اليمن: مجموعات نسائية على “واتسآب”.. فخ رقمي
منذ 5 ساعات
لحج- أنسام عبداللهبدأت “سارة”، اسم مستعار لسيدة في لحج، جنوب اليمن، البحث عن أثاث لمنزلها، رغبةً منها في تجديد بيتها بأقل التكاليف الممكنة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة
وانتهت هذه الرحلة بخيبة أمل ومرارة لا تزال تلازمها حتى اليوم
اغترت سارة بصور الأطقم الجميلة والأسعار المنافسة في مجموعة “واتسآب” نسائية متخصصة بعرض مستلزمات المنازل
تواصلت مع “المشرفة” المزعومة لشراء طاولة بمبلغ 200 ريال سعودي، وحين ساورها قليل من الشك وطلبت ضمانات تحفظ حقها، أمطرتها المشرفة بسيل من لقطات الشاشة “سكرين شوت” لمحادثات ادّعت أنها لزبائن راضين ومديح وهمي لتعزيز الموثوقية
وبمجرد أن قامت سارة بتحويل المبلغ عبر أحد الصرافين، بدأ مسلسل المماطلة بوعود كاذبة تارة تقول “ستصلك غدًا”، وتارة “الطاولة في الطريق”، وتارة أخرى “ستصلك حتمًا قبل صلاة العيد”
وحين أشرقت شمس العيد، وجدت سارة نفسها خارج المجموعة ومحظورة تمامًا من التواصل مع المشرفة
لم تكن الصدمة في خسارة المال فحسب، بل كما تقول سارة بمرارة: “لقد سرقوا مالي وسرقوا ثقتي بالآخرين وجعلوني أشك في كل يد ممدودة للمساعدة”
في عالمنا الرقمي المتسارع، لم تعد “المجموعات النسائية المغلقة” عبر منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحات بريئة لتبادل الخبرات المنزلية، أو نوافذ رقمية للتبضع والترفيه
تحولت هذه المجموعات، التي تمنح إحساسًا زائفًا بالأمان، إلى مسرح مفتوح لانتهاكات جسيمة تطال خصوصية المرأة اليمنية، وتهدد استقرارها الأسري ونفسيتها الهشة
“مريم” اسم مستعار لأمرأةٍ في عدن، ضحية أخرى هي الأخرى
لم تتخيل مريم مجرد انضمامها لمجموعة لتعلم الطبخ والحلويات سيجعلها تضطر لتغيير رقم هاتفها الذي تملكه منذ سنوات طويلة ويحمل كل ذكرياتها وعلاقاتها
تقول مريم: “دخلتُ المجموعة بحثًا عن وصفات جديدة لتطوير مهاراتي، لكني خرجتُ منها لاجد نفسي وسط جحيم من الرسائل والمكالمات الدولية المريبة التي تنهال عليّ في أنصاف الليالي:
صور مقززة وألفاظ خادشة للحياء غزت هاتفها فجأة؛ فقد اكتشفت أن أحدهم تسلل للمجموعة بصمت، وسحب قائمة أرقام العضوات، وقام بتوزيعها في مجموعات مشبوهة
مريم، مواطنة في عدن: دخلتُ المجموعة بحثًا عن وصفات جديدة لتطوير مهاراتي، لكني خرجتُ منها لاجد نفسي وسط جحيم من الرسائل والمكالمات الدولية المريبة التي تنهال عليّ في أنصاف الليالي:
صور مقززة وألفاظ خادشة للحياء غزت هاتفها فجأة؛ فقد اكتشفت أن أحدهم تسلل للمجموعة بصمت، وسحب قائمة أرقام العضوات، وقام بتوزيعها في مجموعات مشبوهة
”شعرت مريم بالرعب والانتهاك الشخصي، ووصفت حالتها بأنها أصبحت “عارية رقميًا” أمام غرباء لا تعرفهم؛ مما اضطرها لقطع اتصالها بكل صديقاتها وأهلها وتغيير رقمها بشكل نهائي هربًا من الملاحقة الرقمية المهينة التي كادت تسبب لها مشاكل اجتماعية كبرى
”نورة” اسم مستعار لمواطنة في عدن، كادت أن تطلق من زوجها بعد اختراق هاتفها وانتشار صورها الشخصية على مجموعات خادشه للحياء
كانت نورة تظن أن مجموعات “الأمهات” على “فيسبوك” هي الملاذ الآمن للحصول على نصائح لتربية أطفالها، لكنها وجدت نفسها في مواجهة اتهامات قاسية طالت شرفها وسمعتها
بدأت الفاجعة بثغرة ناتجة عن اختراق تقني خبيث مكّن المعتدي من سحب صورها العائلية والخاصة جدًا من هاتفها الذكي
ولم يمضِ وقت طويل حتى وجدت نورة صورها منشورة في مجموعات مشبوهة ومقرونة بعبارات تشهير وسقوط أخلاقي
أدت هذه الواقعة إلى زلزال في حياتها الخاصة؛ حيث ثارت شكوك الزوج والأهل بشكل هستيري، ووصل الأمر إلى حافة الطلاق الفعلي، لولا عناية الله التي سخرت لها “عقلاء” ومختصين تقنيين تمكنوا من إثبات تعرضها لعملية اختراق تقنية منظمة؛ مما أنقذ بيتها في اللحظات الأخيرة، لكن الجرح النفسي والشرخ الذي حدث في علاقتها بأسرتها لم يلتئم بعد
في مواجهة هذه الموجة المتصاعدة من الانتهاكات، تروي “فاطمة”، وهي مسؤولة (أدمن) لإحدى المجموعات النسائية الكبيرة على الـ”واتسآب”، كيف تحولت من سياسة “الثقة المطلقة” إلى “الحذر الشديد”
تقول فاطمة: “إن نقطة التحول الكبرى كانت حين اكتشفوا أنهم كانوا يقبلون أي حساب يضع صورة وردة أو اسمًا مستعارًا، حتى تبين وجود رجل انتحل شخصية امرأة لشهور، يراقب المحادثات ويتلصص على أسرار البيوت، ولم يفضح أمره إلا برسالة صوتية أرسلها بالخطأ في لحظة غفلة”
وتضيف فاطمة بأسى أن الأكثر رعبًا كان اكتشاف أن أحد المشرفين الموثوقين كان رجلًا متخفيًا في حساب امرأة، قام بتسريب رابط المجموعة وسحب التسجيلات والرسائل لابتزاز العضوات ماليًا، ووصل الأمر بإحدى الضحايا أن دفعت مبلغ 50 ألف ريال لإنقاذ سمعتها من الفضيحة
وتؤكد فاطمة أن السياسة الجديدة لا تسمح بالدخول إلا بـ “بصمة صوت” صريحة تذكر فيها العضوة اسمها وهدفها من الانضمام، محذرةً من أن الصدمة الحقيقية تكمن في أن “المرأة قد تكون عدوة المرأة أحيانًا”، عبر تسريب المحتويات نكايةً في زميلة أو بسبب خلافات شخصية تافهة
تحليل هذه الحالات يكشف عن أربعة أنواع رئيسية من التهديدات التي تواجه النساء خلف الشاشات المغلقة
النوع الأول هو الاحتيال المالي، والذي يعتمد بشكل أساسي على استخدام إيصالات مزورة وسلع وهمية لخداع الضحايا، وينتهي دائمًا بخسارة الأموال وحظر الضحية مباشرة
أما النوع الثاني فهو التحرش الرقمي الذي يبدأ بسحب قوائم الأرقام من المجموعات لتوزيعها في نطاقات مشبوهة؛ مما يؤدي إلى سيل من الرسائل الخادشة والمكالمات المريبة التي تفقد المرأة خصوصيتها
النوع الثالث والأخطر هو الابتزاز والتشهير، حيث يتم عبر انتحال شخصية أنثى أو اختراق تقني مباشر للحصول على محتوى حساس؛ مما يتسبب في دمار أسري واتهامات في الشرف قد تودي بحياة الضحية أو تدفعها لدفع مبالغ باهظة
وأخيرًا، يبرز الاحتراق الداخلي كأحد التهديدات المقلقة، حيث تقوم عضوات من داخل المجموعة بتسريب محتويات المحادثات بسبب خصام أو رغبة في الانتقام؛ مما يؤدي لنزاعات شخصية وفضح أسرار البيوت وخراب العلاقات الاجتماعية المتينة
تقول المحامية عفراء سالم، من محافظة لحج، في حديث مع “المشاهد”: “إنه رغم عدم وجود نص قانوني صريح يخص جرائم الابتزاز الالكتروني بشكل محدد إلا أن القوانين اليمنية التي تُقاس عليها هذه الجرائم الجنائية”
وتضيف: “القانون اليمني يتعامل بصرامة واضحة مع انتهاكات الفضاء الرقمي، وتسريب الصور والمحادثات الخاصة من المجموعات المغلقة يُعد جريمةً مكتملة الأركان، واعتداءً على الخصوصية والحرية الشخصية التي كفلها القانون اليمني”
المحامية عفراء سالم في لحج: القانون اليمني يتعامل بصرامة واضحة مع انتهاكات الفضاء الرقمي، وتسريب الصور والمحادثات الخاصة من المجموعات المغلقة يُعد جريمةً مكتملة الأركان، واعتداءً على الخصوصية والحرية الشخصية التي كفلها القانون اليمني”وتضيف سالم أن جرائم الابتزاز والتهديد تُصنف قانونًا كجرائم جسيمة، يعاقب عليها القانون بنصوص صريحة، ولا يسقط الحق فيها بالتقادم أو بالتنازل تحت الضغط أو الإكراه
وفيما يتعلق بمسؤولية مشرفي المجموعات، توضح المحامية أن هناك “مسؤولية تضامنية” تقع على عاتق المشرف جنائيًا مع المتهم الرئيسي في حال ثبت تسهيل الجريمة أو التستر عليها، مشيرة إلى أن حسن النية لا يعفي تمامًا من المسؤولية؛ مما يستوجب الحذر الشديد في قبول العضوات
كما تلفت إلى أن القانون يحفظ للمرأة كامل حقها في استرداد الأموال المستحوذ عليها بطرق احتيالية عبر التوثيق المالي، لكنها تنبه إلى وجود فجوة تتمثل في طول أمد التقاضي والبيروقراطية الإجرائية التي تدفع الكثير من النساء للصمت بدلًا من الدخول في دوامة الإجراءات المطولة التي قد تستغرق شهورًا
من الناحية التقنية، تشرح المهندسة الرقمية نور خالد، في عدن، أن المجموعات المغلقة غالبًا ما تكون واجهة لعمليات اختراق منظمة تتم عبر “الهندسة الاجتماعية” من خلال انتحال الشخصيات لبناء الثقة، أو عبر الروابط والمرفقات المزورة (مثل ملفات الفيديو أو ملفات PDF وWord ملغمة) التي توهم الضحية بأنها روابط دعم أو استمارات تقديم، بينما هي أدوات برمجية لسحب البيانات
المهندسة الرقمية في عدن، نور خالد: المجموعات المغلقة غالبًا ما تكون واجهة لعمليات اختراق منظمة تتم عبر “الهندسة الاجتماعية” من خلال انتحال الشخصيات لبناء الثقة، أو عبر الروابط والمرفقات المزورة (مثل ملفات الفيديو أو ملفات PDF وWord ملغمة) التي توهم الضحية بأنها روابط دعم أو استمارات تقديم، بينما هي أدوات برمجية لسحب البيانات
”وتنصح نور بضرورة مراقبة “العلامات التحذيرية” مثل غموض هوية الإدارة أو كون الحسابات حديثة الإنشاء، والتركيز المبالغ فيه على جمع البيانات الشخصية
وتؤكد المهندسة نور أن تطبيق “واتسآب” يوفر تشفيرًا جيدًا، لكن الخطر يكمن في العنصر البشري والروابط، بينما يُعتبر أمان “فيسبوك” ضعيفًا والمجموعات فيه غير محمية كفاية ضد المتسللين
وتضع نور بروتوكولًا للاستجابة السريعة يبدأ بقطع الإنترنت فورًا عند الشك بالاختراق، ثم تأمين الحساب بالتحقق الثنائي، وفحص الجهاز عبر مواقع متخصصة مثل VirusTotal، وصولًا إلى خيار “الفرمتة” الكاملة في حالات الاختراق العميقة لضمان تطهير الجهاز
ويرى الطبيب النفسي، الدكتور عبدالله العبدلي، أن اختراق الخصوصية الرقمية للمرأة يضرب الأمان النفسي في مقتل؛ مما يولد شعورًا مزمنًا بالخوف والقلق الدائم وفقدان الثقة في المحيط الاجتماعي
ويوضح العبدلي أن المعضلة الكبرى تكمن في “الوصمة واللوم الأسري”، حيث تتحول الضحية في الوعي الجمعي من “مجني عليها” إلى “مُدانة”؛ مما يدمر قدرتها على التعافي النفسي
ويحلل العبدلي سيكولوجية المُسرِّب بأنها تنبع من دوافع انتقامية أو رغبة في الشهرة، محذرًا من أن الخوف من الفضيحة الرقمية يؤدي إلى “العزل الاجتماعي” القسري للنساء وانسحابهن من الفضاء العام
ويشدد الطبيب على ضرورة وجود خطة دعم احترافية تحول مسار الأزمة من “وصمة عار” إلى قضية “حق منتهك”، مؤكدًا أن الاحتواء الأسري هو المفتاح لترميم الجرح الرقمي العميق
يفيد المحامي هشام نصر، من عدن، بأنه لا يوجد حتى الآن قانون خاص وشامل لمكافحة الجرائم الإلكترونية في اليمن، ويتم الحكم في هذه القضايا بناءً على “قانون الجرائم والعقوبات رقم 12 لسنة 1994”
ويستعرض نصر المواد القانونية المطبقة حاليًا، مثل المادة (254) التي تعاقب على التهديد الإلكتروني بالحبس مدة لا تزيد على سنة، والمادة (313) التي تعاقب على الابتزاز بالحبس لمدة تصل إلى خمس سنوات في حال إرهاب الضحية لتسليم مبالغ مالية
كما تبرز المواد (255 و256) التي تجرم انتهاك حرمة المراسلات والتقاط الصور في أماكن خاصة
وتؤكد الناشطة رانيا صلاح، من محافظة لحج، أن خطر الهجمات الرقمية ضد النساء قد أصبح واضحًا للعيان، ولعل سماع حالات انتحار متكررة لنساء تعرضن للابتزاز هو الدليل الأكبر على فداحة المأساة
وتعتبر رانيا في حديث مع “المشاهد” أن المجموعات النسائية المغلقة هي واحدة من أخطر البيئات انتهاكًا للخصوصية في الوقت الراهن، مطالبة بضرورة إصدار تشريع قانوني واضح ومحدد يضمن حق الضحية ويردع المبتزين الذين يستغلون الثغرات القانونية للإفلات من العقاب
هذه المآسي الشخصية لا تحدث من فراغ، بل هي انعكاس لواقع معرفي تقني متدني بين المستخدمين، خصوصًا الفتيات، مع تحديات كبيرة ناتجة عن ضعف الوصول إلى الإنترنت والتعليم الرقمي، خاصة في المناطق الريفية والمتضررة من النزاع وفقًا لورقة بحثية نشرت في سبتمبر 2025
وبحسب مؤشر الأمن السيبراني العالمي لعام 2024 فإن اليمن يحتاج إلى العمل على تعزيز التزاماته في الجوانب القانونية، والتقنية، والتنظيمية، وبناء القدرات، والتعاون الدولي والمحلي لتحسين الأمن الرقمي
ووفقًا للمؤشر الذي يقيس مدى التزام البلدان بمجموعة من التدابير في المجالات القانونية، التدابير التقنية، والتنظيمية وتطوير بناء القدرات؛ فقد سجلت اليمن أقل من 6 درجات فقط من 20 في التدابير القانونية، وصفر في بقية التدابير
توصي دراسة “تداعيات الابتزاز الإلكتروني على نساء اليمن” الصادرة عن “مركز المعرفة للدراسات والأبحاث الاستراتيجية” في يوليو 2023 بتطوير التشريعات: تعديل القوانين اليمنية القديمة لإضافة مادة صريحة تعالج “الابتزاز الإلكتروني” بمصطلحات دقيقة تمنع الجناة من الإفلات من العقاب
وشملت توصيات الدراسة تفعيل المساءلة الأمنية: ضرورة استجابة أقسام الشرطة والبحث الجنائي للشكاوى بسرعة وجدية، وتفعيل الرقابة الأمنية لملاحقة الجناة دون تردد
كما دعت إلى تفعيل الضبط الاجتماعي: بناء جسور الثقة داخل الأسرة اليمنية للسماح للفتيات بالحديث عن التهديدات التي تواجههنّ دون خوف من ردود الفعل العنيفة
وطالبت بتكثيف الدور الإعلامي: إطلاق حملات توعوية مكثفة تبصر المجتمع بأساليب المبتزين وآليات الإبلاغ الرسمية عبر مختلف القنوات
وحثت الجامعات على إنشاء تخصصات ودبلومات في الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم المعلوماتية لسد العجز في الكوادر الفنية والقانونية
داعيةً إلى تشغيل الرقم الموحد: تخصيص رقم طوارئ موحد لتلقي بلاغات الابتزاز الإلكتروني، يضمن السرية التامة لهوية الضحية ويسهل عملية تتبع الجناة في كافة المحافظات
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن