انتظار الوهم.. نساء ضحايا “الحجز العرفي”

منذ يوم

تعز- فاطمة العنسيفي إحدى قرى محافظة تعز، ولدت “أمل” (اسم مستعار) وفي حياتها سلسلة من القرارات الجاهزة، فعندما كانت في التاسعة من عمرها، وبجلسة مقيل عائلية، تم “حجزها” لابن عمها الذي كان يكبرها ببضعة أعوام، لم تكن الطفلة تدرك حينها أن تلك الكلمات العابرة بين الكبار ستتحول إلى قيدٍ يلتف حول عنق مستقبلها

وتقول لـ”المشاهد”: كبرتُ وتفوقتُ في دراستي، والتحقتُ بالجامعة، وعندما تخرجتُ بدأت ملامح المستقبل تتضح أكثر، جاءني عرض متميز في شركةٍ محلية بحكم تخصصي 2020 “حاسوب”، لكن مع كل خطوةٍ كان يقف الحجز لي بالمرصاد”

كان الخطيب المفترض قد اغترب في الخارج، وبدأت الضغوط العائلية تمارَس عليها لترك العمل وتأجيل الطموح الأكاديمي، بحجة أن “مكان المرأة بيت زوجها”، وأن العمل قد يعيق ترتيبات الزواج المرتقب التي كانت تتأجل عامًا بعد آخر؛ بحجج بناء المستقبل، وتحت وطأة الضغط والإلحاح العائلي، وضمانًا لـ”سترها” كما قيل، اتخذت أمل القرار بالتخلي عن عملها

مرّت بعدها سنوات من عمر أمل وهي حبيسة المنزل، ترفض كل من يتقدم لخطبتها لأنها “محجوزة” ومحسوبة على رجلٍ آخر كما تقول، مفيدةً أنها تحولت من فتاةٍ ممتلئة بالشغف إلى حياةٍ يشوبها روتين وانتظار قاتل، استمر هذا الحال حتى رنّ هاتفها في أحد أيام يونيو من العام الماضي، وكانت أمل قد أتمت لتوها عامها الخامس والثلاثين

تتابع: كان المتصل والد خطيبي المنتظر الذي جاءنا بالصدمة “قرار ابن العم بإعلان زواجه من أمراةٍ أخرى” في غربته، وبعث برسالة مقتضبة يعتذر فيها عن “وعد الطفولة” متمنيًا لي حياةً سعيدة مع رجل آخر

في دقائق معدودة، تبخرت سنوات الانتظار، ووجدت أمل نفسها في سن الخامسة والثلاثين، بلا وظيفة تؤمن مستقبلها، وبلا عائلة تستطيع تعويضها عن سنوات شبابها التي ضاعت ضحية لـ”كلمة رجال” لم تُحترم، كما تقول

في إحدى قرى ريف محافظة الحديدة “الحسينية”، لم تكن “فاطمة سعد الدين” (28 عامًا) سوى ورقة مقايضة في اتفاقٍ عائلي عُقد قبل عشرين عامًا، عندما كانت في الثامنة من عمرها، اتفق والدها مع أحد أصدقائه على “حجزها” لابنه الصغير، مقابل أن يُحجز للأب شقيقة ذلك القريب، في صفقةٍ تبادلية عرفية تُسمى محليًا بـ”زواج البدل”تقول فاطمة: كبرتُ وأنا أسمع عبارة أنتِ لفلان، منعت هذه العبارة والدي من السماح لي بإكمال تعليمي، حتى الأساسي، ولأن الفتاة الأخرى مُنعت أيضًا من التعليم، فجلستُ حبيسة المنزل أنتظر “الزواج المحتوم”

فاطمة سعدالدين، أحد ضحايا الحجز العرفي: “كبرتُ وأنا أسمع عبارة أنتِ لفلان، منعت هذه العبارة والدي من السماح لي بإكمال تعليمي، حتى الأساسي، ولأن الفتاة الأخرى مُنعت أيضًا من التعليم، فجلستُ حبيسة المنزل أنتظر “الزواج المحتوم”

وقبل عامين، حين بلغت الفتاة سن الثامنة والعشرين، حدث ما لم يكن في الحسبان، اختلف والدها مع الطرف الآخر حول تفاصيل الزيجة الثانية (الشق المقابل في الصفقة)، فتقرر “فسخ الحجز” فجأةً وقطع الوعد كنوع من العدل العائلي

وجدت فاطمة نفسها فجأةً حرة، ولكن بعد أن أصبحت في نظر قريتها الريفية امرأة “فات أوانها”، بلا تعليم، وبلا مهنة، وتحمل ندبةً نفسية لكونها عُوملت كسلعة ٍ صودر قرارها لسنوات ثم رُفضت دون ذنبٍ تقترفه

                    في قراءةٍ قانونية وحقوقية لظاهرة “حجز الفتيات منذ الصغر”، يقول المحامي والمستشار القانوني صلاح بن غالب، من تعز، إن هذه الممارسة تفتقر إلى أي غطاء قانوني أو شرعي، وتُصنف في عمق القانون الدولي والمحلي كواحدةٍ من أبرز صور التعدي على الإرادة الحرة للنساء

وقال لـ”المشاهد”: إن ما يسمى بممارسات حجز الفتيات ليس له أي أثرٍ قانوني ملزم قبل بلوغ السن القانوني للزواج، ولكنه يصنف فقهيًا وقانونيًا على أنه مجرد وعد بالزواج المستقبلي بين أولياء الأمور، تجبر الفتاة على إمضاء وعدٍ صُنِع وهي طفلة قاصرة لا تملك الأهلية العقلية أو القانونية (أهلية الأداء)، مؤكدًا أن هذا الحجز يُعد “باطلًا قانونًا ولا يُلزم الفتاة بشيء عند كبرها”

المحامي صلاح بن غالب: “إن ما يسمى بممارسات حجز الفتيات ليس له أي أثرٍ قانوني ملزم قبل بلوغ السن القانوني للزواج، ولكنه يصنف فقهيًا وقانونيًا على أنه مجرد وعد بالزواج المستقبلي بين أولياء الأمور، تجبر الفتاة على إمضاء وعدٍ صُنِع وهي طفلة قاصرة لا تملك الأهلية العقلية أو القانونية (أهلية الأداء)

”وأضاف: “إن القاعدة القانونية والشرعية المستقرة في قوانين الأحوال الشخصية تنص صراحةً على أن الوعد بالزواج لا يترتب عليه أثر ملزم، ولكل من الطرفين الحق الكامل في العدول عنه”، موضحًا أن عقد الزواج له أركان وشروط جوهرية في طليعتها الرضا التام والخالي من الإكراه، ومن ثَم فلا يملك الولي (الأب أو غيره) أي حق

أما من منظور القانون الدولي والاتفاقيات والمواثيق التي التزمت بها اليمن (وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل CRC واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة CEDAW)، فقد صنّف بن غالب هذه الممارسة باعتبارها “انتهاكًا صارخًا ومستمرًا لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية”

وأشار إلى أن هذه الممارسات قد ترقى في بعض الأحيان إلى مصاف “العبودية الحديثة” أو المتاجرة بالبشر عندما يتم التعامل مع الطفلة كسلعةٍ يتم مقايضتها بين العائلات، مستطردًا: “لهذه الظاهرة آثار تنموية ونفسية كارثية، حيث تفرض على الطفلة قيودًا مجتمعية مبكرة كالحرمان من التعليم أو تحديد سقف طموحها؛ ما يتنافى مع حقها الأصيل في النماء والحماية”

​وفي تشخيصه للأسباب التشريعية التي تمنح هذا الموروث سياجًا للاستمرار، قال: إن هناك ثغرات واضحة في المنظومة القانونية الحالية تمهد الطريق لتحويل هذا “الحجز العرفي” إلى “زواج قاصرات” أمر واقع

تكمن المشكلة في غياب النص الصريح الذي يجرّم “الوعد بالإكراه” أو الضغوط العائلية والمادية التي تُمارس على الفتاة عند كبرها –كما يقول بن غالب– فضلًا عن وجود استثناءات فضفاضة في بعض التشريعات تمنح الأولياء سلطة تزويج القاصرات تحت مسمى “المصلحة”، مع ضعف الرقابة الصارمة على بعض الموثقين الشرعيين (المأذونين)”

ولمواجهة هذه الظاهرة وحماية الفتيات من الإجبار مستقبلًا، اقترح المستشار القانوني جملةً من التعديلات والضمانات القانونية، أبرزها، تحديد سن أدنى صارم للزواج، ​تجريم الإكراه العرفي، آلية الفحص المستقل للرضا، و​تفعيل مكاتب حماية الطفولة

توضح الباحثة في العلوم الشرعية، أم سليم الحداد، أن دوافع الأسر من ظاهرة “الحجز العرفي”، في ظاهرها هو إرادة الخير والاستقرار لأبنائهم، ولكننا نذكرهم دائمًا بالقاعدة الجليلة: “كم من مريد للخير لا يدركه”، فإدراك الخير والبركة لا يكون أبدًا إلا باتباع هدي النبي ﷺ وسنته المطهرة

​وتضيف لـ”المشاهد”: قد تكبر الفتاة وتبغض هذا الرجل أو لا تهواه نفسها، فإذا أُكرهت بعد ذلك على الزواج منه، وقع أولياء الأمور في ظلمها، وهو ما يصطدم مع حديث الرسول ﷺ حيث قال :«وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَإِذْنُهَا صمُتُهَا»

هذا العمل لا يجوز شرعًا –كما تقول الحداد– لما ينطوي عليه من هضمٍ صريحٍ لحق المرأة في الاستئذان والقبول، ومصادرة حق الرجل في اختيار الزوجة التي تلائمه وتشاركه الحياة، وفي تفكيكه للمرتكزات الدينية التي يحاول البعض تبرير هذه الممارسة خلفها، يُجمع الفقه الإسلامي المعتدل على رفض “حجز الفتيات” أو إجبارهنّ على وعود صودرت فيها إرادتهن

يعاني اليمن تداعيات الصراع المستمر منذ نحو 11 عامًا، فقد ارتفعت نسبة السكان الواقعين تحت خط الفقر من 48

6% عام 2014 إلى 78

8% عام 2019، بحسب التقرير الوطني للجمهورية اليمنية، المراجعة الوطنية الشاملة للتقدم المحرز نحو تنفيذ اعلان ومنهاج عمل بيجين + 30 للأعوام 2020-2024″

ويقول التقرير إن نسبة الفقر ترتفع أكثر بين الأسر التي تترأسها النساء بحوالي 72% مقابل 58

2% للأسر التي يترأسها رجال في الريف اليمني

يعد “الزواج المبكر بين الأولاد والفتيات شائعًا في اليمن، خصوصًا في الأرياف، وعادةً ما تتزوج البنات في سنٍ أصغر، والعديد منهنَ يخرجنَ من المدارس ويتعرضنَ للحمل والإنجاب في سنٍ مبكرة؛ ما يعرّض صحتهنّ وصحة أطفالهن للخطر،” وفقًا للتقرير

ومن أجل تسريع تقدم المرأة والفتاة خلال السنوات الخمس القادمة يقول التقرير إن جودة التعليم والتدريب والتعليم مدى الحياة للنساء من أهم الأولويات

وتقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في تقرير نشر عام 2020، إن غياب قانون الحد الأدنى لسن الزواج وتدهور الأوضاع الاقتصادية قد ساهم في انتشار زواج الصغيرات في اليمن

ويضيف تقرير اليونيسف نقلًا عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن 52% من النساء والفتيات في اليمن تزوجنّ قبل سن الثامنة عشرة في عام 2017

من جانبه، يقول استشاري الارشاد النفسي بجامعة تعز، الدكتور عدنان القاضي، إن حرية الاختيار هي شيء أساسي للإنسان، وعندما يولد مسلوب الحرية يجعلها تشعر بالعجز وفقدان السيطرة والإرادة، بمصيرٍ مجهول، لكنه محتوم؛ الأمر الذي قد ينعكس على مستوى تقديرها لذاتها

مؤكدا لـ”المشاهد”: “هذه الممارسات تؤثر سلبًا على نمو الاستقلالية النفسية، خصوصًا خلال مرحلتي المراهقة والشباب، اللتان تمثلان فترة تكوين الهوية الشخصية واتخاذ القرارات المتعلقة بالمستقبل، فعندما تشعر الفتاة أن قراراتها المصيرية محددة مسبقًا، قد يقل شعورها بالكفاءة الذاتية والاستقلال في اتخاذ القرار”

مشددًا على أن تغيير الممارسات الاجتماعية المتوارثة لا يتحقق بالمواجهة أو الإدانة فقط، وإنما من خلال رفع الوعي المجتمعي بالآثار النفسية والاجتماعية المترتبة عليها، وتعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة، واحترام حق الأبناء والبنات في المشاركة في القرارات المصيرية

رغم تسويق هذه العادة مجتمعيًا تحت غطاء “الستر” أو المصالح الأسرية المتبادلة، إلا أنها تمثل سَلبًا مبكرًا لإرادة المرأة وحريتها في الاختيار، وتتحول هذه الممارسة مع مرور الزمن إلى قيدٍ اجتماعي ونفسي يحرم الفتاة من فرص التعليم والعمل، ويتركها رهينة انتظار قد ينتهي بالخذلان وضياع العمر

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن