الضالع: قلة الوعي في التعامل مع مخلفات الحرب

منذ ساعة

الضالع- عبدالرقيب اليعيسيتحولت لحظة فرح داخل منزل في قرية الريبي، بمنطقة حجر، شمال محافظة الضالع، إلى مأساة خلال دقائق، بعدما انفجرت قذيفة من مخلفات الحرب داخل محيط المنزل أثناء تجمع عائلي للاحتفال بزفاف أحد أبناء الأسرة

الأطفال الذين كانوا يتحركون بين الحاضرين ويشاركون أجواء المناسبة، وجدوا أنفسهم في قلب الحادثة

أسفر الانفجار عن مقتل خمسة أطفال وإصابة ثمانية آخرين بجروح وإعاقات متفاوتة، في حادثة لم تقع على خط مواجهة أو في منطقة اشتباكات، وإنما داخل قرية يفترض أن المعارك غادرتها منذ سنوات

وأعادت الفاجعة إلى الواجهة سؤالًا يتكرر في المناطق التي شهدت الحرب: إلى أي مدى ما تزال مخلفاتها تهدد حياة السكان حتى داخل بيوتهم ومناسباتهم الاجتماعية؟

وتأتي هذه الحادثة في سياق أوسع تؤكده التقارير الدولية، إذ يشير تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (UNOPS) صادر بتاريخ 21 يوليو 2025، إلى أن اليمن ما يزال يواجه “تلوثًا واسع النطاق بالألغام ومخلفات المتفجرات”؛ نتيجة سنوات الصراع منذ عام 2015، مع تقديرات تفيد بأن ملايين المدنيين يعيشون في مناطق ملوثة تشكل خطرًا مباشرًا على حياتهم اليومية، خصوصًا في القرى والمزارع وخطوط الحركة الريفية

ويوضح التقرير أن هذه المخلفات لا تقتصر آثارها على الخسائر البشرية فقط، بل تمتد إلى تعطيل النشاط الزراعي، وإعاقة عودة النازحين، وتهديد سبل العيش في المناطق المتضررة؛ ما يجعل عمليات المسح والإزالة عنصرًا أساسيًا في أي مسار للاستقرار أو التعافي المجتمعي

كما يلفت التقرير إلى أن الجهود الجارية في مجال نزع الألغام تواجه تحديات متزايدة، من بينها توسع رقعة التلوث وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق؛ ما يفسر استمرار تسجيل حوادث متفرقة في مناطق شهدت سابقًا مواجهات عسكرية، مثل الضالع وغيرها من المحافظات

يروي صامد الريبي، أحد أفراد أسر الضحايا، لـ”المشاهد”، تفاصيل ما جرى في الحادثة التي تعرضت لها أسرتهم، قائلًا: إن القذيفة عُثر عليها قبل فترة داخل إحدى مزارع القات في المنطقة، وتم نقلها إلى المنزل دون إدراك لخطورتها، على أمل بيعها كخردة

ويضيف: “الجسم ظل موجودًا في أحد أركان المنزل لفترة، دون أن يدرك أحد أنه يحمل خطرًا قاتلًا، حتى جاءت لحظة الحادثة خلال مناسبة عائلية شهدت وجود عدد كبير من الأطفال داخل المكان”

ويتابع: “الأطفال تعاملوا مع المقذوف على أنه جسم عادي، فحملوه وخرجوا به باتجاه سيارة كانت تجمع الخردة، قبل أن يسقط منهم بشكل مفاجئ في الطريق، ليتحول خلال لحظات إلى انفجار عنيف داخل محيط المنزل”

ويوصف ما حدث بأنه من أكثر الحوادث قسوةً التي عرفتها المنطقة منذ سنوات الحرب، ليس فقط لحجم الضحايا؛ بل لأن الانفجار وقع داخل فضاء اجتماعي طبيعي، وفي لحظة يفترض أنها لحظة فرح؛ ما ضاعف وقع الصدمة على الأهالي، ورسّخ شعورًا بأن الخطر لم يعد بعيدًا أو مرتبطًا بالجبهات فقط، بل أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية

حادثة الريبي، رغم قسوتها، تعيد تسليط الضوء على واقع أوسع في مناطق الضالع، التي شهدت خلال سنوات الحرب مواجهات مباشرة بين أطراف الصراع، وما تزال حتى اليوم تعاني من وجود مخلفات حرب غير منفجرة في القرى والمزارع والطرق الريفية

ويقول الناطق الإعلامي للقوات الحكومية في جبهة الضالع، فؤاد جباري، لـ”المشاهد”، إن مناطق شمال حجر وشمال غرب قعطبة، مثل الفاخر وباب غلق ومريس، ما تزال تحتوي على جيوب متفرقة من المقذوفات غير المنفجرة؛ نتيجة طبيعة المواجهات التي شهدتها تلك الجبهات خلال السنوات الماضية

ويؤكد أن عمليات المسح ونزع الألغام لم تكن شاملة أو متواصلة بشكل كافٍ، بل جرت في كثير من الحالات كردود فعل على حوادث محددة في عام 2019 و 2020، حيث يتم التدخل بعد وقوع الانفجار أو اكتشاف الجسم المتفجر، بدلًا من تنفيذ مسح كامل ودقيق للمناطق

ويضيف أن بعض المناطق خضعت لعمليات تطهير جزئية، لكنها لم تُنهِ الخطر بشكل كامل، إذ لا تزال هناك جيوب غير مكتشفة، إضافةً إلى وجود مخلفات في مناطق يصعب الوصول إليها أو لم تُمسح بشكل متكامل منذ انتهاء المواجهات

ويشير إلى أن جزءًا من الحوادث التي سُجلت خلال السنوات الأخيرة يعود إلى تعامل مدنيين مع هذه المخلفات، إما بدافع الجهل بخطورتها أو بهدف بيعها كخردة، وهو ما يحوّل جسمًا خامدًا إلى مصدر انفجار قاتل

في المقابل، تعكس شهادات محلية أخرى حجم القلق الذي يعيشه السكان في هذه المناطق، حيث لا ينفصل الحديث عن الشعور المستمر بالخطر

تقول المعلمة افتكار السيد لـ”المشاهد”، وهي من المناطق التي جرت فيها مواجهات بين مسلحي جماعة الحوثي والقوات الموالية للحكومة، بمديرية قعطبة: “حملات التوعية بمخاطر الأجسام المتفجرة كانت قد نُفذت في فترات سابقة، لكنها لم تستمر بالشكل الكافي؛ ما أدى إلى تراجع الوعي المجتمعي تدريجيًا”

وتوضح أن هذا التراجع جعل بعض السلوكيات الخطرة تعود إلى الظهور، مثل الاحتفاظ بالمقذوفات داخل المنازل أو التعامل معها كمواد قابلة للبيع، دون إدراك حقيقي لحجم المخاطر التي قد تنتج عنها

وتضيف أن الحملات التي تنفذ من خارج القرى غالبًا ما تكون قصيرةً ومحدودة الأثر، وتغادر دون أن تترك تغييرًا سلوكيًا مستدامًا داخل المجتمع، وهو ما يجعل أثرها ضعيفًا في منع تكرار الحوادث

وتدعو إلى إشراك أبناء القرى أنفسهم في جهود التوعية من خلال تدريبهم، خصوصًا النساء، باعتبارهنّ الأقرب إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل البيوت، والأكثر قدرة على إيصال رسائل التحذير بشكل مستمر وفعّال للأطفال

على الأرض، تتقاطع الشهادات الميدانية في الضالع حول حقيقة واحدة: أن مخلفات الحرب لم تغادر القرى، بل بقيت كامنة في التربة والمنازل والمزارع، تتحول من بقايا صراع مسلح إلى تهديد يومي يلاحق حياة المدنيين

في هذا السياق، يقول الجندي مساعد قائد، عمل ضمن فرق حصر الألغام والمقذوفات في منطقة مريس، لـ”المشاهد”: “إن توقف بعض برامج نزع الألغام في فترات سابقة أسهم بشكل مباشر في تفاقم مشكلة المخلفات غير المتفجرة في عدد من المناطق التي شهدت مواجهات عسكرية في محافظة الضالع، خصوصًا في قعطبة وحجر ومريس”

ويضيف أن طبيعة القتال في تلك الجبهات أدى إلى سقوط مقذوفات في القرى والمزارع والمناطق السكنية

مشيرًا إلى أن جزءًا من هذه المقذوفات لم ينفجر في حينه، وبقيّ مدفونًا أو مهملًا في الأرض لسنوات، قبل أن يظهر لاحقًا على شكل حوادث قاتلة تهدد حياة السكان بشكل مفاجئ وغير متوقع

ويؤكد قائد أن استمرار غياب المسح الشامل والمنظم يجعل المدنيين، وخاصة الأطفال والرعاة والفلاحين، في مواجهة مباشرة مع هذه المخاطر اليومية، في ظل صعوبة تمييز هذه الأجسام عن الحجارة أو الخردة أو الأدوات المعدنية العادية المنتشرة في البيئة الريفية

ويستحضر في هذا السياق حادثة سابقة شهدتها المنطقة نفسها، قُتل فيها راعٍ للأغنام بعد أن عثر على لغم دبابة، وظن أنه جسم معدني يمكن نقله أو بيعه كخردة، قبل أن ينفجر به أثناء محاولته تحريكه، في واقعة تعكس حجم الجهل بطبيعة هذه المخلفات من جهة، وخطورة غياب التوعية من جهة أخرى

وتتقاطع هذه الشهادة مع ما جرى في حادثة الريبي الأخيرة، حيث تحولت قطعة متفجرة عُثر عليها داخل مزرعة إلى جسم متنقل بين أيدي الأطفال، قبل أن تنتهي بانفجار داخل محيط المنزل؛ ما يعكس نمطًا متكررًا من التعامل غير الواعي مع مخلفات الحرب في القرى

وفي شهادة أخرى أكثر التصاقًا بالبيئة المنزلية، يروي المواطن نشيد حكيم، من سكان قرية “يعيس” شمال منطقة مريس، لـ”المشاهد”، تجربةً شخصية عاشها بعد عودة أسرته إلى قريتهم عقب توقف المواجهات العسكرية

يقول حكيم إنه أثناء وجوده داخل المنزل، صعد إلى سطح البيت كعادته، لكنه تفاجأ بوجود قنبلة يدوية غير منفجرة في المكان، موضوعةً بطريقة لم تُثر انتباه أحد من أفراد الأسرة من قبل

ويضيف أنه اقترب من القنبلة دون معرفة بخطورتها، وحملها بيده في لحظة عفوية، لكن ما حدث بعدها كان صادمًا، إذ انفك الصاعق الخاص بها بشكل مفاجئ أثناء وجودها في يده؛ ما دفعه إلى رميها بسرعة والابتعاد عنها فورًا، قبل أن يهرع بالقفز إلى الأسفل هربًا من انفجار وشيك

ويؤكد أن نجاته من الحادثة لم تكن سوى لحظة فاصلة بين الحياة والموت، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أنه ظل عالقًا في ذاكرته ليس فقط النجاة الشخصية، بل فكرة أن أحد إخوته الصغار كان يمكن أن يصعد إلى السطح قبله ويلمس القنبلة، وهو ما كان سيحوّل الحادثة إلى مأساة عائلية كاملة داخل المنزل نفسه

بالنسبة لسكان قرية الريبي في محافظة الضالع، وغيرها من المناطق التي شهدت مواجهات لا تبدو انتهاء المعارك نهايةً كاملة للحرب

فبعد سنوات من تغيّر خطوط السيطرة وتراجع المواجهات، ما تزال بعض القرى تتعامل مع إرث آخر أقل ظهورًا وأكثر قدرة على البقاء: مقذوفات لم تُكتشف، ومساحات لم تُمسح، وشعور متواصل بأن الخطر قد يظهر في أي وقت

حادثة الأطفال في الريبي لم تكن مجرد مأساة محلية، بقدر ما أعادت طرح سؤال عملي على واقع المناطق التي خرجت من الحرب عسكريًا: إلى أي مدى يمكن الحديث عن عودة الحياة الطبيعية بينما لا تزال بقايا المواجهات منتشرة في المزارع والبيوت ومسارات الناس اليومية؟

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن