الحرب في اليمن بين غريزة بقاء الدولة والأدوات “الوظيفية”

منذ 12 ساعات

تقدّم الخطيب-ميدل إيست آي- ترجمة- عبد الله قائدلم تكن الضربة العسكرية الأخيرة التي نفذتها السعودية ضد القوات المدعومة من الإمارات في اليمن مجرد حادث تكتيكي عابر

بل لقد مثلت لحظة محورية، تشير إلى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تتسم بانهيار مفهوم التحالفات نفسه

إذ مثلت تلك الضربة السعودية في المكلا انهيار هيكل جرى بناؤه منذ عام 2011 على وهم أن الفوضى يمكن التحكم بها دون عواقب على من يخلقها

وقد نشأ هذا الهجوم من إدراك قاسٍ وهو أن إبقاء اليمن ضعيفًا يؤدي إلى تكوين كيانات مسلحة تهدد بتحويل الحدود الجنوبية للسعودية إلى نقطة ضعف دائمة، تمامًا كما هو الحال في جنوب لبنان تجاه إسرائيل، أو شمال سوريا بالنسبة لتركيا

ولم يكن هذا مجرد استعراض للقوة، بل ضربة حفزتها المخاوف من أن الأدوات المؤثرة الموثوقة سابقًا قد تتحول إلى مصادر تهديد مستقبلية

كانت الرسالة التي وجهتها السعودية إلى الإمارات العربية المتحدة ليست عسكرية فحسب، بل هي أيضا رسالة بنيوية

لقد أصبح عهد اللعب على الأطراف وبناء النفوذ عبر الوكلاء المحليين والميليشيات عبر الحدود مكلفًا وقد يفضي إلى نتائج عكسية

بالنسبة للإمارات، كشفت الضربة عن ضعف استراتيجي شديد

لم تبنِ أبوظبي قوتها على العمق الديموغرافي أو الوزن التاريخي والسياسي، ولا تمتلك رأس المال الرمزي، كما هو الحال في مدن إقليمية أخرى مثل مكة، المدينة، القاهرة، دمشق، بغداد وإسطنبول

فالسؤال الملح بالنسبة للإمارات ليس فقط في كيفية الرد على هذه الضربة، بل ما إذا كانت تستطيع الاستمرار في العمل كلاعب خفي في عصر لم يعد يتسامح مع اللعب في الظل

هذا الفراغ البنيوي يجعل من الصعب على أبوظبي إقامة نفوذ إمبراطوري دائم في المنطقة، بغض النظر عن ثروتها أو قدراتها المالية

وبدلاً من ذلك، تعتمد على نموذج السيطرة غير المباشرة من خلال الموانئ والجزر والممرات البحرية وشركات الأمن الخاصة

لقد نجح هذا النموذج خلال فترة الانهيار الإقليمي العربي، غير أنه يصبح هشًا عندما تبدأ الدول، حتى المستنزفة منها، في استعادة غريزة البقاء والدفاع عن مساحاتها الحيوية

السؤال الملح بالنسبة لدولة الإمارات ليس مجرد في كيفية الرد على هذه الضربة، بل ما إذا كانت قادرة على الاستمرار في العمل كلاعب خفي في عهد لم يعد يتسامح مع اللعب في الظل، أو أن المنطق الحالي سيدفعها لأن تصبح فاعلًا مباشرًا في صراعات تتجاوز قدرتها الديموغرافية والسياسية

وهذا يقودنا إلى البحر الأحمر، الذي لم يعد مجرد ممر بحري، بل أصبح ساحة مفتوحة لإعادة توزيع القوة

  فإسرائيل لا تسعى للسيطرة عليه من خلال الاحتلال، بل لتجريده من أي سيادة عربية فعّالة: “بحر من الحيرة”، يُؤمَّن من خلال قواعد غير مباشرة، وكيانات هشة، واتفاقيات أمنية مع دول تسعى إلى الحماية بدلاً من الوصاية

البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر بحري، بل أصبح ساحة مفتوحة لإعادة توزيع القوة

  فإسرائيل لا تسعى للسيطرة عليه من خلال الاحتلال، بل لتجريده من أي سيادة عربية فعّالة: “بحر من الحيرة”، يُؤمَّن من خلال قواعد غير مباشرة، وكيانات هشة، واتفاقيات أمنية مع دول تسعى إلى الحماية بدلاً من الوصاية

وفي الوقت نفسه، لا ترغب إيران في أن يكون البحر الأحمر مستقراً؛ فهي تريده مضطربا، وأداة نفوذ عالمية

تركيا من جانبها، لا تنافس في جوهره مباشرة، بل تحيط بمحيطه في ليبيا، القرن الأفريقي، وقطر، لتمكين مفاوضات أوسع

فكل قوة كبرى تمد يدها إلى المياه، في حين تتخاصم الدول العربية على الشواطئ

في هذه المرحلة من التاريخ الإقليمي، ليس وحدهم من يخطئون في الحسابات هم الذين يُعاقَبون، بل والذين يتركون الفضاءات بدون حراسة أيضا

في هذا السياق، فإن اعتراف إسرائيل الأخير بأرض الصومال لم يكن مجرد إيماءة رمزية أو دبلوماسية، بل كان خطوة متقدمة تهدف إلى إعادة تشكيل البحر الأحمر

من يثبت قدمه في القرن الإفريقي يراقب مضيق باب المندب، ومن يسيطر على هذا الممر المائي الحيوي يمكنه خنق الخليج أو حمايته، وممارسة الضغط على مصر أو تحييدها

اعتراف إسرائيل الأخير بأرض الصومال لم يكن مجرد دبلوماسية، بل كان خطوة متقدمة تهدف إلى إعادة تشكيل البحر الأحمر

من يثبت قدمه في القرن الإفريقي يراقب مضيق باب المندب، ومن يسيطر على هذا الممر المائي الحيوي يمكنه خنق الخليج أو حمايته، وممارسة الضغط على مصر أو تحييدها

الحروب الحديثة لا تُخاض بالدبابات، بل بالاعتراف، واللوجستيات، وشبكات النفوذ التي تعمل تحت ستار الاستثمار أو مكافحة الإرهاب

لا يمكن فهم هذا السياق الأوسع دون النظر إلى الاستراتيجية الشاملة لإسرائيل، التي لا تهدف إلى الإطاحة بالدول العربية بشكل كامل، بل إلى تفكيك قدراتها السيادية وتحويلها إلى أجزاء وظيفية أو مناطق أزمة دائمة

فلسطين كانت النموذج الأول: منطقتان بلا سيادة

ثم جاء الدور على لبنان من خلال شل الدولة المركزية، وسوريا عن طريق خرائط النفوذ، والعراق بالحفاظ على الانقسامات البنيوية دون تفكيك رسمي، والسودان عبر تفتيت الدولة

تُعد الجزائر حالة مختلفة لكنها مثيرة للقلق في تقدير إسرائيل من حيث أنها دولة لها ذكريات في التحرير، وجيش ملتزم أيديولوجيًا، وموقف حازم تجاه التطبيع، مما يجعلها هدفًا لإضعافها بدلاً من تفكيكها، من خلال الاستنزاف الإقليمي عبر الساحل وليبيا والمغرب والصحراء الغربية، إلى جانب العزلة الاستراتيجية عن المشرق

الحروب الحديثة لا تُخاض بالدبابات، بل بالاعتراف، واللوجستيات، وشبكات النفوذ التي تعمل تحت ستار الاستثمار أو مكافحة الإرهاب

لا يمكن فهم هذا السياق الأوسع دون النظر إلى الاستراتيجية الشاملة لإسرائيل، التي لا تهدف إلى الإطاحة بالدول العربية بشكل كامل، بل إلى تفكيك قدراتها السيادية وتحويلها إلى أجزاء وظيفية أو مناطق أزمة دائمة

لقد أصبح التطبيع أداة مركزية في هذه البنية، حيث تدمج بعض الدول العربية في نظام أمني تقوده إسرائيل، وتوزع الأدوار لهم كممولين أو وسطاء أو حراس للممرات

هنا، يبرز مفهوم “الدولة الوظيفية” كنموذج مثالي: دولة بلا طموحات سيادية، يقتصر تأثيرها على الموانئ والقواعد والشركات الأمنية، بدلاً من اتخاذ القرار السياسي أو العمق الشعبي

يفسر هذا تركيز إسرائيل على مناطق الخليج والقرن الإفريقي

إذ تستهدف تلك الكيانات داخل الدول لتفتيتها إلى أجزاء وظيفية ضمن شبكة تأثيرها، بما في ذلك جنوب اليمن عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، والمناطق القبلية في الجزائر، والأراضي الليبية الواقعة تحت سيطرة الجنرال المتمرد خليفة حفتر، وأجزاء من الصومال

وتهدف إسرائيل من خلال استخدام التطبيع والاعتراف الدولي إلى تحويل هذه الكيانات إلى أدوات ضغط، بينما تحتفظ الدول الكبيرة الأخرى بسلطات صنع قرار محدودة

وبذلك تصبح الإمارات العربية المتحدة كيانًا وظيفيًا يربط هذه المناطق بالتحالفات الإسرائيلية، ويضمن السيطرة على الممرات الحيوية، في حين تواجه القوى العربية التقليدية، مثل مصر والجزائر وسوريا، ضغوطًا متزايدة لتعديل سياساتها أو قبول قواعد اللعبة الإقليمية

ومن السيناريوهات المحتملة في المستقبل استمرار التصعيد العسكري في اليمن، الذي قد يتطور إلى مواجهة إقليمية تهدد مرة أخرى حركة الشحن في البحر الأحمر وتجبر مصر على الانخراط بشكل أكبر في حماية الممرات الاستراتيجية وقناة السويس

وفي الوقت نفسه، قد تتحرك إسرائيل لتعزيز موقفها في الصومال والقرن الأفريقي لضمان السيطرة على مضيق باب المندب، وربط البحر الأحمر بتحالفات الخليج، مما يضع المنطقة تحت إشراف إسرائيلي شبه كامل مع الحد من استقلالية العرب

وفي الوقت ذاته، ستواصل إيران استخدام الحوثيين وغيرهم من الجماعات في القرن الأفريقي كأدوات ضغط على الخليج ومصر، مع إعادة تشكيل التوازنات البحرية وإجبار الدول العربية على إعادة ترتيب التحالفات والتفاوض على ترتيبات أمنية إقليمية شاملة

كما قد تدخل تركيا هذا المجال بشكل مباشر من خلال شراكات مع السودان أو الصومال، مما يزيد من التعقيد الاستراتيجي

أما بالنسبة لمصر، فتتمثل التحديات الرئيسية في تنازلها عن جزيرتي تيران وصنافير، والسودان المنقسم، وليبيا الضعيفة

وهذه العوامل تحد من قدرتها على تأمين الممرات الحيوية، مما يضطرها إلى تطوير تحالفات جديدة أو تعزيز الوجود الأمني الدولي للحفاظ على استقرار البحر الأحمر

تحتل مصر اليوم الموقع الإقليمي الأكثر هشاشة، لأنها مقيدة بشكل أكثر

إن التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير لم يكن مجرد فقدان للجزيرتين؛ بل كان فقدان رمزي للسيطرة على البوابة الشمالية للبحر الأحمر

وفي الوقت نفسه، فإن السماح بانقسام السودان أثّر على عمقها الاستراتيجي، وإدارة ليبيا من الناحية الأمنية من دون مشروع سياسي طويل الأمد تركها عرضة للتدخلات الخارجية

والنتيجة هي أن مصر تواجه تآكل قدرتها على الردع، إلى جانب سؤال وجودي حول: هل هي ترغب في استعادة قوة حقيقية للردع، أم أن تظل مدارًا كـ”فضاء مستقر” داخل منطقة مضطربة؟ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل تحولًا مرحليا واضحًا من الشرق الأوسط حيث كانت الأزمات تُدار، إلى منطقة تُدار خرائطها

فالصراع ليس بين الدول فحسب، بل حول الفراغ في السيادة واتخاذ القرارات والردع

وفي هذه المرحلة من التاريخ الإقليمي، ليس أولئك الذين يخطئون في الحساب هم من يُعاقبون فقط، بل حتى أولئك الذين يتركون فضاءا بلا حراسة

أولئك الذين يفشلون في ملء الفراغ بأنفسهم سيرون الآخرين يملؤونه

هذا هو القانون الصارم الذي يحكم المنطقة الآن

ما رأيك بهذا الخبر؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن