اليمنيات في مواجهة “الضريبة الخفية” للحوالات المالية

منذ 3 ساعات

تعز- نورا فهدفي عتمة الليل، تجلس سمية سلطان (42 عامًا) أمام شاشة هاتفها، تترقب وميضًا يتأخر أحيانًا

عندما تتعطل خطوط التواصل أو تتباطأ المعاملات البنكية، ويتأخر زوجها في تحويل المصروف الشهري من مكان اغترابه بالسعودية

تصف سمية تلك اللحظات بعبارة مقتضبة تلخص ثقل بلد بأكمله: “أحس الدنيا تتقفل بوجهي”

تبدأ حسابات الفواتير، والديون المتراكمة، والتزامات أطفالها الثلاثة في الدوران برأسها طوال الليل

منذ عام 2021، حين حزم زوجها حقائبه مدفوعًا بانسداد الأفق الاقتصادي في الداخل، تحولت سمية بين عشية وضحاها من أمّ تُشارك أعباء الحياة، إلى مديرة أزمات مالية تدير بلغة الأرقام الصارمة اقتصاد منزلها الصغير

تقول: “بعد سفر زوجي أصبحتُ أنا المسؤولة عن كل شيء؛ أُقسّم الحوالة بين احتياجات البيت من أكل ماء، المدرسة، وغيرها”

قصة سمية ليست مجرد حكاية كفاح فردية؛ بل هي الوجه الإنساني لواقع بنيوي جديد جعل اليمن يتبوأ المرتبة الثالثة عالميًا في الاعتماد على الحوالات المالية الخارجية كشريان حياة أساسي

بينما يحتفي العالم في 16 يونيو بـ “اليوم الدولي للتحويلات المالية العائلية“، تدفع ملايين النساء اليمنيات ضريبةً خفية لإدارة اقتصاد البلادي المتدهور

وأدّت الحرب -المستمرة لأكثر من عقد- إلى تجريف كلي لفرص العمل وتوقف الصادرات؛ ما جعل الاغتراب الملاذ الأخير

تشير التقارير إلى أن تدفقات التحويلات المالية -الرسمية وغير الرسمية- تجاوزت 7

4 مليارات دولار أمريكي في عام 2024؛ ما مثّل حوالي 38% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد

ويتجاوز هذا الاعتماد معظم دول العالم؛ ليحتل اليمن المرتبة الثالثة عالميًا في الاعتماد على التحويلات المالية

يوضح الصحفي المهتم بالشأن الاقتصادي، وفيق صالح، أن هذه الأموال هي الركيزة الأساسية التي تمنع الانهيار الكامل، حيث تعمل على إحداث توازن في سوق الصرف بين النقد الأجنبي والمحلي، فضلًا عن كونها مصدر الدخل الرئيسي لمئات الآلاف من الأسر

هذا التدفق المالي أحدث انقلابًا في الأدوار داخل الأسرة اليمنية التقليدية

إذ تحولت المرأة إلى محور الإدارة المالية، وتكييف المبالغ المرسلة مع التضخم المتسارع وتذبذب أسعار الصرف

وتشرح أستاذة علم الاجتماع في جامعة عدن، الدكتورة ألطاف الأهدل، الأبعاد المعقدة لهذا الدور الجديد

تذكر الأهدل أن رداءة الوضع المعيشي تدفع المرأة إلى اتخاذ قرارات تقشفية قد تكون “جائرة” في بعض الأحيان بحق أطفالها لتفادي العجز؛ كالرضا بمستوى أدنى من الغذاء، أو التنازل عن جودة التعليم والصحة؛ لتجنب المساءلة اللاحقة من الرجل

وفي غياب السيولة أو تأخر الحوالة، تبتكر النساء استراتيجيات مريرة للبقاء، مثل شراء الاحتياجات الأساسية من البقالات المحلية بالتقسيط، أو تأجيل النفقات ودفع جزء من القيمة وترحيل الباقي للشهر التالي

تظل المرأة في دوامة مواجهة الأسئلة الوجودية الصعبة: “ممن أستدين اليوم؟ ومن هو الشخص الذي سأطرق بابه أولًا؟”

على الجانب الآخر، يرى الصحفي الاقتصادي صالح، زاويةً إيجابية وسط هذا الركام؛ إذ يلاحظ أن نقل المسؤولية المالية للنساء ساهم في ترشيد الإنفاق بشكل فعّال، وتوجيهه بالكامل نحو السلع الأساسية للبقاء، والابتعاد عن الكماليات والمصروفات التي كانت تستنزف ميزانية الأسر سابقًا مثل “القات”

تولي المرأة مسؤولية المالية والتربية معًا في غياب الزوج؛ يجرف تدريجيًا مشاعر الأمومة

إذ تقف النساء شهريًا في طوابير طويلة أمام شركات الصرافة والمصارف؛ في مهمة استلام الحوالة المالية أو مصارفة النقد الأجنبي بالعملة المحلية

وتصف الدكتورة الأهدل هذه الحالة بـ”الأعباء المركبة” التي تبلغ ذروتها في مواسم الإنفاق الكثيفة، مثل الأعياد وبداية الأعوام الدراسية

وتتوزع هذه الضغوط على عدة مستويات نفسية واجتماعية

وتلعب المرأة دور الأب والأم معًا؛ ما يجعل شعور المسؤولية يطغى على مشاعر الأمومة والأنوثة العفوية لديها

واجتماعيًا، تضطر بعض النساء إلى الاختفاء من الفعاليات المجتمعية للبقاء في صورة الملتزمة ماليًا والوفاء بالوعود أمام الزوج

ومن جهة أخرى، بات المجتمع يُقيّم مكانة المرأة بناءً على حجم الحوالات التي تصلها، دون مراعاة لظروف الزوج الفعليّة إن كان فقيرًا أو متوسط الحال

ولا تقتصر المعاناة على الجانب النفسي والاجتماعي؛ فالصحفي الاقتصادي صالح يشير إلى أن تقلبات أسعار الصرف تلتهم القيمة الفعلية للتحويلات، حيث تذهب فوارق الصرف وعمولات التحويل الباهظة كضريبة إضافية تدفعها الأسر من قوت يومها

في نهاية المطاف، تجد المرأة اليمنية نفسها في مواجهة مجتمع يطالبها بإدارة كل شيء؛ بدءًا من تربية أطفالها وتوجيه علاقاتهم مع المدرسة والحي، وصولًا إلى موازنة الأرقام الحسابية الصعبة

يحدث هذا في ظل تباين ملحوظ في تقدير الرجال، فبينما يثمن بعضهم هذا العبء العملاق، يختار آخرون الاستخفاف به، وتظل نساء كـ”سمية” يُدرنَ بصمت وبأجساد متعبة، عجلة اقتصاد منزلي منهار؛ ليظل الأبناء على قيد الحياة

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن