تعز: رحلة حجز موعد مع طبيب
منذ 5 ساعات
تعز- فهمي عبدالقابضيحجز عقيل شمسان، أحد سكان تعز، موعد مراجعة لابنه المريض عند أحد أطباء المخ والأعصاب في تعز قبل عشر أيام تقريبًا، وقد يكون موعد دخوله على الطبيب في منتصف الليل
يقول إنه حتى وإن وصل لموعد دخوله على الطبيب قد لا يزيد جلوسه مع الطبيب عن دقائق معدودة، وهي غير كافية لسماع شكواه أو متابعة حالة مريضه أو دراسة ما وصل إليه وضعه الصحي؛ بسبب زيادة مرتادي هذا الطبيب
تواجد أطباء المخ والأعصاب في تعز أصبح نادرًا، فالكثير من التخصصات، الذين هاجروا إلى الخارج نتيجة الحرب والأوضاع الاقتصادية الراهنة
يقول عقيل شمسان إنه يجد صعوبةً في الوصول إلى الطبيب المتابع لحالة ابنه المريض، ويضيف لـ”المشاهد” أن المراجعين ومرتادي مركز هذا الطبيب يحجزون قبل الموعد بفترات طويلة، وبعضهم قد يتأخر موعده لوقت آخر عند اكتفاء الطبيب بمعاينة عدد محدود
ويضيف شمسان أن بعض الأطباء يحيلون الحالات الحرجة التي تصلهم إلى طوارئ المستشفيات، حيث لا يوجد في بعضها أطباء متخصصين؛ ما يعني دخول المريض في دوامة التشخيص الخاطئ، أو إلزام المريض باستدعاء طبيب متخصص وبتكلفة أكبر
يعاني نجل عقيل شمسان منذ سبع سنوات من ضمور بالدماغ، أصيب به أثناء الولادة، بحسب شمسان
يقول نائب مدير مكتب الصحة العامة والسكان في تعز، الدكتور إسماعيل الحمودي، إن القطاع الصحي من أبرز القطاعات التي تأثّرت بفعل الحرب التي شُنت على تعز؛ والتي بسببها غادر الكثير من الأطباء والعاملين الصحيين المدينة، أو هاجروا للبحث عن فرص عمل، وكانت نسبة الهجرة كبيرة خلال الأعوام من 2015 حتى 2018، ثم تحسّن الوضع الصحي بعد أن استقرت الأوضاع نسبيًا
ويضيف الحمودي لـ”المشاهد”: بحسب البيانات الأخيرة لعام 2025، فإن عدد 224 من إجمالي 581 من الأطباء، ما بين طبيب عام وأخصائي، يعد نازحًا أو بلغ أحد الأجلين للتقاعد، أو توفيّ
ويشير الحمودي إلى أنه خلال السنوات الأخيرة، ومع فتح كلية الطب وفتح مساق الاختصاصات في المجلس اليمني للاختصاصات الطبية؛ شهد القطاع الصحي تحسنًا في نسبة الكوادر الطبية
ويقول مدير الإعلام الصحي في تعز، تيسير السامعي، إن القطاع الصحي في تعز واجه خلال سنوات الحرب هجرة الكثير من الأطباء والعاملين الصحيين، وربما الكثير منهم ترك مهنة الطب ليعمل في مهن أخرى
وتابع حديثه لـ”المشاهد”: “العجز يتعدى 50% في كل الكوادر العاملة في القطاع الصحي والطبي”
على مستوى اليمن فإن هناك 18
18 عاملًا صحيًا لكل 10,000 شخص، وهو مؤشر منخفض عن الحد المعياري الذي تضعه منظمة الصحة العالمية، 22 عاملًا لكل 10,000 شخص، كما أن 37% من المستشفيات العامة تفتقر إلى الأطباء المتخصصين، بحسب التقرير الوطني للجمهورية اليمنية المراجعة الوطنية الشاملة للتقدم المحرز نحو تنفيذ اعلان ومنهاج عمل بيجين للفترة 2020-2024
ويقول التقرير إن خمس محافظات فقط من إجمالي 22 محافظة في اليمن لديها عدد كاف من العاملين الصحيين
تشمل المحافظات ذات العدد الكافي من العمال الصحيين لكل 10 آلاف شخص: المهرة، سقطرى، حضرموت، أمانة العاصمة صنعاء، وأبين
وأقل المحافظات كثافة للعد الكاف لكل 10 آلاف شخص هي: إب، البيضاء، ذمار، ريمة، الجوف، المحويت، حجة، مأرب، والحديدة
يقول رئيس هيئة مستشفى الثورة العام في تعز، الدكتور عبد الرحمن الصبري، إن التقديرات والتقارير الصادرة عن مكتب الصحة والمنظمات المحلية في تعز تشير إلى أن نسبة العجز في الكوادر الطبية المتخصصة (الاستشاريين والأخصائيين) بلغت قرابة 80% في المحافظة
ويضيف لـ”المشاهد” أن تعز فقدت السواد الأعظم من عقولها الطبية النوعية نتيجة هجرة كثيفة لم تحدث فجأة بل تمّت على مدار الـ 12 سنة الماضية، وتحديدًا منذ اندلاع الأزمة في 2014 وحتى عامنا هذا 2026
ويتابع: “قبل الحرب كانت تعز تكتض بالاستشاريين، عما هو اليوم، مشيرًا إلى أن التقارير تذكر أن مستشفيات كبرى كالمستشفى الجمهوري وهيئة مستشفى الثورة العام والمستشفى اليمني السويدي أصبحت تعاني من خلوّ أقسام كاملة من الأخصائيين الرسمين، وأصبحت تعتمد كليًا على كادر متعاقد من أطباء عموم واختصاصيين واستشاريين متعاقدين متطوعين، بعد أن كان هناك مئات الأطباء لكل تخصص
ويقول الصبري إن نفقة هؤلاء مكلفة وتتحملها المستشفيات في ظل نفقات غير كافية وضعف الإيرادات؛ بسبب فقر المجتمع وغياب التأمين الصحي الوطني والتي لا بد من تفعيلها
كما يتحدث السامعي عن تخصصات نادرة هاجرت إلى الخارج وبعضها ترك العمل في مرافق الدولة الصحية ويعمل بعمله الخاص
ويعتبر السامعي أن قلة فرص التوظيف وتوقفها، رغم وجود كوادر مؤهلة، خلق عجز في المرافق الصحية الحكومية، بالإضافة لوفاة البعض منهم والبعض بلغ سن التقاعد، أو أصيب بأمراض مزمنة حالت دون ممارسة المهنة
مستبعدًا إمكانية إيجاد بديل الآن بسبب أن التوظيف المتوقف والتعاقد المرحلي
هجرة الكوادر الطبية والصحية من تعز لم تكن عشوائية بل شملت التخصصات الدقيقة والنادرة التي تحتاج سنوات طويلة من التأهيل لتعويضها
يقول الصبري إن أبرز هذه التخصصات المهاجرة هي لتخصصات جراحة المخ والأعصاب، جراحة القلب والأوعية الدموية، وبالأخص جراحة الأطفال، جراحة المسالك البولية، اختصاصي التخدير والعناية المركزة، حيث هاجرت هذه الكوادر إلى دول الخليج العربي؛ بسبب الميزات المالية والاستقرار، بالإضافة إلى مصر والأردن
كما هاجر جزء من الكفاءات، خاصة الأكاديميين، إلى دول أوروبية، مثل ألمانيا، بريطانيا، وكندا بحثًا عن بيئة عمل آمنة ومستقبل أفضل لأولادهم، بحسب الصبري
“في عام 2014 كانت تعز مركزًا جاذبًا للمرضى من مختلف المحافظات اليمنية، حيث كان الكادر الطبي مستقرًا، والمستشفيات الحكومية والخاصة تعمل بكامل طاقتها الاستيعابية، ونسبة العجز في التخصصات النادرة لا تتعدى 5% – 10% ضمن المعدلات الطبيعية لأي بلد نامٍ، وفي عام 2026 انعكس الوضع تمامًا، حيث نسبة العجز وندرة التخصصات قفزت إلى 80%”، يقول الصبري،
يقف الطبيب في تعز أمام خيارات أحلاها مرّ، وهذه الخيارات تدفعه للهجرة تحت دوافع لخّصها الصبري في عدة عوامل هي، الوضع الاقتصادي، تدني الرواتب، وانهيار العملة المحلية، حيث لا يكفي راتب الطبيب الحكومي لتغطية الاحتياجات الأساسية للمعيشة مقارنةً بالرواتب المجزية في الخارج، بالإضافة للبيئة الأمنية والحصار
فتعز مدينة عانت وما زالت تعاني من الحصار والاشتباكات وتعرّضت الكوادر الطبية مرارًا للاعتداءات والقنص والتهديدات داخل المستشفيات، بالإضافة إلى ضعف البنية التحتية الطبية، توقف الكهرباء الحكومية، شحة الأدوية والتجهيزات، وضعف النفقات التشغيلية، بالإضافة لغياب الأفق المهني والتأهيل المتمثل بضعف في برامج الابتعاث والتدريب الحكومي؛ لعدم قدرة الدولة عن تأهيل أطباء جدد يحلون مكان الراحلين
هجرة هؤلاء الأطباء أو عدم وجود فرص توظيف جديدة لإحلال كوادر مؤهلة يدفع فاتورتها المواطن، وقد تشمل الفاتورة الدولة أيضًا
يقول السامعي إن المواطن اليوم هو من يدفع الفاتورة، والملاحظ أن هناك ازدحامًا على عيادات الأطباء الاستشاريين، بما قد يصل لعدد 50 مريض باليوم، وهو عدد كبير بحسب السامعي، يصعب على الطبيب معالجتهم والاستماع لهم وتشخيصهم بشكل كاف
بينما يعتبر الحمودي أن الجميع، ابتداءً من المريض والمجتمع، وكذا القطاع الصحي يدفع فاتورة هجرة الكوادر الطبية؛ نتيجة زيادة الضغط على الاختصاصيين المتبقين، كما تدفع الدولة ضريبة هذه الهجرة التي اعتبرها الحمودي رأس مال لاقتصاد الدولة، ويدفع الطبيب أيضًا الفاتورة نتيجة بعده عن أهله ومجتمعه وفقدان ما بناه خلال سنوات عمله من سمعة ومحبة المجتمع له
ويقول الصبري إن المواطن البسيط والفقير هو من يدفع الثمن من صحته وحياته، والميسورين يجدون طريقًا للسفر، أما الفقراء لا يستطيعون بسبب غياب تلك التخصصات أو عدم القدرة على دفع تكاليف الخدمات في القطاع الخاص إن وجدت
ويضيف أن المواعيد تمتد في العيادات التخصصية لأسابيع وأحيانًا لأشهر، والطبيب الواحد بات يعاين أكثر من 50 حالة في نوبة عمل واحدة، وسط ضغط نفسي وبدني هائل
يتحدث الصبري عن الارتباط بين سفر المرضى للخارج وهجرة الكوادر الطبية أيضًا، فيقول إن هناك ارتباط طردي ومباشر بنسبة 100% بين سفر المرضى إلى الخارج وهجرة هذه الكوادر، ويعتبر أنه لولا هجرة هذه الكوادر لما اضطر المريض اليمني لبيع ممتلكاته ومدخراته من أجل السفر إلى مصر، الأردن، أو الهند للعلاج، فالسفر للخارج هو النتيجة الحتمية لـ”النزيف المالي والإنساني” الناتج عن غياب الطبيب المحلي رغم وجود مراكز تخصصية في تعز أصبحت تقدم خدمات جراحة القلب المفتوح وزراعة الكلى والكبد بأيادٍ محلية وإشراف خارجي؛ مما يؤكد أن الكفاءة موجودة متى ما توفر الدعم
يقول الحمودي إنه يمكن تعويض هجرة هذه الكوادر من خلال الاستفادة من كلية الطب بجامعة تعز، بالإضافة إلى التوسع في برامج التأهيل التي ينفذها المجلس اليمني للاختصاصات الطبية وتوفير تجهيزات طبية متقدمة وفتح مراكز جراحية نوعية واستقطاب كوادر استشارية
ويتوقع أنه في حال استمرار هجرة الكوادر الطبية سينعكس الأثر على تدني مستوى الخدمات الصحية المقدمة وقلة فرص التدريب والتأهيل للكوادر الصحية وضعف ثقة المجتمع بالقطاع الصحي
بينما يتوقع الصبري أن الوضع ربما يتجه نحو الانهيار في حال استمرت هجرة هذه الكوادر، وستزداد وتتفشى الأوبئة وترتفع معدلات الوفيات الناتجة عن أمراض يمكن علاجها ببساطة
ويقترح الصبري حلولًا لتطوير الواقع الصحي بتعز، من خلال تحسين البيئة المالية والأمنية ورفع أجور الأطباء والاستشاريين بصورة عاجلة عبر صناديق دعم محلية أو دولية
بالإضافة إلى تأمين المستشفيات للحد من الاعتداءات، وتوطين التدريب والاستمرار في تفعيل برامج الزمالة اليمنية والعربية داخل مستشفيات تعز لتدريب أطباء العموم الشباب وسد الفجوة سريعًا، والتعاقد الجزئي، والاستشارات عن بُعد
وكذا ربط أطباء تعز المهاجرين بمستشفيات المدينة عبر الإنترنت لتقديم الاستشارات أو التنسيق لزيارات دورية قصيرة (مخيمات طبية) يقوم بها الأطباء المهاجرين لبلدهم لإجراء العمليات المعقدة
و”الشراكة بين القطاع العام والخاص والمنظمات، من خلال دعم وتأهيل تقوم به المنظمات الدولية لكوادر المستشفيات الحكومية لضمان جودة وأمان استمرار تقديم الخدمات التخصصية”، كل هذه حلول يطرحها الصبري لضمان مستقبل أفضل لبيئة العمل الصحي والطبي في تعز
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن