
سبق الاتفاق مواجهات عسكرية قصيرة في عدن، مقر الحكومة الموقت، بين القوات الحكومية وقوات الانتقالي انتهت بسيطرة هذا الأخير على عدن والمحافظات المجاورة
وتضمن الاتفاق إعادة تنظيم القوات العسكرية تحت قيادة وزارة الدفاع، وإعادة تنظيم القوات الأمنية تحت قيادة وزارة الداخلية
فشل تنفيذ اتفاق الرياض وتوسعت قوات الانتقالي لاحقًا إلى محافظات أخرى شملت سقطرى، وشبوة
وعقب نقل السلطة من الرئيس السابق عبدربه هادي إلى مجلس قيادة رئاسي مكون من ثمانية أعضاء، برئاسة رشاد العليمي، مطلع أبريل 2022، تم تشكيل “اللجنة الأمنية والعسكرية المشتركة لتحقيق الامن والاستقرار، في نهاية مايو 2022؛ بهدف اعادة هيكلة القوات المسلحة والأمن بموجب المادة رقم (5) لإعلان نقل السلطة في البلاد، بحسب وكالة “سبأ” الحكومية
تنص المادة (5) من إعلان نقل السلطة، على “تشكيل لجنة أمنية وعسكرية مشتركة لتحقيق الأمن والاستقرار من خلال اعتماد سياسات من شأنها منع حدوث أي مواجهات مسلحة في كافة أنحاء الجمهورية، وتهيئة الظروف واتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق تكامل القوات تحت هيكل قيادة وطنية موحدة في إطار سيادة القانون، وإنهاء الانقسام في القوات المسلحة ومعالجة أسبابه، وإنهاء جميع النزاعات المسلحة، ووضع عقيدة وطنية لمنتسبي الجيش، والأجهزة الأمنية
وتم تشكيل اللجنة من 59 عضوًا برئاسة اللواء الركن هيثم قاسم طاهر، واللواء الركن طاهر علي العقيلي نائبًا، والعميد ركن حسين الهيال عضوا مقررًا
في أغسطس 2025 عقدت اللجنة العسكرية والأمنية العليا في عدن، المعنية بتوحيد القوات الحكومية اجتماعًا لها وناقشت مشروع البطاقة الذكية (الرقم الوطني) كقاعدة بيانات موحدة لمنتسبي القوات الحكومية بهدف مكافحة الازدواج الوظيفي
وحينها نقلت وكالة “سبأ” الحكومية عن رئيس اللجنة، هيثم قاسم طاهر قوله: “إن استكمال إجراءات قطع البطاقة الذكية لمنتسبي الجيش والأمن يمثل خطوةً استراتيجية في إطار تنظيم وترتيب القوات المسلحة، وتعزيز الجاهزية القتالية… وأن ضبط قاعدة بيانات منتسبي القوات النظامية هو صمام أمان لبناء جيش وطني”
إلا أن توسع فصيل “الانتقالي” في نهاية 2025 إلى محافظتي حضرموت والمهرة أدى إلى عملية عسكرية حكومية بدعم سعودي مطلع يناير الماضي انتهت باستعادة المحافظتين من الانتقالي وإعلان حل المجلس الانتقالي في التاسع من يناير الماضي
وأعلن رشاد العليمي في 10 يناير 2026 تشكيل لجنة عسكرية عليا تحت “قيادة تحالف دعم الشرعية” لإعداد وتجهيز وقيادة جميع القوات والتشكيلات العسكرية ودعمها لخوض معركة فاصلة ضد “جماعة الحوثي” في حل رفضت الجماعة الحلول السلمية
وأعلنت وكالة “سبأ” في 19 يناير 2026، السعودي الفريق الركن فهد بن حمد السلمان، “قائد القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية”، رئيسًا للجنة العسكرية العليا
وحتى يناير الماضي دفعت السعودية رواتب بالعملة السعودي للقوات المنضوية تحت الانتقالي، فيما ظلت القوات الحكومية الأخرى تستلم رواتبها الاعتيادية بالريال اليمني، بحسب مسئول عسكري تحدث مع “المشاهد” في يناير الماضي
لفهم لماذا يبدو توحيد الجيش اليمني مهمةً صعبة، يجب العودة إلى الجذور
ويرى الرئيس اليمني الأسبق علي ناصر محمد، الذي قاد جنوب اليمن يومًا ما، أن المشكلة ليست وليدة اللحظة
ففي حديثه لـ”المشاهد”، يستذكر ناصر تحديات بناء المؤسسة العسكرية منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أن الجيش في شمال اليمن تحديدًا، تعرّض لعمليات إعادة تشكيل متكررة عقب كل انقلاب أو صراع سياسي؛ لضمان ولائه للأنظمة الحاكم، لا للدولة
ويقول ناصر: “ما نراه اليوم هو إعادة إنتاجٍ للانقسامات التاريخية ولكن بصورة أكثر وحشية
في ظل تدمير مؤسسات الدولة، بات في اليمن أكثر من رئيس، وأكثر من برلمان، وبالطبع أكثر من جيش”
الرئيس الأسبق علي ناصر محمد: ما نراه اليوم هو إعادة إنتاجٍ للانقسامات التاريخية ولكن بصورة أكثر وحشية
في ظل تدمير مؤسسات الدولة، بات في اليمن أكثر من رئيس، وأكثر من برلمان، وبالطبع أكثر من جيش”
ويعتقد مراقبون أن العقيدة العسكرية التي بُنيت على أساس حماية “الفرد” أو “القبيلة” قبل عام 2011، انهارت تمامًا مع اجتياح الحوثيين للعاصمة صنعاء في سبتمبر 2014؛ مما ترك فراغًا ملأته ميليشيات وتشكيلات مناطقية نشأت في سياق “المقاومة”، لكنها سرعان ما تحولت إلى قوى أمر واقع ترفض التخلي عن استقلاليتها
يصف المحلل السياسي وعضو اللجنة العامة للمؤتمر الشعبي العام، عادل الشجاع، البنية العسكرية الحالية بأنها “أرخبيل أمني”
فخلف الستار الرسمي لوزارة الدفاع، تقبع وحدات عسكرية تمتلك أنظمةً إدارية ومالية مستقلة، بل وحتى “اقتصادًا موازيًا” يجعلها أقل رغبة في الاندماج ضمن هيكل الدولة الرسمي
ويضيف الشجاع: “هناك نوع من الردع المتبادل داخل المعسكر الواحد
كل طرف يمتلك من الموارد ما يمنع الآخر من إخضاعه، وهذا التوازن الهش يمنع الانهيار الشامل للفصيل المناهض للحوثيين، لكنه يعطل في الوقت ذاته أي بناء مؤسسي حقيقي”
هذا التشرذم أدى إلى كوارث عملياتية في جبهات القتال؛ فغياب القيادة الموحدة يعني تضاربًا في الأوامر الميدانية، وضعفًا في التنسيق الاستخباراتي، وهدرًا للموارد البشرية والمادية في صراعات بينية، كما حدث في مواجهات سابقة بين قوات حكومية وتشكيلات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي “المُنحل”
لا يمكن الحديث عن الجيش اليمني دون التطرق لدور التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية
وفي حين يقر الجميع بأن دعم التحالف كان حاسمًا في منع سقوط الدولة تمامًا، إلا أن هناك انتقادات مريرة يوجهها مسؤولون يمنيون لسياسات “تفريخ” القوات
مسؤول عسكري يمني رفيع، اشترط عدم نشر اسمه، قال لـ”المشاهد”: “أطراف في التحالف ارتكبت خطأً استراتيجيًا بالإسهام في تقسيم القوات إلى مكونات مستقلة
واليوم، لا يمكن للمجلس القيادي الرئاسي فرض واقع الدمج دون دور مباشر وحاسم من السعودية للإشراف على هذه العملية”
ويرى المسؤول أن اتساع رقعة الصراع الإقليمي في البحر الأحمر وتصاعد حدة المواجهات الدولية يجعل من “ترتيب البيت الداخلي” ضرورةً ملحة
فحالة الانقسام الحالية تجعل من السواحل والممرات المائية اليمنية ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، في ظل غياب جيش وطني قادر على بسط سيادته
يرفع رئيس كتلة التغيير في البرلمان اليمني، النائب علي المعمري، صوته محذرًا من أن ملف توحيد الجيش “لا ينبغي أن يظل رهنًا للمساومات السياسية”
ويؤكد المعمري أن الأزمة تكمن في نشوء قوى عسكرية بهويات “ما دون وطنية”؛ بعضها يرتبط بأجندات خارجية، وبعضها الآخر يرتبط بطموحات شخصية لقيادات ميدانية
ويقول المعمري: “الشرعية تآكلت، وما تبقى منها مهدد بالانهيار إذا استمر تعدد مراكز القرار
أي حل سياسي لا يبدأ بخضوع كافة التشكيلات لوزارة الدفاع هو مجرد ترحيل للصراع”
ويشير المعمري إلى أن اتفاق الرياض، الذي نصّ صراحة على دمج القوات، تعثر بسبب “غياب الإرادة الجادة” وتأثيرات خارجية حالت دون تنفيذه؛ مما فوّت على اليمنيين فرصةً ثمينة لاستعادة الزخم العسكري والسياسي
بينما تحاول الحكومة الجديدة برئاسة الدكتور شائع الزنداني ووزير دفاعها اللواء الركن طاهر العقيلي بثّ الروح في مشروع إعادة الهيكلة، تبرز ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المؤسسة العسكرية
أولى هذه السيناريوهات “استمرار الوضع القائم”: توازن قوى هش وطويل الأمد، حيث تظل الوزارة “واجهة” بينما تظل القوة الفعلية في يد التشكيلات المستقلة
السيناريو الثاني “التوحيد التدريجي”: وهو السيناريو المتفائل الذي يتطلب رعايةً دولية حازمة وبرنامجًا مهنيًا لإعادة الدمج بعيدًا عن الإقصاء
أما السيناريو الثالث “الانفجار الكبير”: انهيار التفاهمات السياسية الهشة؛ مما قد يؤدي إلى صراع مسلح بين هذه المكونات لفرض طرف مهيمن سيطرته بالقوة
يخلص المحلل عادل الشجاع إلى أن “مشكلة الجيش اليمني ليست تقنيةً أو إدارية، بل هي سياسية بنيوية”
فتوحيد البنادق لن يبدأ من الثكنات، بل من إعادة صياغة العقد الاجتماعي والسياسي بين اليمنيين، حد تعبيره
بناء جيش وطني موحد، بعيدًا عن المناطقية والحزبية والقبلية، هو الركيزة الأساسية ليس فقط لاستعادة الدولة، بل لضمان ألا يتحول اليمن إلى “صومال جديد” في قلب الجزيرة العربية
وفي بلد يرفع فيه الجميع شعار “وطن لا نحميه لا نستحق العيش فيه”، يبقى السؤال المعلق في سماء عدن وصنعاء: أي جيش سيحمي هذا الوطن، ولمَن سيكون الولاء في النهاية؟
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن