المراكز الصيفية الحوثية… كيف تتحوّل العطلة إلى مصنع لإعادة تشكيل وعي الطلاب طائفياً؟

منذ 8 ساعات

مع نهاية كل عام دراسي، وتحديدًا في شهر شوال، تبدأ مليشيات الحوثي في مناطق سيطرتها بتدشين ما تُعرف بـالمراكز الصيفية، وهي برامج تمتد لشهرين على الأقل، لكنها تتجاوز في طبيعتها كونها أنشطة موسمية، لتتحول – وفق توصيف باحثين وخبراء – إلى مرحلة مكثفة من إعادة تشكيل الوعي، أو ما يصفه البعض بعملية غسيل دماغ ممنهجة تستهدف الأجيال الجديدة

ومنذ انطلاقها عام 2017 في العاصمة صنعاء، شهدت هذه المراكز توسعًا ملحوظًا لتشمل مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة، حيث لم يعد الالتحاق بها قائمًا على الاختيار، بل يرتبط – بحسب معطيات ميدانية – بمزيج من الترغيب والضغوط والإكراه، بهدف دفع الأسر لإلحاق أبنائها بهذه البرامج

ويُنظر إلى هذه المرحلة، وفق مراقبين، كخطوة تمهيدية لإعادة توجيه الأطفال نحو مسارات لاحقة، تشمل التدريب والتوظيف ضمن أنشطة الجماعة، وصولًا في بعض الحالات إلى الدفع بهم نحو الجبهات

وتُدار هذه المراكز عبر هيئة مخصصة تُعرف بـاللجنة العليا للأنشطة والمراكز الصيفية، التي تتولى الإشراف والتنظيم، فيما تُموَّل أنشطتها من موارد الدولة، وتُقام داخل المدارس والمساجد، مع إشراك المعلمين – في كثير من الحالات – بشكل إلزامي لتدريس مناهج ذات طابع طائفي، تعكس خطاب الجماعة القائم على مزاعم أحقيتها بالحكم وإعادة تشكيل المجتمع وفق أسس فكرية محددة

ضغوط منظمة… من رسائل واتساب إلى احتجاز النتائجفي هذا السياق، حصل مركز العاصمة أونلاين على رسائل متداولة في مجموعات واتساب مدرسية، تكشف عن نمط مقلق من الضغوط الممنهجة على أولياء الأمور، حيث تُظهر هذه الرسائل ربط القبول في العام الدراسي الجديد بالحصول على شهادة المركز الصيفي، ما يحوّل الالتحاق بهذه الدورات إلى شرط إلزامي غير معلن، ويضع الأسر أمام خيارات محدودة تفتقر إلى الطوعية

وتدعم هذه المعطيات إفادات مصادر تربوية أكدت أن الضغوط تجاوزت حدود التوجيه، لتصل إلى إجراءات عملية، من بينها احتجاز نتائج الاختبارات في عدد من المدارس بمحافظة إب، وربط تسليمها بحضور الطلاب لهذه الدورات، مع التلويح برسوب غير المشاركين، مقابل منح النجاح للطلاب المتعثرين في حال التزامهم بالحضور

كما وثّقت إحدى الرسائل المنسوبة لإدارة مدرسة شمالي مدينة إب اشتراطًا صريحًا بضرورة الالتحاق بالمراكز الصيفية، مع الإشارة إلى إمكانية حجب النتائج الدراسية في حال الغياب، وهو ما يعكس – بحسب مراقبين – تحوّل العملية التعليمية من فضاء يفترض أن يقوم على الحياد والمعرفة، إلى أداة ضغط تُستخدم لفرض توجهات فكرية محددة

تحذير نقابي: جريمة مركبة تستهدف التعليم والهويةوفي هذا السياق، حذّرت نقابة المعلمين اليمنيين من ما وصفته بـالمخاطر الجسيمة للمراكز الصيفية، معتبرة أنها تمثل تهديدًا مباشرًا لهوية النشء، بالتزامن مع استمرار انقطاع مرتبات المعلمين منذ سنوات

وقالت النقابة إن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف، يتمثل الأول في تجريف الوعي والهوية الوطنية، والثاني في استهداف الكرامة المعيشية للمعلم، مؤكدة أن ذلك يشكل خطرًا على العملية التعليمية ومستقبل البلاد

وأشارت إلى أن هذه المراكز تُستخدم كوسائل للتعبئة الفكرية، في ظل بيئة تعليمية منهكة نتيجة توقف المرتبات، ما يفتح المجال أمام ما وصفته بـالتجهيل والسيطرة الفكرية

تفكيك الهوية وإعادة إنتاج الولاء… كيف تُعاد صياغة الوعي؟وفي قراءة أعمق لطبيعة هذه المراكز، يرى باحثون أنها لا تندرج ضمن الإطار التعليمي التقليدي، بل تمثل جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل الوعي وبناء منظومة ولاء جديدة

وفي هذا السياق، قال فهد سلطان، كاتب وباحث، في تصريح لمركز العاصمة أونلاين، إن ما يجري لا يمكن توصيفه باعتباره نقلًا للعلوم والمعارف، بل هو أقرب إلى وظيفة تهدف إلى تشكيل الولاء لدى الناس

وأوضح أن الفرد يصبح ملزمًا بحضور هذه الدورات بشكل قسري، في إطار عملية تستهدف إعادة تشكيل المجتمع وضبطه والتحكم فيه، وليس تقديم تعليم عام يزوّد الفرد بالمعرفة التي تنعكس عليه وعلى محيطه بالنفع

وأضاف أن هذه التعبئة الدينية تتم بإشراف مركزي من قبل الجماعة نفسها، دون أي مشاركة حقيقية من المجتمع، إذ تبدو هذه المشاركة شبه معدومة

ولفت إلى أن الجماعة تتبنى مذهبًا معينًا باعتباره الحقيقة المطلقة التي لا تقبل النقاش، مشيرًا إلى أن هذا النمط من التنشئة يزرع ألغامًا داخل المجتمع قد تنفجر مستقبلًا وتهدد استقراره

وأشار إلى أن المناهج التي تعتمدها الجماعة تمجّد الصراع، وتعمل على صناعة أعداء دائمين، بل وتبرر العنف، مؤكدًا أننا أمام بيئة تُنتج الصراع لا بنية تعليمية تسهم في البناء

وأضاف أن هذه المراكز تعيد تعريف مفاهيم الصراع داخل اليمن وخارجه، وتغرس لدى الملتحقين ثنائيات حادة من قبيل: حق وباطل، إسلام وكفر، صدق وكذب، وهي ثنائيات قاتلة ومدمرة تقوم على تصور وجود حق مطلق وباطل مطلق، ما يدفع الفرد للاستعداد للتضحية في مواجهة عدو ترسمه له الجماعة

وأكد أن هذه المرحلة تُعد الأخطر، لأنها تستهدف تفكيك الهوية الوطنية الجامعة واستبدالها بهوية طائفية ضيقة، مشيرًا إلى أنه يتم تهيئة العقل للتجنيد، والتطبيع مع العنف، والقبول به كسلوك يومي

وبيّن أن هذه المراكز تمثل بيئة حاضنة لبذور العنف، وهي أخطر من نتائجه المباشرة لأنها غير مرئية في البداية، لكن آثارها تظهر لاحقًا في سلوك الأفراد داخل الأسرة والشارع والجبهات

وختم بالقول إنه بخلاف الدول التي تمتلك مؤسسات عسكرية يكون فيها العنف منظمًا وخاضعًا للسيطرة، فإن ما تمارسه الجماعة هو زرع ثقافة عنفية داخل المجتمع بأكمله، بحيث يتحول ما كان يُعد تطرفًا إلى أمر طبيعي، وما كان مرفوضًا إلى واجب

وأضاف أن الجماعة لا تستطيع الاستمرار دون صراعات وحروب، إذ تبقي المجتمع في حالة استنفار دائم، مهيأ للصراع، لا للاستقرار

من التعليم إلى التجنيد… مشروع طويل المدى لإعادة هندسة المجتمعهذا التوصيف يتقاطع مع ما يطرحه همدان العليي، الباحث والناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، الذي يرى أن هذه المراكز تمثل تحولًا عميقًا في وظيفتها، حيث قال في تصريح لمركز العاصمة أونلاين إن المعنى التقليدي للمراكز الصيفية، كما عُرف سابقًا في اليمن وفي كثير من دول العالم، يشهد تحولًا خطيرًا نحو وظيفة مختلفة تتعلق بإعادة صياغة وهندسة المجتمع

وأوضح أنه يتم تحويل هذه المراكز إلى وسيلة لإعادة تعريف المفاهيم والأدبيات والمبادئ داخل البلاد، بما في ذلك مفاهيم الوطنية والدين والقيادة، مشيرًا إلى أن الحوثيين يستخدمون هذه المراكز لإعادة تعريف هذه القيم لدى الأطفال، بعد أن كان الهدف منها سابقًا تعزيز التعايش ونشر الفهم الصحيح للدين

وأضاف أن هذه المراكز باتت تقدم تعريفات جديدة تخدم – بشكل واضح – مشروع التشييع في اليمن، وتسهم في زرع الكراهية وتعزيز الانقسامات داخل البنية المجتمعية

وأشار إلى أن هذه المراكز تقوم على قاعدة فكرية واضحة، تقوم على تكريس صورة أحادية للعالم وفق منطق نحن مقابلهم، حيث يُغرس في وعي الأطفال أن المنتمين إلى الجماعة هم وحدهم المطهرون والمؤمنون والصالحون، بينما يُصوَّر الآخرون باعتبارهم منافقين ومجرمين وفاسدين وملحدين، بل وحتى عملاء لإسرائيل وأمريكا

ولفت إلى أن هذا النمط من التنشئة لا يمر كمرحلة عابرة، بل يترسخ في وعي الطفل ويلازمه لفترة طويلة، ما لم تُتخذ إجراءات جادة لمعالجته وإعادة بناء الوعي على أسس أكثر توازنًا

وبيّن أن الجماعة تعتمد على المدرسة بشكل عام كأداة لترسيخ هذه الثقافة وإعادة تشكيل وعي المجتمع، خصوصًا لدى الأطفال، إلا أن المراكز الصيفية تمثل مستوى أكثر خطورة، إذ لا تقتصر على الجانب الفكري، بل تتضمن أنشطة ذات طابع عسكري، تجعل منها بيئة مهيأة لعمليات التجنيد المبكر

وأوضح أن هذه المراكز تتحول إلى ما يشبه المصائد، حيث يتم استقطاب الأطفال وإعادة تشكيل وعيهم تمهيدًا لمرحلة لاحقة، يُدفع فيها بعضهم إلى جبهات القتال

وختم بالقول إن هذه المراكز تسير في مسارين متوازيين: الأول، أدلجة فكرية ومعرفية تُزرع في الطفل وتستمر معه مع تقدمه في العمر، والثاني، مسار عملي يقوم على تهيئته نفسيًا وسلوكيًا للانخراط في مسارات التجنيد والقتال

غسيل دماغ ممنهج… كيف تُعاد صياغة وعي جيل كامل؟وفي السياق ذاته، يقدّم الدكتور أحمد الدغشي، أستاذ أصول التربية وفلسفتها بجامعة صنعاء، في مقالات منشورة بموقع المصدر أونلاين، قراءة أعمق لطبيعة هذه المراكز، معتبرًا أنها تمثل استئنافًا مكثفًا لعملية مستمرة من غسيل الدماغ تستهدف الجيل، ولكن هذه المرة تحت عنوان المراكز الصيفية

ويوضح الدغشي أن هذه العملية لا تتم بشكل عفوي، بل عبر توجيه مباشر للقائمين على قطاع التربية والتعليم، من معلمين وموجهين ومديرين، إضافة إلى ما يُعرف بـالمشرفين الحوثيين الذين يديرون المؤسسات الحكومية، بما فيها التربوية، لتنفيذ ما يرونه وسائل وأساليب أكثر نفاذًا وتأثيرًا في تشكيل وعي الناشئة فكريًا وسلوكيًا

ويشير إلى أن هذه البرامج تُنفذ بشكل مكثف على مدى لا يقل عن شهرين خلال العطلة الصيفية، مع حشد كامل لإمكانات السلطة، بما في ذلك استنفار كبار المسؤولين للقيام بزيارات ميدانية متواصلة إلى هذه المراكز، بهدف الحث على الالتحاق بها وتعزيز الالتزام بمضامينها

ويرى أن الهدف من ذلك يتجاوز التعليم، ليصل إلى محاولة تنشئة جيل كامل قائم على مفاهيم طائفية وقيم عقدية إقصائية، تُرسّخ في ذهن الطفل أن من لا يؤمن بمنظومة الفكر الحوثي هو كافر أو عميل، ما يدفعه – بإدراك أو بدونه – إلى الاصطفاف مع الجماعة في مواجهة مجتمعه، بما في ذلك من يختلفون معها داخل الوطن

ويضيف الدغشي أن الهدف الجوهري من هذه المراكز يتمثل في صناعة جيل جديد معبّأ بمنظومة فكرية تقوم على الصراع المذهبي ورفض الآخر، حيث تنتقل هذه الأهداف عمليًا إلى إعادة تشكيل عقلية الطفل وسلوكه، وإحداث تحول جذري في نظرته للحياة والوجود، بحيث يُختزل الهدف منها في القتال والولاء المطلق لقيادة الجماعة، والدفاع عن مشروعها، وفق ما يُعرف بـقسم الولاية، الذي يحدد من هو المؤمن ومن هو المنافق، ويبرر العنف تجاه المخالفين

ويمضي الدغشي أبعد من ذلك، مشيرًا إلى أن آثار هذه التعبئة لم تعد نظرية، بل انعكست في بعض الحالات على الواقع الاجتماعي، حيث لم يعد مستغربًا – بحسب وصفه – سماع حوادث عنف داخل الأسرة، تصل في بعض الأحيان إلى حد قتل الأب أو الأم، نتيجة رفضهم التحاق أبنائهم بالجبهات أو اعتراضهم على خطاب الجماعة

ويرى أن هذا النمط من السلوك ما كان ليحدث لولا هذه التعبئة المتراكمة، التي تمثل فيها المراكز الصيفية ذروة عملية غسيل الدماغ، بما تحمله من خطاب يقوم على الكراهية والعنف، ويغلق باب المراجعة أو التفكير النقدي، في ظل طاعة مطلقة لقيادة الجماعة، واستعداد لتنفيذ أوامرها دون تساؤل

ويخلص إلى أن هذه العملية لا تتوقف عند حدود الأفراد، بل تمتد إلى إعادة تشكيل المجتمع بأكمله، بما يعمّق الانقسامات، ويكرّس ثقافة العنف، ويزيد من معاناة المجتمع وتراجعه على مختلف المستويات

ولا تقتصر هذه القراءة على التحليل الأكاديمي، بل تدعمها تقارير بحثية وحقوقية

وبحسب الفريق البحثي التابع للمركز الأمريكي للعدالة (ACJ)، الذي أجرى تحقيقًا ميدانيًا حول المراكز الصيفية الحوثية ونشر نتائجه في يونيو 2023، فإن المناهج المعتمدة في هذه المراكز تتكون من سبعة كتب بإجمالي 278 صفحة، معظمها مستمد من مؤلفات وملازم قيادات الجماعة، وعلى رأسهم بدر الدين الحوثي ونجلاه، إضافة إلى مواد مقتبسة من ملازم مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي

وتُقسَّم هذه المناهج إلى ثلاثة مستويات تعليمية: ابتدائي، ومتوسط، وعالٍ

ففي المستوى الأول، المخصص لطلاب المرحلة الأساسية، تُدرّس مواد مثل كتاب صلاتي الذي يعكس التوجه الفقهي للجماعة مع التقليل من بقية المذاهب، إلى جانب مواد في القراءة والقرآن، تتضمن مضامين فكرية أحادية مشبعة بخطاب الكراهية والعنف

أما المستوى المتوسط، فيشمل طلاب المرحلتين الأساسية والثانوية، ويتضمن مقررات تركز على مفاهيم دينية وسياسية، مثل نصوص في هداية الأمة التي تعزز مفاهيم الولاء والطاعة وتربطها بالتمكين والنصر، إضافة إلى دروس مستمدة من ملازم حسين الحوثي

وفي المستوى العالي، المخصص لخريجي الثانوية، تُدرّس مواد في التفسير والفقه والعقيدة، جميعها مستندة إلى نفس المرجعية الفكرية للجماعة

ولا تقتصر هذه المراكز على الجانب التعليمي، إذ يشير التقرير إلى وجود نوعين من الأنشطة: مراكز مفتوحة تغطيها المناهج المعلنة، ومراكز مغلقة تُدار بشكل أكثر سرية وتشبه معسكرات تدريب، حيث يتلقى الملتحقون تدريبات عسكرية، ويتعرضون لخطاب تعبوي مكثف، يشمل ترديد الشعارات، ومشاهدة مواد تحريضية، وزيارات لمقابر قتلى الجماعة بهدف التأثير النفسي وتهيئتهم للالتحاق بالجبهات، بما في ذلك أطفال دون سن الخامسة عشرة

من جانبه، يؤكد تقرير فريق الخبراء الدوليين المعني بحقوق الإنسان في اليمن لعام 2025، أن جماعة الحوثي تعتمد استراتيجية ممنهجة لتجنيد الأطفال، تقوم على منظومة متعددة المستويات تقودها هيئة التعبئة العامة التابعة لما يُسمّى وزارة الدفاع التابعة لها

ويشير التقرير إلى أن هذه المنظومة تستخدم قنوات رسمية وغير رسمية، تشمل وزارة التربية والتعليم والدورات الصيفية والمدارس القرآنية، لاستهداف الأطفال في سن مبكرة، بعضهم لا يتجاوز السابعة

كما يلفت إلى أن التعديلات التي طالت المناهج التعليمية تهدف إلى ترسيخ الأهداف الأيديولوجية للجماعة في أذهان النشء

الخاتمةتكشف هذه المراكز عن تحوّل جوهري في وظيفة التعليم، من كونه مساحة للمعرفة إلى أداة لإعادة إنتاج الولاء، ومع تداخل المدرسة والمجتمع والخطاب التعبوي، لم تعد المعركة محصورة في الجبهات، بل انتقلت إلى عمق الوعي، حيث يُعاد تشكيل الجيل القادم وفق سردية واحدة لا تحتمل التعدد