الضالع: غياب مبادرات دعم النازحين خلال العيد

منذ 8 ساعات

الضالع- عبدالرقيب اليعيسيداخل مخيم سناح السكني للنازحين بمحافظة الضالع، لم يعد عيد الأضحى بالنسبة لعدي سنان، الطفل النازح البالغ من العمر 13 عامًا، مناسبةً ينتظرها بفرحٍ كما كان في السابق، بل تحول إلى موسم يفكر فيه بكيفية توفير كسوة العيد لإخوته الصغار، وتأمين ثمن أضحية قد لا تصل إلى أسرته هذا العام

يعيش عدي مع أسرته داخل المخيم منذ نزوحهم من منطقة الفاخر عام 2020، بعد سنوات كان يصفها بأنها “مستورة وسعيدة”، حين كان والده، العسكري المنقطع راتبه اليوم، يمتلك محلًا صغيرًا في سوق الفاخر يوفر للأسرة احتياجاتها الأساسية

على مستوى اليمن، تقول تقارير برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة إن نصف الأسر في اليمن لم تتمكن من تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية في مارس الماضي

وسجلت واردات الوقود إلى اليمن انخفاضًا حادًا خلال الربع الأول من العام الجاري، حيث لم تسجل أي واردات للوقود في الموانئ اليمنية خلال مارس الماضي، مع وصول كميات قليلة في أبريل المنصرم، بحسب الأمم المتحدة

الأمم المتحدة: نصف الأسر في اليمن لم تتمكن من تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية في مارس الماضي

وسجلت واردات الوقود إلى اليمن انخفاضًا حادًا خلال الربع الأول من العام الجاري، حيث لم تسجل أي واردات للوقود في الموانئ اليمنية خلال مارس الماضي، مع وصول كميات قليلة في أبريل المنصرم، بحسب الأمم المتحدة

وأشارت التقارير إلى أن هذا قد انعكس على أسعار الوقود والسلع، وأن الزيادة في أسعار الوقود قد بدأت بالفعل في مناطق سيطرة الحكومة؛ مما أثر على سلسلة الامدادات لبرنامج الغذاء العالمي

مضيفةً أنه ورغم استمرار تدفق واردات الغذاء بكميات كافية خلال مارس الماضي، إلا أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية يهدد القدرة الشرائية والحصول على الغذاء

لكن النزوح غيّر حياة الطفل الذي تجاوز طفولته مبكرًا؛ ليشارك والده مسؤولية إعالة الأسرة، في ظل انقطاع الراتب وعدم حصول والده سوى على مبالغ متقطعة بالكاد تكفي الحد الأدنى من المعيشة

يعمل عدي ليلًا في” تبزيق القات” (قطف أغصان القات) مع عدد من العمال في مناطق حجر، حيث يقضي ساعات طويلة من الليل وسط أشجار القات مقابل أجر بسيط، بينما تبدو على ملامحه علامات الإرهاق والشحوب أكثر من ملامح طفل في عمره

ويقول عدي لـ”المشاهد” إن السنوات الأولى للنزوح كانت تشهد حضورًا لبعض المنظمات والمبادرات الإنسانية التي كانت توفر لهم الملابس والمساعدات خلال الأعياد، إلا أن ذلك تراجع بشكل كبير خلال العامين الأخيرين، الأمر الذي دفعه إلى العمل لمساعدة أسرته مع اقتراب كل عيد

ويضيف: “أكثر شيء أتمناه هذا العيد أن أستطيع توفير ملابس لإخوتي الصغار، بينما أنا حتى ليلة العيد سأكون في العمل “أبزق القات” طوال الليل، وأنام في النهار”

ويستعيد عدي ذكرياته قبل النزوح قائلًا: “في بلادنا كان عندنا أكل وشرب، وكنا نحسب كم باقي للعيد عشان نفرح ونشتري ونعيّد؛ لأن كان عندنا أب قادر يوفر لنا

أما اليوم، فبعض الأطفال فقدوا آباءهم، والبعض الآخر آباؤهم ما عادوا يستطيعوا عمل شيء غير البحث عن دخل يومي بالكاد يكفي للحياة”

ومع اقتراب عيد الأضحى، يعيش آلاف النازحين في مخيمات محافظة الضالع حالةً متزايدةً من القلق تجاه مناسبة تتطلب احتياجات إضافية، تعجز كثير من الأسر عن توفيرها، في ظل أوضاع معيشية متدهورة وغياب متزايد للمبادرات والمنظمات والجمعيات الخيرية التي كانت تسهم سابقًا في تخفيف جزء من المعاناة خلال المواسم والأعياد

وفي الوقت الذي تنشغل فيه الأسواق بحركة شراء الملابس والأضاحي والاستعدادات المعتادة للعيد، تبدو المخيمات وكأنها تعيش عالمًا مختلفًا، تغيب فيه مظاهر الفرح وتحضر فيه الأسئلة الثقيلة المرتبطة بالغذاء والملابس وقدرة الآباء على مواجهة متطلبات أطفالهم

لقد أصبحت الأعياد من أكثر الفترات التي تكشف حجم الفقر والهشاشة داخل المخيمات؛ لأن الأطفال يبدأون بمقارنة حياتهم بما يشاهدونه خارج المخيمات، فيما يشعر كثير من الآباء بحالة عجز متزايدة نتيجة عدم قدرتهم على تلبية أبسط احتياجات أسرهم

ولا تقتصر الأزمة على غياب المساعدات المرتبطة بالعيد فقط، بل تمتد إلى تراجع كثير من الخدمات الأساسية داخل المخيمات، في ظل ضعف التدخلات الإنسانية خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي جعل الأسر النازحة تواجه أعباء النزوح وحيدة

ووفق المسؤول الإعلامي للوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين بمحافظة الضالع، محمد الصلاحي، فإن عدد النازحين في المحافظة يبلغ نحو تسعة آلاف أسرة، يتجاوز عدد أفرادها 63 ألف نسمة، موزعين بين المخيمات والتجمعات السكنية داخل المجتمع المضيف

ويقول الصلاحي لـ”المشاهد”: “إن المحافظة تضم نحو 30 مخيمًا سكنيًا، إضافةً إلى أكثر من 230 موقعًا وتجمعًا للنازحين في مختلف المديريات، مشيرًا إلى أن الاحتياجات الإنسانية تتضاعف خلال المواسم الدينية والأعياد بسبب ارتفاع متطلبات الأسر النازحة”

ويضيف أن كثيرًا من العائلات تعاني من ضعف مصادر الدخل وانعدام فرص العمل؛ ما يجعل توفير احتياجات العيد تحديًا إضافيًا للأسر التي تعيش أصلًا أوضاعًا اقتصاديةً ومعيشية صعبة

ويشير إلى أن الأطفال يعدّون الفئة الأكثر تأثرًا بهذه الظروف، خصوصًا مع غياب البرامج والمبادرات الموسمية التي كانت تسهم سابقًا في توفير بعض الاحتياجات الأساسية أو إدخال شيء من الفرحة إلى المخيمات

أما رئيس اللجنة المجتمعية في مخيم سناح السكني، نشوان الحراني، فيقول لـ”المشاهد”: “إن الدعم الإنساني للنازحين يكاد يكون غائبًا بشكل كامل منذ نحو ثلاث سنوات، الأمر الذي جعل الأسر النازحة تعيش حالة كفاح يومي ومتواصل؛ لتوفير لقمة العيش وتأمين الاحتياجات الأساسية”

رئيس اللجنة المجتمعية في مخيم سناح السكني، نشوان الحراني: “إن الدعم الإنساني للنازحين يكاد يكون غائبًا بشكل كامل منذ نحو ثلاث سنوات، الأمر الذي جعل الأسر النازحة تعيش حالة كفاح يومي ومتواصل؛ لتوفير لقمة العيش وتأمين الاحتياجات الأساسية”

وأوضح أن المخيم يضم أكثر من 400 أسرة نازحة، يتجاوز عدد أفرادها 2500 شخص، بينهم ما يقارب 1500 طفل، مشيرًا إلى أن الأوضاع الإنسانية تتفاقم بشكل أكبر مع اقتراب عيد الأضحى

ويقول الحراني إن العيد لم يعد يمثل مناسبةً للفرح بالنسبة لكثير من الأسر النازحة، بل أصبح مصدر قلق وضغط نفسي للآباء والأطفال على حدٍ سواء؛ نتيجة العجز عن توفير متطلبات العيد الأساسية، مثل الأضحية أو ملابس الأطفال

وأضاف أن كثيرًا من الآباء والأبناء يضطرون للخروج والبحث عن أعمال مؤقتة بشكل يومي مع اقتراب العيد، على أمل تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات، إلا أن عددًا كبيرًا من الأسر يظل عاجزًا عن ذلك؛ ما يجعل الأطفال يخرجون يوم العيد “مقهورين” بسبب عدم قدرتهم على ارتداء ملابس جديدة أو مشاركة الآخرين أجواء المناسبة

وأشار الحراني إلى أن النازحين يعيشون خلال الأعياد والمناسبات الدينية واحدةً من أكثر اللحظات إحراجًا وقسوة، بالتزامن مع الغياب شبه الكامل للمبادرات المجتمعية والجمعيات الخيرية في المنطقة، لافتًا إلى أن بعض المساعدات المحدودة قد تصل فقط إلى عدد من الأيتام المسجلين لدى جمعية أيتام قعطبة، لكنها تبقى غير كافية مقارنةً بحجم الاحتياج داخل المخيمات

وفي مقابل الصورة القاتمة داخل المخيمات في محافظة الضالع، تبدو أوضاع النازحين المقيمين داخل قرى منطقة مريس أفضل نسبيًا مقارنةً بمناطق نزوح أخرى في المحافظة؛ بحسب مندوب النازحين في عدد من قرى مريس، بندر مزاحم

ويقول مزاحم لـ”المشاهد” إن عددًا من الجمعيات الخيرية وفاعلي الخير يقدّمون مساعدات موسمية للنازحين، تشمل الأضاحي وكسوة الأطفال، مشيرًا إلى أن للمغتربين وأبناء المنطقة دور كبير في تغطية جزء من احتياجات الأسر النازحة خلال المناسبات مثل عيد الأضحى وشهر رمضان

ويضيف أن هذه المبادرات تسهم، ولو بشكل محدود، في التخفيف من معاناة النازحين وإدخال شيء من الفرحة إلى قلوب الأطفال والأسر، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الجميع

ويعتبر مزاحم أن النازحين في مريس أكثر استقرارًا مقارنةً بنازحي مناطق أخرى داخل المحافظة؛ مرجعًا ذلك إلى النشاط الملحوظ للجمعيات الخيرية والمبادرات المجتمعية في المنطقة، والتي تساعد في سد جزء من الاحتياج وتخفيف شعور النازحين بالعزلة والتهميش خلال الأعياد والمناسبات الدينية

ترى الدكتورة شيماء العز، اختصاصية نفسية في تعز، في حديثها لـ”المشاهد”، أن الأعياد من أكثر الفترات التي تكشف حجم الهشاشة النفسية والاجتماعية داخل مخيمات النزوح

موضحةً أن الأطفال يشعرون خلالها بالفوارق الاجتماعية بصورة أكبر، في وقت يعيش فيه كثير من الآباء حالةً متزايدة من العجز النفسي نتيجة عدم قدرتهم على توفير أبسط متطلبات أسرهم

الدكتورة شيماء العز، اختصاصية نفسية في تعز: الأعياد من أكثر الفترات التي تكشف حجم الهشاشة النفسية والاجتماعية داخل مخيمات النزوح

موضحةً أن الأطفال يشعرون خلالها بالفوارق الاجتماعية بصورة أكبر، في وقت يعيش فيه كثير من الآباء حالةً متزايدة من العجز النفسي نتيجة عدم قدرتهم على توفير أبسط متطلبات أسرهم

”وتقول: “إن غياب المبادرات الموسمية والمنظمات الإنسانية لا ينعكس على الجانب المعيشي فقط، بل يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، خصوصًا لدى الأطفال الذين يكبرون وسط شعور دائم بالحرمان والمقارنة مع غيرهم من الأطفال خارج المخيمات”

وأضافت أن استمرار ضعف التدخلات الإنسانية يسهم في تعميق شعور النازحين بالتهميش وغياب الاهتمام بمعاناتهم، خاصة عندما تمر المناسبات الدينية والأعياد دون وجود أي حضور فعلي يخفف من قسوة الظروف التي يعيشونها منذ سنوات

وفي المساء، تعود خيام المخيمات إلى هدوئها المعتاد، بينما تستمر أحاديث العيد في الخارج

أطفال يراقبون الأسواق من بعيد، وآباء يبحثون عن أي فرصة عمل مؤقتة، وأمهات يحاولن إخفاء القلق أمام أبنائهن، في وقت يبدو فيه العيد بالنسبة لكثير من النازحين اختبارًا جديدًا للحرمان أكثر من كونه مناسبة للبهجة

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن