اليمن.. “العملة الصعبة” تشتري طعامًا أقل
منذ 41 دقائق
عدن- أحمد عبدالمنعم في مكاتب البنك المركزي اليمني المطلة على خليج عدن، يبدو المشهد وكأنه قصة نجاح اقتصادية في بلد مزقته الحرب
الأرقام الرسمية تشير إلى تعافٍ الريال اليمني، لكن في الأسواق الشعبية المزدحمة، “العملة الصعبة” تشتري طعامًا أقل
تتباهى الحكومة المعترف بها دوليًا بقدرتها على كبح جماح التدهور النقدي الذي بلغ ذروته في يوليو 2025
ويتحدث مسئولو الحكومة والبنك المركزي باهتمام عن استعادة قيمة الريال بعد ذلك التدهور
ومع ذلك، فإن هذا “الاستقرار” الورقي يخفي مفارقةً قاسية
بينما ارتفعت قيمة الريال، استمرت أسعار المواد الغذائية في التحليق بعيدًا عن متناول الملايين؛ مما أثار تساؤلات جدية حول فعالية السياسة النقدية في بلد يعتمد على الحوالات الخارجية أكثر من أي شيء آخر
سعر السلة الغذائية في مناطق سيطرة الحكومة بعد تحسن سعر العملة المحلية صار أعلى بكثير بالعملة الأجنبية
فحين كان متوسط سعر الدولار في يوليو الماضي 2,828 ريالًا يمنيًا وقبل تحسن سعر العملة كانت قيمة السلة الغذائية 69 دولارًا أمريكيًا، بحسب نشرة السوق والتجارة لشهر يوليو 2025 الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “الفاو“
وفي مارس الماضي وصل سعر السلة الغذائية حوالي 83 دولارًا أمريكيًا برغم أن متوسط سعر صرف الدولار سجل 1,553 ريالًا
بالنسبة للأسر اليمنية التي تعتمد على الحوالات الخارجية كمصدر دخل أساسي فإن سعر السلة الغذائية قد زاد حوالي 14 دولارًا أمريكيًا منذ أعلن البنك المركزي في عدن عن تحسن سعر العملة في أغسطس 2025 حتى مارس الفائت
يأتي اليمن في المرتبة الثالثة عالميًا في الاعتماد على حوالات المغتربين التي تشكل أكثر من 38% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد، وفق تقرير للأمم المتحدة في نوفمبر الماضي
وبحسب نفس المصدر فقد تجاوزت تحويلات المغتربين الرسمية وغير الرسمية 7
4 مليارات دولار في 2024
أسعار الصرف لم تعد مستقرة كما كانت خلال الفترة من سبتمبر 2025 وحتى الثلث الأول من فبراير2026
إذ تشتري معظم شركات الصرافة العملات الأجنبية، خصوصًا الريال السعودي، من المواطنين بسعرٍ يتراوح ما بين 400 و390 ريالًا يمنيًا، وهو أقل من السعر الذي حدده البنك المركزي
وزيادةً على ذلك فإنّ الأمن المعيشي للمواطنين تضرر بالفعل إذ ارتفعت أسعار السلع والخدمات أكثر من ذي قبل
مع التحسن الكبير في سعر الصرف منذ أغسطس 2025 حتى مارس من هذا العام، توقع المواطنون هبوطًا في أسعار السلع، لكنّ هذا التحسن لم ينعكس على الأسعار كما كانوا يأملون
وعند النظر إلى تقارير نشرة السوق والتجارة -وهي تقارير تصدرها منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة شهريًا تعرض معلومات محدثة عن أسعار السلع والخدمات والأمن الغذائي في اليمن مع التركيز على مناطق الحكومة-، نجد أنّ التحسن في أسعار السلع لم يرقَ إلى مستوى التحسن في أسعار الصرف بل زاد أكثر
وبحسب نشرة السوق والتجارة لشهر يوليو 2025-الشهر الذي شهد فيه الريال تدهورًا كبيرًا
فقد سجلت نشرة السوق والتجارة سعر سلة الغذاء في يوليو الماضي 194,504 ألف ريال يمني، أي 69 دولارًا (متوسط سعر الدولار 2,828 ريالًا)
وسجّلت النشرة سعر السلة في شهر أكتوبر، أي بعد شهرين من تحسن أسعار الصرف بنحو 124,319 ألف ريال، أي 77 دولارًا
من المفارقات أنّ قيمة السلة الغذائية انخفضت بسعر العملة المحلية خلال الفترة نفسها بنسبة 36
08%، وهي نسبة تقل حوالي 10% عن نسبة التحسن في سعر قيمة العملة المحلية والتي بلغت 46%
وفي مفارقة غريبة استمرت أسعار السلع بالارتفاع حتى بعد التحسن الأخيرة لأسعار العملة المحلية في فبراير
إذ بلغت قيمة السلة الغذائية في فبراير 128,928 ألف ريال (82 دولارًا أمريكيًا)
وسجل سعر السلة الغذائية في مارس الماضي 128,806 ريالات (83 دولارًا أمريكيًا) بمتوسط سعر صرف 1,553 ريالًا للدولار الواحد
يفسرالمحلل الاقتصادي وحيد الفودعي هذه المعادلة لـ”المشاهد” قائلاْ:” إنّ تحسّن سعر الصرف وحده لا يكفي لكي تنخفض وتتحسّن قيمة أسعار السلع، ويعود ذلك إلى الاعتماد الكبير على الاستيراد وتشوهات السوق في اليمن”
ويضيف: “يجب أن يصاحب التحسن في أسعار الصرف ضبطًا ورقابةً للأسواق وتخفيضًا فعليًا في تكاليف الوقود والنقل”
ويؤكد الفودعي أنّ تحسّن سعر الصرف يجب أن ينعكس على أسعار السلع لكن ليس بنفس النسبة ولا بنفس السرعة ولا على كل السلع والخدمات بالتساوي، وأنّ مقدار الانخفاض العادل يعتمد على نسبة الدولار داخل تكلفة السلعة، وعلى قوة المنافسة، وعلى تكاليف النقل والوقود والرسوم، إضافةً إلى سرعة انتقال الأثر من المستورد إلى تاجر الجملة ثم التجزئة”
وتشير تقارير السكرتارية الفنية للأمن الغذائي -وهي وحدة تابعة لوزارة التخطيط والتعاون الدولي تجمع بيانات ومعلومات فورية عن الأمن الغذائي وأسعار السلع في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة- إلى ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، وحدّ ارتفاع أسعار السلع في السوق من قدرة وصول الكثير من الأسر إلى الغذاء خلال شهر فبراير
تزامن تحسن سعر الصرف في فبراير إلى 410 ريالات يمنية للريال السعودي مع حدوث أزمة شحّ بالسيولة النقدية للعملة المحلية، بعد قرابة خمسة أشهر من الاستقرار كانت قد شهدته أسعار الصرف في الأسواق
ومن أجل الحفاظ على استقرار الأسعار ومعالجة أزمة شح السيولة أعلن البنك المركزي منتصف فبراير عن شراء العملات الأجنبية من المواطنين عبر كاك بنك بسعر صرف 410 ريالات في كافة مناطق سيطرة الحكومة مع تحديد سقف يومي يبلغ 10 آلاف ريال سعودي
ومع ذلك لا تزال أزمة شح السيولة قائمة إذ ترفض معظم البنوك شراء العملات الأجنبية من المواطني، إضافةً إلى أنّها ترفض مصارفة العملات الأجنبية عبر تطبيقاتها الرقمية كما كان في السابق، إذ باتت تُحدد سقفًا يوميًا للمصارفة لا يزيد عن 50 دولارًا فقط
وزيادة على ذلك فإنّ محلات وشركات الصرافة ترفض شراء العملات الأجنبية من المواطنين إلا بسعر منخفض يتراوح ما بين 400 و390 ريالًا يمنيًا للريال السعودي، وهو ما يمثّل اختلالًا في استقرار سعر الصرف
وقال الباحث والصحفي الاقتصادي وفيق صالح في حديث مع “المشاهد”: “إنَ كبار التجار والصرافين والمضاربين يستغلون أزمة شح السيولة المحلية وحاجة المواطنين لها، بمصارفة العملات بسعر أقل من السعر الرسمي المحدد من قبل البنك المركزي اليمني”
حيث تشتري محلات الصرافة الريال السعودي من المواطنين بمتوسط 400 –390 ريالًا يمنيًا
ويضيف: “رغم أنّ البنك المركزي يسيطر بالفعل على أسعار الصرف إلّا أنّ هناك بعض التشوهات والاختلالات التي تحتاج إلى بذل مزيد من الجهود من قبل البنك لضبط الأسواق والمضاربين، وبالتالي الحفاظ على استقرار أسعار الصرف”
مؤكدًا: “أنّ شح العملة المحلية تتحمله إدارة البنك المركزي لأنّ مهام البنك المركزي، تتمثل بالحفاظ على الاستقرار النقدي ومنع حدوث أي اختلالات في أسواق الصرف”
ويُجمل أستاذ علم الاقتصاد بجامعة تعز محمد قحطان أسباب أزمة السيولة لـ”المشاهد” قائلًا: “إنّها تعود أولًا إلى اكتناز العملة المحلية في البيوت نظرًا لانعدام الثقة بالجهاز المصرفي الرسمي، وثانيًا إلى تكديس وإخفاء البنوك وشركات الصرافة لكميات كبيرة من العملة المحلية؛ اعتقادًا بأنّ سعر صرف العملات الأجنبية سينخفض أمام الريال اليمني تبعًا لسياسة التخفيض التدريجي التي ينتهجها البنك المركزي”
وينوه قحطان إلى “توفر معروض كبير من العملات الأجنبية بالسوق خصوصًا الريال السعودي، وانخفاض الطلب على هذه العملات بسبب تشكيل لجنة تنظيم الاستيراد التي حدّت من طلب الموردين للعملات الأجنبية خارج إطار اللجنة، وكذلك بسبب إجراءات البنك المركزي الأخرى التي حدّت من المضاربة بالعملات الأجنبية”
وأكد مصدران مسؤولان في البنك المركزي لوكالة رويترز بتاريخ 20 أبريل أنّ الحكومة اليمنية تواجه أسوأ أزمة سيولة نقدية وشحًا في الموارد بالجهاز المصرفي منذ بدء الحرب في 2015
وأوضح المسؤولان أنّ هناك آلاف المليارات من الريالات مكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال؛ ما تسبب بحدوث أزمة سيولة خانقة في المالية العامة
كما أن استمرار امتناع بعض السلطات المحلية بالمحافظات، وفي مقدمتها مأرب، حضرموت، المهرة، وتعز، عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، يفاقم من السيولة
ويأتي هذا الامتناع في تحد لقرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية التي أعلن عن تنفيذها في نوفمبر الماضي
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن