تعرف على طقوس الختان في سقطرى

منذ 8 ساعات

سقطرى- فهمي عبدالقابضفي سقطرى عرس المرأة (الزواج) وعرس الرجل (الختان)، وهو باللغة السقطرية (ضيافه دي عج)

 هناك عادات وطقوس شعبية تأصلت في جزيرة سقطرى كأصالة شجرة دم الأخوين، وأخرى انقرضت ولم يبقَ منها إلا ما يحكيه الأجداد للأحفاد

الأرخبيل اليمني الواقع في المحيط الهاديء ينفرد بعاداتٍ وطقوسٍ تميزه دون غيره، وهي عادات متوافق عليها بين قبائل سقطرى عامة؛ ما يعني أن هذه العادات انبثقت من عرفٍ واحد وقانون رسمته سياسة واحدة

ختان الذكور في محافظة أرخبيل سقطرى واحدة من أغرب وأعجب عادات سقطرى التي تمارس بطقوس فريدة

يقول نائب عميد كلية التربية في سقطرى، نائب رئيس مركز سقطرى للدراسات الإنسانية والاستراتيجية، الدكتور أحمد العامري: “إن الختان في سقطرى يعد مناسبةً لا تقل أهميةً عن غيرها من المناسبات الأخرى كالزواج والولائم والتحكيم وغيرها، والإخلال بهذه الطقوس والتقصير في هذه العادات يعد عارًا يلحق القبيلة واستضعافًا للفرد من قبل أسرته”

ويضيف العامري لـ”المشاهد”: “من لا يستطيع القيام بطقوس الختان، تتعاون القبيلة لإقامته؛ حتى لا تلحق العار بنفسها أو بأحد أفرادها

مشيرًا إلى أن الختان عادة خاصة بالذكور، وليس هناك ما يشير لختان الإناث، كما هو الحال في بعض المحافظات، وتتم عملية الختان بعد سن البلوغ، حين يتجاوز الشاب الخامسة عشر من عمره وما فوق

فيما يقول رئيس مؤسسة سقطرى للتراث، الدكتور أحمد الرميلي: “إن للختان السقطري طقوس خاصة وتقاليد متبعة منذ القدم، ولا يقل شأنه عن العرس الذي يُقام للزواج، ويطلقون عليه باللغة السقطرية نفس مسمى الزواج: “ضيافه دي عاجه”، أي: عرس المرأة (الزواج)، ويقولون أيضًا: “ضيافه دي عج”، أي: عرس الرجل (الختان)”

ويضيف الرميلي لـ”المشاهد” أن الختان أمر واجب للذكر، ولا يمكنه أن يبقى دون ختان، بل يعتقد المجتمع السقطري أن الذي لا يُختن كافر بنظرهم، وبختانه يعد مسلمًا حقيقًيًا، فمن أقوالهم: “سلم ديه مكشم”، أي: اختن ابنك، حيث نلاحظ أن كلمة (سلم) مأخوذة من الإسلام، أي اجعله مسلمًا بختانه

وسن ختان الولد حينما يكون قريبًا من فترة الشباب، وقادر على تحمل تبعات الختان الصعبة، حيث يتعرض الولد لامتحانٍ صعب، ويتطلب منه تجاوز ذلك الامتحان بشجاعةٍ ورباطة جأش، وعدم الجزع والخوف، بل عدم ظهور ذلك على محياه

ويزيد العامري: “في عرف قبائل سقطرى أن من يخضع لعملية الختان يعد عريسًا، لا يفصل بينه وبين الزواج إلا الختان، وفي بعض القبائل يحظى حفل الختان باهتمامٍ أكثر من حفل الزواج”

كما يقول الناشط السقطري محمد عبدالله بن طعري، إن الختان في أرخبيل سقطرى من أبرز العادات الاجتماعية المتوارثة، إذ لا يقتصر على كونه مناسبةً دينيةً واجتماعية، بل كان يُحتفى به قديمًا كما يُحتفى بحفلات الزفاف، وكانت الأسر تستعد له منذ وقتٍ مبكر، فتُقام الولائم وتُدعى الأسر والأقارب والأصدقاء، وتُرافقه أجواء من الفرح والاحتفال الذي يعكس روح التكافل والترابط بين أفراد المجتمع

ويضيف بن طعري لـ”المشاهد”، أن هذه العادة شهدت خلال السنوات الأخيرة، تراجعًا ملحوظًا؛ نتيجة ارتفاع تكاليف إقامة الحفلات وما يترتب عليها من أعباءٍ مالية وخسائر تثقل كاهل الأسر؛ ما دفع كثيرًا من العائلات إلى الاكتفاء بإجراء الختان بصورةٍ بسيطة بعيدًا عن المظاهر الاحتفالية التي كانت تميّز هذه المناسبة في الماضي

كما باتت الكثير من الأسر، وبسبب الحداثة والتطور، تجري عمليات ختان أبناءها في المستشفيات

عندما يصل الرجل السقطري إلى سن البلوغ يكون قد وصل إلى مرحلة الختان الإلزامية عرفيًا، وهنا تُلزم الأسرة المستطيعة ببدأ الاستعدادات لوليمة الختان

يقول العامري: “إن أفراد الأسرة يبدؤون بالاستعداد لإقامة مراسيم الختان للشاب حين تظهر عليه آثار البلوغ، كظهور شعر الشارب وغيره، وبعد سن البلوغ، وحين تتهيأ ظروف الأسرة وتكون مستعدةً لهذه المراسيم يُشعرون القبيلة بذلك

فيقوم شيخ القبيلة بجمع أفراد قبيلته والشباب البالغين الذين لم يتم ختانهم حتى يقام لهم مهرجان جماعي واحد، يشهد حفلًا تُذبح فيه الكثير من الغنم والبقر والجمال، وتقام موائد الطعام للجميع، ويجتمع الناس من القبائل المجاورة مباركين للعريس”

ويضيف أنه يُلزم من يخضع للختان أن يحلق رأسه كاملًا ما عدا بعض الخصلات التي تبقى أعلى رأسه من الجهتين، ثم يغتسل ويلبس ثيابًا جديدة، ويتطيب بأطيب العطور، ويجلب له أهله ومعارفه وأصحابه الهدايا والمنح العينية والمادية، وتقام له جلسات خاصة من أقاربه، ينصحونه ويشجعونه ويزرعون في نفسه العزيمة والبأس لتحمل آلام الختان، ويعرّفونه مغبة الخوف أو الارتعاش، حيث أن أبسط حركة توحي بالخوف تعد عارًا عليه وعلى الأسرة

ويقول الرميلي: “حينما يبلغ الولد سن الختان يبدأ يفكر في الوقت المناسب للختان، حيث لا يختنون إلا في أوقات الرخاء، بعد أن تعم الأمطار وتخضّر الأرض وتسمن الحيوانات، ولا يختنون في أوقات الجدب إلا للضرورة، وإذا كان للشخص أكثر من ابن، وهم متقاربون في السن، فإنه من المهم أن يفكر في ختانهم دفعةً واحدة بشكل جماعي”

“ومن أعراف قبائل سقطرى أنهم يختنون في أرضهم ومسقط رأسهم، بل لكل قبيلة ما يطلق عليه (ميدان)، وهو المكان الخاص الذي تُقام فيه أعراس الزواج وأعراس الختان، ومن أقوالهم: “أل يحوتن كال دهه بمسكيده”، أي: لا يُختن إلا في ميدانه، و(مسكيده) هي الحجرة التي توضع في الميدان، والتي يتم إعدادها للقفز منها، وكذلك جلوس المختون عليها أثناء الختان، وهي رمزية على المكان الخاص بالقبيلة، ولهذا من أعرافهم عدم الختان في أرض غيرهم أو في ميدان غيرهم، وعندما يكونون في أرض غيرهم بحثًا عن الماء والكلأ فإنهم لا يمارسون أفراحهم هناك حتى يعودوا إلى أرضهم”

يضيف الرميلي

ويتابع: “وبعد أن يتم التنسيق وحصر الأولاد الذين سيتم ختانهم يتم تحديد اليوم، ثم يتم تجهيز الميدان الذي تُقام عليه الأفراح، وغالبًا ما يكون الميدان مهيئ لمثل تلك الأفراح، كما يتم تجهيز الحطب والماء في مكان الفرح، وتُقام الولائم ويتم الذبح والطبخ في مكان فيه ماء، وإذا كان الماء بعيدًا يتم جلبه إلى المكان بالقِرَاب”

ويشير الرميلي إلى أن الختان يكون جماعيًا مع أفراد آخرين من أبناء القبيلة، وهو الغالب، ويكون ذلك بأن يعرض الشخص أمر ختان ابنه (أو أبنائه) على مقدم القبيلة الذي يطلقون عليه (ربهن)، أي المسؤول الذي يحكم القبيلة ويوجهها، و(ربهن) لديه المعرفة بأفراد قبيلته، فيعرف من هم الذين بلغوا سن الختان، وعبره يتم التنسيق لجمع عدد كبير من أبناء القبيلة للختان الجماعي الذي يكون دفعةً واحدة في يومٍ واحد وميدانٍ واحد، خالٍ من الأحجار والأشجار والحشائش والحفر وغيرها

يقول العامري: “إن من يقوم بالختان هم أفراد من عامة الناس يطلق عليهم (ميزدهر) تدربوا على يد معلمٍ خاص، وهناك من يرث المهنة من آبائهم، وهؤلاء الأطباء التقليديون من الطبقات الاجتماعية النادرة في المجتمع، فهم قلة لا يتواجدون في كثير من القبائل، بل يُستقدمون من مناطق بعيدة”

العامري يتطرق لآلة الختان، وهي عبارة عن موس صغير مصنوع من الحديد، وله مقبض من قرن الغنم، وهي حادة، ولا تستخدم عادة إلا للتطبيب الإنساني أو الحيواني

 ويشير إلى أن من يخضع للختان يجب أن يكون شجاعًا، لا يظهر عليه الخوف من رجفة أو غمض العينين أو عضّ الأسنان والشفاه، حيث يعد ظهور أي علامة من تلك عارًا كبيرًا يلازمه إلى آخر عمره، وقد يحول بينه وبين الزواج، فترفضه كافة النساء لجبنه وضعفه وقلة عزمه في تحمل المشاق، وهناك متربصون يراقبونه بدقة عالية ويعلنون للجميع عند حصول أدنى خوف، كما يشجعونه عند ثباته ويباركون صموده وتتناقل أخبار الخائف والشجاع في المحافل والقرى وتصل إلى العامة والخاصة

 ويتداول الناس أخبار من سيخضع للختان قائلين باللغة السقطرية: (فارح بصرهر أو فرد بصرهرر) أي هرب من الألم ونحوه

تعقد عملية الختان في ميدان واسع يجتمع فيه الرجال والنساء لمشاهدة الطقوس المصاحبة للعملية، ويشكلون حلقةً دائريةً واسعة يدخل المدارة (الدائرة) منهم من أراد المشاركة، فيبدأ أحدهم بالدخول ويلقي الأهازيج والأشعار ويرد عليه آخر من جهة أخرى، وترافق هذه العملية الفنية فنون أخرى كعملية إظهار القوة والمهارة في القفز، حيث يقوم أحد الشباب فيقفز ثلاث قفزات يضع عند نهاية القفزة الأخيرة علامة تبين مكان وقوفه ويقوم آخر يزيد عليه في القفز أو يفشل فيخرج من المشاركة، وهكذا حتى يفوز أحدهم بالوصول إلى مكان لا يستطع أحد بلوغه وقد يكون القفز فوق صخرة كبيرة ونحو ذلك والجماهير يراقبون المشهد بحماس كل منهم يشجع أفراد قبيلته

يقول الرميلي عن حفلة الختان: “يحضرها الناس من جميع القبائل، سواء من تم دعوتهم أو من لم يتم دعوتهم، وكل قبيلة تأتي بأكثر من القبيلة الأخرى من الذبائح والهدايا، من باب المفاخرة، وبما يسمى (رفدة)، كما يحضر الشعراء ويلقون قصائدهم ويحتلفون سهرًا وشعرًا ويجتمعون في الميدان قبل المغرب، ويسمون ذلك الوقت (دعصريه)، ويأتي الشعراء ويتبادلون شعر الهدانة (القصيدة)، ويقوم الشباب بالقفز وأداء لعبة تُعرف بـ (مقلمه)، وجمعها (مقلهم)”

ويضيف أنه بالنسبة للشاب الذي يتم تطهيره فإنه طوال النهار في اليوم الأول يبقى بصحبة أقرانه، ويتم تهيئته بالتنظيف والتزيين والحلق وغيره، وفي المساء يأتي أول امتحان له أثناء السهرة ليلًا؛ إذ يلزمه الحضور في السهرة الخاصة بشعر الهدانة، وترديد الأشعار مع الشعراء، والأهم من هذا هو القفز وسط الدائرة بما يُعرف بـ(محربه)؛ والهدف من هذا إظهار القوة والشجاعة والصلابة، ومقاومة النوم بالسهر والحضور بين الجمهور

وفي أثناء الليل يلازمه أحد أقاربه، فيدخل معه الدائرة ليقفزان معًا، ويحافظ عليه من الارتباك أثناء القفز، ومن السقوط وغيره، حيث يعد ذلك عيبًا في حقه، ومع طلوع الفجر تتواصل الأشعار والقفزات، ويضاف إليها صيغ أخرى من الأشعار الخاصة بهذه المناسبة، ويطلق على هذه الفترة (باعيرُه دِ أشيبب)، أي: صباح العجوز، أو الصباح على العجوز

 ويقول بن طعري: “إنه بعد استكمال طقوس الختان يعود كل مختون إلى منزله، حيث تُجرى له عادة شعبية تتمثل في خيط يلف حول رقبته، وفيه مربوط شيء من فصيلة اللبان؛ ليشمه فيما يُعرف محليا بـ”خلته”، اعتقادًا بأنه يساعد على سرعة الشفاء والتعافي”

ويضيف: “بعد مرور نحو أسبوع من الختان، تُذبح الأغنام وتُقام وليمة يحضرها الأقارب وأبناء المنطقة وتتخلل المناسبة طقوس وعروض من الفنون الشعبية أبرزها الدان السقطري، احتفاءً بسلامة المختون وإتمام هذه المناسبة الاجتماعية المهمة”

ويختم العامري حديثه عن طقوس الختان وعاداته قائلًا: “حين تبدأ عملية الختان توضع أحجار بعدد العرسان وهي بمثابة الكراسي لكي يجلس عليها العرسان وتسمى هذه الحجارة ( مسكيدوه)، ثم يتجهز العرسان فيقومون بخلع جميع الثياب التي عليهم ويدخلون المدارة عراةً من غير ثياب، وهذا التصرف قديم لم يشهده الجيل الحالي، ويطوفون حول المتجمهرين بأهازيج ورقصات حماسية تعزز ثقتهم بأنفسهم، ثم يقفز كل منهم حتى يجلس على الحجرة المعدة له ويفرج بين رجليه مستعدًا لقدوم الطبيب، وفي أقل من دقيقة يكون الطبيب قد أنجز عملية الختان بمهارةٍ عالية وسرعةٍ فائقة، ويقوم المختون بحركات بهلوانية ويهزج بقوله: (إلا بعارش أشيبب راحق هش صببوحه)، ومعناها صباح الخير يا عجوز، الله يباعد صباحتك، وهي دعوة بطول العمر

وهكذا تنتهي مراسم الختان فيتفرق الناس ويبقى البعض يحيون الليلة بالدفوف والأشعار إلى قرابة الفجر وبعدها يتفرق الجميع،كلٌ إلى حال سبيله”

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن