الحديدة: المكيف الشمسي أغلى من الذهب
منذ 10 ساعات
الحديدة- ياسمين الصلويلم تجد “ندى” وصديقتها “زهور” سبيلًا لمواجهة الحر الذي لا يرحم في مدينة الحديدة الساحلية سوى بالتخلي عن أغلى ما تملكه المرأة هناك، جواهرها الذهبية
ففي ظل انهيار شبكة الكهرباء وارتفاع التكاليف، أصبحت حُلِي المرأة هي السبيل الوحيد لشراء مكيفات تعمل بالطاقة الشمسية
تقول ندى، وهي تصف صراعها اليومي مع الحرارة: “الحر يكاد يقضي علينا
فالمكيفات الكهربائية الموجودة في منازلنا أصبحت مجرد قطع ديكور معطلة؛ فتشغيل مكيف واحد يتطلب ميزانيةً تتجاوز ألف ريال سعودي شهريًا، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم العائلات”
هذا الواقع دفع بعض النساء في الحديدة إلى ابتكار حلول جماعية، حيث ينظمنَ “جمعيات مالية” صغيرة، تدفع فيها كل امرأة 100 ريال سعودي شهريًا، على أمل أن يأتي دورها لشراء وسيلة تمنح أطفالها قسطًا من النوم
وتضيف ندى بنبرة يملؤها الأسى: “لقد تغيرت الطموحات هنا
لم يعد الذهب حلم نساء الحديدة ولا زينةً لهنّ؛ الحلم الحقيقي الآن هو مكيف يعمل بالطاقة الشمسية
نحن نبيع مدخراتنا من أجل البقاء، فالهروب من فاتورة الكهرباء الباهظة ومن حرارة الصيف الطويل أصبح معركتنا الأساسية”
ندى، ربة بيت، الحديدة: لقد تغيرت الطموحات هنا
لم يعد الذهب حلم نساء الحديدة ولا زينةً لهنّ؛ الحلم الحقيقي الآن هو مكيف يعمل بالطاقة الشمسية
نحن نبيع مدخراتنا من أجل البقاء
”الباحث الاقتصادي نبيل الشرعبي يقول: “بسبب التغيّرات المناخية ترتفع درجة الحرارة كل عام عن الأخر وهو ما يشكل مشكلةً على حياة السكان في المناطق الحارة، لاسيما مع ارتفاع تكلفة الكهرباء والتي تكلف مبالغ كبيرة في حال اعتمدوا على المكيفات التي تعمل بالكهرباء، وهذا يكون على حساب لقمة العيش، خصوصًا في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد”
يضيف الشرعبي في حديث مع “المشاهد”: “تشكل فاتورة الكهرباء في المناطق الحارة عبئًا ثقيلًا على الأسر الفقيرة خاصةً مع ارتفاع أسعار الخدمة، فتصبح الأسرة بين خيارين إما دفع الفاتورة والتخفيف من وطأة الحر وبالذات على الأطفال وكبار السن، أو عدم الدفع وتوقف الخدمة؛ وهذا يترتب عليه تبعات صحية قد تكلف الأسرة أكثر من قيمة الفاتورة”
يقول الشرعبي: “إن معالجة مشكلة فاتورة الكهرباء ممكنة في ظل توفر بدائل عن الكهرباء الخاصة أو العامة، وذلك من خلال امتلاك ألواح طاقةٍ شمسية وملحقاتها ولمرة واحدة، وجدواها بالمناطق الحارة أفضل بسبب حرارة الشمس؛ ما قد يغطي احتياج الأسرة طوال فترة النهار، وإذا وجدت وحدات خزن فسيستمر الاستخدام إلى الليل”
من جهته يقول الصحفي الاقتصادي رشيد الحداد: “إن الكهرباء تضررت بشكل كبير في الحديدة؛ بسبب الضربات الجوية التي استهدفت محطات التوليد الحكومية التي كانت تغذي الاحياء السكنية”
واستهدفت مقاتلات إسرائيلية بشكل متكرر محطات الطاقة الكهربائية في الحديدة منذ يوليو 2024 حتى يوليو 2025، شملت نحو أربع محطات في مناطق متفرقة من الحديدة، عقب انخراط جماعة الحوثي في الحرب على غزة، ضد إسرائيل
ويضيف الحداد أن العديد من المواطنين لجأوا لاستخدام بدائل، إما مراوح تعمل بالطاقة الشمسية وهو حل متاح لكل المواطنين بمختلف مستوياتهم الاقتصادية، أو مكيفات تعمل هي الأخرى بمنظومة طاقة شمسية؛ لكن قيمتها تفوق قدرة الناس على شرائها
حتى وإن توفرت الكهرباء الحكومية فإنها تظل غير متاحة للكثير من الأسر الفقيرة في الحديدة
فقد ارتفع سعر الكيلو وات من 6 – 9 ريالات قبل الحرب إلى 250 ريالًا، بحسب أحاديث السكان في تقارير سابقة نشرها “المشاهد“
أما الكهرباء التجارية فيصل سعر الكيلو وات من 400 – 600 ريالا
أحد تجار المجوهرات في محافظة الحديدة، فضّل عدم ذكر اسمه، قال في حديث مع “المشاهد”: “إن 80 % من النساء اللواتي يترددنَ على محال المجوهرات يأتينَ لبيع ما بحوزتهنّ من جواهر؛ بغرض شراء مكيفات تعمل بمنظومة الطاقة الشمسية”
ويضيف: “أغلب النساء اللواتي يقصدنَ المحل لغرض بيع ذهبنّ يتحدثنَ عن أن الحر الذي تسبب في تقيحات جلدية لأطفالهنّ، وحرمهم النوم، وتسبب بمعاناة أسرهنّ أجبرهنّ على بيع مجوهراتهنّ من أجل الحصول على جو بارد يحمي أجسادهم من الصيف”
وقالت آخر امرأة زارت المحل لبيع طقم ذهب: “هذه أخر قطعة أملكها، قررتُ بيعها عشان أرتاح وأولادي، تعبنا من الحمى وغلاء الكهرباء وكثرة انقطاعها”
ناشطة فضّلت عدم ذكر اسمها قالت لـ”المشاهد”: “النساء اللواتي لم يبعنَ ذهبهنّ هنا الآن يفكرنَ في بيعه، فلم يعد الذهب مهمًا بالنسبة للنساء الحديدة، فالمكيف الذي يوفر لهنّ ولأسرهنّ الراحة في حضرة الصيف أصبح هو الأهم”
وتقول: “تحتاج النساء من 7 إلى 10 جرام من الذهب لتتمكن من شراء مكيف يعمل بمنظومة الطاقة الشمسية بحسب نوع المكيف وحجمه، إن لم تبع ذهبها فهي في كل الأحوال تتركه لمحالٍ تبيع هذه الأجهزة بنظام “الرهن”، وتبدأ بتقسيط المبلغ على دفعات لمدة محددة تتفق عليه مع التاجر
وهناك نساء أخريات يتعاملنَ مع مؤسساتٍ تجاريةً على ترك رهن من الذهب، ثم دفع المبلغ من راتبها إذا كانت موظفة، حتى سداد المبلغ كاملًا ثم تأخذ ذهبها”
ناشطة في الحديدة: تحتاج النساء من 7 إلى 10 جرام من الذهب لتتمكن من شراء مكيف يعمل بمنظومة الطاقة الشمسية بحسب نوع المكيف وحجمه، إن لم تبع ذهبها فهي في كل الأحوال تتركه لمحالٍ تبيع هذه الأجهزة بنظام “الرهن
”اتفقت سلمى مع زوجها على ادخار مصروف الأسرة اليومي حتى يستطيعوا شراء مكيف يعمل بالطاقة الشمسية، بديلًا عن المكيفات التي تعمل بالكهرباء التي أصبحت في متناول الأغنياء، وهم لا يستطيعون إليها سبيلًا، لكنها وزوجها لم يستطيعا، فدخلهم يكاد يكفي لشراء قوت يومهم
يعيل زوج سلمى ستة أطفال، أكبرهم لا يتجاوز ثمانية عشرة عامًا في منزل شعبي وسط مدينة الحديدة
وفَقَدَ عمله بسبب الحرب، كيث يعمل بائعًا في إحدى المحال التجارية في مقابل لا يزيد عن ثلاثة آلاف ريال يوميًا
ولم يستطع دفع تكاليف الكهرباء بعدما كان يُشغّل المكيف خمس ساعات يوميًا”
تقول سلمى: “بعتُ ذهبي لأجل أطفالي، أنقذتُ أسرتي من جحيم الحر، كان أطفالي يعانون من تقيحات جلدية وتسلخات تظهر في مختلف مناطق أجسادهم، أحيانًا تظهر في مناطق حساسة يجد الممرضين والأطباء صعوبةً في التعامل معها ومجارحتها وتنظيفها، كنتُ أسهر ليالي وأسمع أنينهم وقلبي يشتغل نارً عليهم، استطعتُ النجاة بأطفالي من كل هذا العذاب”
تؤكد سلمى أن أمهاتٍ كُثُر فضلنَ راحة أطفالهنّ وبعنّ جواهرهنّ
فهذه المكيفات وفّرت الجو البارد الذي يهرب إليه أفراد الأسرة من جحيم الحر في فصل الصيف
وتضيف: “الحر يحرمنا من النوم بهدوء، مشردين على أسطح المنازل وفي أفنيتها، نأكل وسيل من العرق يتقاطر من أجسادنا، خذلتنا الكهرباء وجاءت شمس الله لتحول جحيمنا إلى برود يحمي أجسادنا من الحروق التي لا ترحم”
يقول المهندس هاشم السروري: “مكيفات الطاقة الشمسية انتشرت بكثرة في المناطق الحارة، خاصة مع استمرار الانقطاعات المتكررة للكهرباء تارةً، وارتفاع أسعارها تارةً أخرى، ويزيد الإقبال عليها خاصةً في فصل الصيف مع ارتفع درجة الحرارة”
يرى السروري أن هذه المكيفات صديقة للبيئة وليس لها مخاطر أو عيوب بشرط أن يتم تركيبها بشكل صحيح ومن قبل شخص مختصين ويدركوا طبيعة عمل هذه المكيفات
وحول طبيعة عمل هذه المكيفات يقول السروري: “لتشغيل مكيف طن واحد بقدرة عالية تحتاج إلى أربعه ألواح لضمان التشغيل بشكل مستقر، وذلك بتركيب منظومة من 2 – 3 كيلو وات باستخدام Inverter لتحويل التيار المستمر إلى تيار متردد”
ويضيف: “تشغيل مكيف 12 فولت DC بقدرة 1 طن مباشرةً على الطاقة الشمسية نهارًا، تحتاج عادةً من 4 إلى 6 ألواح شمسية بقدرة 450 – 550 وات للوح الواحد
ويستهلك المكيف حوالي 1200 وات كل ساعة، يعني إذا كان اللوح 450 وات، هنا يحتاج إلى ستة ألواح
أما إذا كان اللوح 550 وات، ممكن من أربعة إلى خمسة ألواح تكفي، وأهم شيء أن المكيف يكون فيه منظم داخلي
فعند غياب المنظم الداخلي يستلزم منظم خارجي من أجل حماية للمكيف”
ويضيف: “إذا كانت المكيفات تعمل على نظام التيار المستمر (12 فولت) ممكن توصل من الأواح مباشرةً لتشغيلها، لكن من الممكن أن يكون هناك خطورة على المكيف عندما تكون حرارة الشمس قوية، فالألواح قد تنتج فولتيه أعلى من 12 فولت، وقد يتسبب ذلك بتلف المكيف”
وختام، بالرغم أن ندى وسلمى تمكنتا من تأمين شراء مكيف يعمل بالطاقة الشمسية بعد بيع حليهن، فإن هناك الآلاف من لا يجدون حليا ولا حيلة لإيجاد وسيلة تبريد في هذا حر هذا الصيف
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن