بعد حلّ “الانتقالي”.. الضالع أمام اختبار الإدارة الجديدة
منذ ساعة
الضالع- عبدالرقيب اليعيسي شهدت المحافظات الجنوبية والشرقية في اليمن، مطلع عام 2026، تحولات عسكرية وسياسية متسارعة أعادت تشكيل موازين القوى على الأرض، وانعكست بشكل مباشر على البنية السياسية والإدارية، لا سيما في المحافظات ذات الحساسية الأمنية، وفي مقدمتها محافظة الضالع
ففي أعقاب تصعيد عسكري في محافظتي حضرموت والمهرة، تراجعت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي تحت ضغط عمليات مضادة مدعومة من الحكومة اليمنية وبإسناد إقليمي؛ ما أدى إلى انكفائها من مواقع كانت قد سيطرت عليها خلال فترة وجيزة
هذا التحول الميداني لم يبقَ محصورًا في نطاق العمليات العسكرية، بل امتد سريعًا إلى المسار السياسي
وفي هذا السياق، دخلت الأطراف الجنوبية في مشاورات مكثفة في العاصمة السعودية الرياض، انتهت بإعلان المجلس الانتقالي الجنوبي حلّ نفسه في 9 يناير 2026
وتبع ذلك، في 6 فبراير من العام ذاته، تشكيل حكومة يمنية جديدة، ضمن مسار أوسع لإعادة ترتيب السلطة وتعزيز حضور الحكومة المعترف بها دوليًا في مختلف المحافظات
وفي امتداد مباشر لهذه المتغيرات، برزت محافظة الضالع كواحدة من أكثر المناطق تأثرًا، نظرًا لموقعها الجغرافي والعسكري الحساس، حيث تمثل جبهة تماس مباشرة مع جماعة الحوثيين، على امتداد الجهة الشمالية والغربية للمحافظة، التي تمتد فيها خطوط القتال وتشكل خط دفاع متقدم للمحافظات الجنوبية
كما تمثل الضالع معقل المجلس الانتقالي الجنوبي، بحكم الحضور الاجتماعي والعسكري الواسع لقواعده فيها، وإنتماء رئيس المجلس الإنتقالي إليها؛ ما جعلها ساحة مركزية لأي تحولات في موازين القوى
ومع تراجع نفوذ المجلس الانتقالي وإعادة تشكيل السلطة، بدأت ملامح إعادة ترتيب مراكز القوة داخل المحافظة، في محاولة لتعزيز حضور الحكومة وإعادة ضبط المشهد المحلي، بما يتماشى مع التحولات السياسية الأوسع
وفي هذا الإطار، صدر قرار جمهوري في 13 مارس 2026، قضى بتعيين اللواء أحمد قائد القبة محافظًا لمحافظة الضالع، في خطوة تعكس توجهًا لإدارة مرحلة جديدة في محافظة تتسم بحساسية سياسية وعسكرية معقدة
ويأتي هذا التعيين في سياق محاولة خلق توازن بين مختلف القوى المحلية، وإعادة بناء سلطة الدولة، مع الحفاظ على قدر من الاستقرار في بيئة مشحونة بالتوترات
أثار تعيين المحافظ الجديد تفاعلًا واسعًا في الأوساط المحلية، خصوصًا داخل القاعدة الشعبية للمجلس الانتقالي، حيث تباينت المواقف بين التأييد والتحفظ
ففي حين عبّر الكاتب السياسي عبدالرقيب الهدياني عن تحفظه لـ”المشاهد”، “معتبرًا أن المحافظ الجديد “يميل إلى السعودية والحكومة الرسمية من بعيد، ولا يحمل توجهًا انفصاليًا”، وهو ما يعكس مخاوف لدى بعض أنصار الانتقالي
برزت في المقابل مواقف أخرى تميل إلى القبول، بل وإبداء قدر من التفاؤل، وفي هذا السياق، قال رئيس حركة شباب الجنوب، عرفان الجحافي، لـ”المشاهد”، إن تعيين المحافظ “لاقى ترحيبًا واسعًا من قبل جمهور الانتقالي وقطاع كبير من الشارع”، مشيرًا إلى وجود حالة من الأمل بإمكانية تحقيق تغييرات إيجابية، خاصةً في ملفي الخدمات والأمن
”رئيس حركة شباب الجنوب، عرفان الجحافي: إن تعيين المحافظ “لاقى ترحيبًا واسعًا من قبل جمهور الانتقالي وقطاع كبير من الشارع”، مشيرًا إلى وجود حالة من الأمل بإمكانية تحقيق تغييرات إيجابية، خاصةً في ملفي الخدمات والأمن
”وأضاف الجحافي أن الخلفية القريبة للمحافظ من المجلس الانتقالي بحكم عمله مدير للأمن سابقًا، لم تكن عامل رفض، بل شكلت نقطة قوة، نظرًا لكونه شخصية معروفة ولديها مواقف واضحة، ما يسهم –بحسب تعبيره– في تقليل حدة التوجس لدى الشارع
وفي تقييم لبداية أداء المحافظ، أشار الصحفي والناشط، نصر المسعدي، في منشور على صفحته بـ”الفيسبوك“، مطلع أبريل الجاري، إلى أن القبة “استهل مهامه ببداية قوية”، لافتًا إلى الحراك الميداني والنشاط الملحوظ منذ الأيام الأولى، والذي يعكس رغبة في كسر حالة الجمود الإداري التي شهدتها المحافظة خلال فترات سابقة
واعتبر المسعدي أن انفتاح المحافظ على مختلف الملفات الخدمية، وتواصله المباشر مع المسؤولين والمجتمع المحلي، يمثلان مؤشرًا إيجابيًا، مع التأكيد على أن الحكم النهائي سيظل مرتبطًا بقدرته على ترجمة هذا النشاط إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع
وفي السياق ذاته، قال الناشط المحلي، مروان جوبعي، في حديث مع لـ”المشاهد”، إن من أبرز ما لفت الانتباه في أداء المحافظ تركيزه المبكر على الملفات الخدمية، مشيرًا إلى تحريك مشروعي مستشفى الضالع والجامعة خلال فترة قصيرة؛ ما يعكس توجهًا عمليًا نحو تحويل الوعود إلى مشاريع
”الناشط المحلي، مروان جوبعي: إن من أبرز ما لفت الانتباه في أداء المحافظ تركيزه المبكر على الملفات الخدمية، مشيرًا إلى تحريك مشروعي مستشفى الضالع والجامعة خلال فترة قصيرة؛ ما يعكس توجهًا عمليًا نحو تحويل الوعود إلى مشاريع
”وأضاف جوبعي أن زيارة المحافظ لقيادة المجلس الانتقالي في المحافظة تمثل مؤشرًا على تبنيه نهجًا غير صدامي، بخلاف ما شهدته بعض المحافظات الأخرى التي انزلقت سلطاتها المحلية إلى صراعات حادة أدت إلى انقسام مجتمعي وتأجيج التوتر
وحذّر من أن أي توجه للمحافظ نحو التصعيد مع المجلس الانتقالي في المحافظة قد يقود إلى الفوضى والانهيار، مؤكدًا أن نجاح السلطة المحلية مرهون بالحفاظ على الاستقرار كقاعدة أساسية لأي عملية تنموية
من جانبه، أوضح المتحدث باسم جبهة الضالع والمركز الإعلامي لمحور الضالع، فؤاد جباري، لـ”المشاهد”، أن المحافظ لا يزال في بداية مشواره، في ظل إرث ثقيل من القضايا المتراكمة والاحتياجات الخدمية الواسعة
وأشار جباري إلى أن هذه التحديات تتطلب وقتًا لمعالجتها، مؤكدًا أن المحافظ يعمل مع فريقه على ترتيب الأولويات، في محاولة للتعامل مع الملفات الأكثر إلحاحًا
وأضاف أن القبة يعمل بانسجام مع مختلف الأطراف، بما في ذلك قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي بالمحافظة، بما يخدم أبناء الضالع والقوات المرابطة في الجبهات، دون تدخل في الشؤون السياسية
ولفت إلى أن وتيرة تحرك المحافظ تبدو أسرع مقارنة ببعض المحافظين الذين تم تعيينهم مؤخرًا، من خلال لقاءاته المتواصلة مع الوزراء، واجتماعاته مع مديري المكاتب التنفيذية، إلى جانب نزولاته الميدانية، وهو ما يعكس نشاطًا ملحوظًا
لكنه شدد في الوقت ذاته على أن المحافظ لا يملك “حلولًا سحرية”، معتبرًا أن معالجة الأزمات الخدمية في المحافظة تعتمد بشكل أساسي على مدى دعم الحكومة المركزية، في ظل محدودية الموارد المحلية
على صعيد متصل، برزت مؤخرًا أزمة في المشتقات النفطية داخل المحافظة؛ ما دفع بعض الأصوات إلى المطالبة بعودة المجلس الانتقالي، معتبرين أن التغيرات السياسية الأخيرة كانت سببًا في تفاقم الأزمة
وتعكس هذه المطالب حالةً من القلق الشعبي المرتبط بتدهور الخدمات، وهو ما يضع السلطة المحلية أمام اختبار حقيقي في قدرتها على تحقيق استقرار معيشي، إلى جانب الاستقرار الأمني
ومنذ مباشرته العمل عقب إجازة عيد الفطر، كثف المحافظ من تحركاته الميدانية والإدارية، حيث بدأ العمل على عدة مشاريع خدمية في مجالات الصحة والبنية التحتية والنشاط الرياضي والبيئي
كما عقد سلسلة اجتماعات مكثفة مع المكاتب التنفيذية المحلية؛ بهدف تنشيط أدائها، وتبادل المقترحات، والاطلاع على أبرز التحديات التي تواجهها
وشملت تحركاته أيضًا لقاءات مع منظمات خارجية، في محاولة لاستقطاب الدعم، إلى جانب زيارات متكررة إلى العاصمة الوقتة عدن للقاء عدد من الوزراء، والحصول على الموافقات اللازمة لتنفيذ مشاريع تنموية
ومن بين أبرز هذه المشاريع، مشروع مستشفى الضالع العام، الذي حظي بموافقة رئيس الوزراء، إلى جانب مناقشات مع وزراء الأشغال والصحة والدفاع، تناولت ملفات خدمية وأمنية وعسكرية تمس واقع المحافظة
بالتوازي مع هذا الحراك، تشهد عدد من مديريات محافظة الضالع تدهورًا ملحوظًا في البنية التحتية والخدمات الأساسية؛ ما أدى إلى تصاعد المطالب المحلية، حيث باتت كل مديرية تطرح أولوياتها بشكل منفصل، في ظل تراكم الأزمات
ففي منطقة حجر، يطالب الأهالي باستقلال منطقتهم كمديرية قائمة بذاتها، منفصلة عن مركز محافظة الضالع، إلى جانب مطالب خدمية ملحة، أبرزها إعادة تأهيل طريق “سناح-الحشاء” الطريق الرئيسي، وتوفير وحدات صحية ومدارس للمنطقة، في ظل نقص حاد في الخدمات الأساسية
أما في مديرية قعطبة، فقد برزت مجموعة من القضايا التي وُصفت بـ”الملفات الحرجة”، والتي تم عرضها على المحافظ، حيث يطالب الأهالي برفع مكب النفايات في نقيل الشيم كأولوية عاجلة، نظرًا لما يسببه من أضرار بيئية وصحية، إلى جانب المطالبة بتدشين العمل في مشروع مستشفى مريس العام، الذي كان مخططًا له سابقًا ولم يُنفذ
كما تتصدر قضية الطرق قائمة المطالب، وعلى رأسها الطريق الدولي في نقيل الشيم، الذي يشهد حوادث متكررة نتيجة تهالكه وعدم صيانته؛ ما يجعله أحد أخطر الطرق الحيوية في المحافظة
وفي مديرية الحصين، تتصاعد المطالب الشعبية لمعالجة مشكلة الطريق الرئيسي الذي تآكل بفعل التقادم، إضافةً إلى أزمة تلوث مياه الشرب، حيث يشكو السكان من ارتفاع نسبة مادة الفلورايد في المياه، وهي مشكلة صحية خطيرة تتسبب في تشوهات الأسنان وحالات كساح، خصوصًا لدى الأطفال
ولا تقتصر هذه التحديات على هذه المديريات فحسب، إذ تواصل بقية مديريات المحافظة طرح جملة من الإشكاليات التي تواجهها؛ ما يضع السلطة المحلية أمام ضغط متزايد لتلبية احتياجات متشعبة في ظل موارد محدودة
وفي هذا السياق، دفع حجم هذه المطالب المحافظ إلى تكثيف تحركاته مع الحكومة المركزية بالعاصمة المؤقتة عدن، ومواصلة التواصل مع الجهات المعنية للحصول على الدعم اللازم، إدراكًا لحجم الأعباء التي تعاني منها المحافظة
وفي الوقت ذاته، يحرص المحافظ على تبني نهج توافقي يقوم على الاستماع لمختلف الأطراف ومحاولة كسب رضا الجميع، نظرًا لحساسية المحافظة التي تقع على خط مواجهة مستمرة مع جماعة الحوثيين؛ وهو ما يدفعه إلى التعامل بحذر مع مختلف المطالب، والموافقة المبدئية على العديد منها، مع تقديم وعود والعمل على إدراجها ضمن خطط التنفيذ منذ بداية مشواره
في المجمل، تعكس التطورات في محافظة الضالع مرحلة انتقالية معقدة، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والخدمية، حيث يحاول المحافظ الجديد الموازنة بين متطلبات الاستقرار، وضغوط الواقع الخدمي، وتعقيدات المشهد السياسي المحلي
وبين الانطباعات الإيجابية الأولية، والتحديات البنيوية العميقة، وتزايد المطالب الشعبية في مختلف المديريات، يظل نجاح هذه التجربة مرهونًا بقدرة السلطة المحلية على الحفاظ على التوازن، وتحويل النشاط الإداري إلى نتائج ملموسة، في بيئة لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن