تعز: طريق المدرسة عبورا إلى الموت
منذ ساعة
تعز– عبد الملك الأغبريلا تزال منى محمد سعيد، والدة الطفل إبراهيم جلال، الذي اغتالته رصاصة قناص، في حي كلابة، شرق تعز، في أبريل الماضي، تصارع وجع الفقد الذي لا يهدأ
بصوتٍ مثقلٍ بالانكسار، تروي لـ”المشاهد” تفاصيل اللحظة الأخيرة من حياة طفلها: “كان وقت عودة الطلاب من المدرسة، والشارع كعادته مزدحمًا بالأطفال
كان ابني يمشي ممسكًا بيد إخوته وزملائه، يضحكون في طريقهم إلى البيت، يحمل حقيبته المدرسية تحت شمس الظهيرة منهكًا من يومه الدراسي، وكأي طفلٍ ينتظر حضن أمه ووجبة الغداء بعد عودته من المدرسة
فجأة أصبح مضرجًا بالدم”
تؤكد منى، أن الحادثة وقعت في ظل هدوء تام، دون أي اشتباكات، وكان الوضع مطمئنًا، ولم يكن هناك شيء، لكن قناصة الحوثي غدروا به”
مشيرة إلى أن لها ثلاثة أولاد أكبرهم إبراهيم (14 عامًا)، الذي ذهب ضحية القنص الحوثي، تتوسطهم الطفلة براءة (11 عامًا)، وأصغرهم عمار (9 أعوام)، ويدرسون في نفس المدرسة ويعودون معًا يوميًا، قبل أن تفقد أحدهم برصاص القناص، وهو ما دفعها إلى إيقاف بقية أطفالها عن الدراسة خوفًا عليهم
توضح منى، والدة إبراهيم أن الظروف المعيشية القاسية أجبرتهم على السكن في منطقة مكشوفة وقريبة من خطوط النار، قائلة: “غلاء الإيجارات والظروف الاقتصادية أجبرتنا على السكن هنا، رغم خطورة المكان، وأنا الآن أبحث عن منزل آخر، بعد أن دفعت حياة ابني ثمن لكل ذلك “
لم تكن هذه الحادثة معزولة، بحسب روايتها، إذ تؤكد أن المنطقة شهدت حوادث قنص متكررة خلال الأيام التي شهدت قنص طفلها
مضيفة: “ابني ليس الأول
قنصوا أطفالًا ونساءً وكبارًا
بعد استشهاده بيوم قنصوا امرأة كانت تحمل أسطوانة غاز وأُصيبت في ساقها، وفي اليوم التالي قُتل رجل مسن
برصاصة في رأسه
وخلال رمضان، أُصيب طفل صديق لابني في عموده الفقري وأصبح اليوم عاجزًا عن الحركة، كما قُتل رجلان آخران، والآن، لم يبقَ سوى الصمت المؤلم وذكريات صورته الصغيرة في ذهني تجعلني أحيانًا أشعر أن كل شيء حولي تغير، وأن العالم لم يعد آمنًا للأطفال
مشيرة إلى أنها لم تعد ترسل أولادها للمدرسة، لأن تلك الرصاصة الغادرة، قد محت كل أحلامهم ومستقبلهم في لحظة
والدة الطفل إبراهيم جلال: ابني ليس الأول
قنصوا أطفالًا ونساءً وكبارًا
بعد استشهاده بيوم قنصوا امرأة كانت تحمل أسطوانة غاز وأُصيبت في ساقها، وفي اليوم التالي قُتل رجل مسن
برصاصة في رأسه
وخلال رمضان، أُصيب طفل صديق لابني في عموده الفقري وأصبح اليوم عاجزًا عن الحركة
”وبالعودة إلى تفاصيل لحظة الاستهداف، تروي براءة، شقيقة الضحية إبراهيم جلال، لـ”المشاهد” ما حدث، قائلة: “كنت أمشي بجانب أخي عندما سقط فجأة
لم أفهم ما حدث بالضبط، كل شيء حدث بسرعة كبيرة حاولت الإمساك به لكنه سقط من بين يدي
، شعرت بالخوف والصدمة، ولم أستوعب ماذا حدث حتى الآن
”تضيف: قبل الحادثة بدقائق، أثناء سيرنا في الشارع، انتابني شعور غريب لا أعرف سببه، وقبل دقائق من إصابته، طلبتُ من إبراهيم أن يضع حقيبته المدرسية على صدره بدلًا من ظهره، كأنني كنت أشعر بالخطر
خاصة بعد أن شهد هذا الشارع سقوط كثير من سكان الحي برصاص القناص الحوثي، ولم أكن أتوقع أن يكون إبراهيم هو الضحية
وقبل أن يرفع بصره نحو السماء، قال لي: براءة… أنا أموت”تقول: “بهذه الكلمات ودعتُ أخي، وودعت معه ما تبقى من أمل أو مستقبل في هذه البلاد” هكذا قالت براءة
”تضيف منى، والدة إبراهيم، أن طفلتها حاولت إسعاف شقيقها في لحظاته الأولى، إذ نزعت حجابها في محاولة لإيقاف النزيف، غير أن القدَر كان أسرع من أي محاولة
وفي سياق إنساني أوسع، تكشف منى، عن معاناة أخرى تعيشها الأسرة، إذ أن زوجها مفقود منذ ثماني سنوات ونصف بعد خروجه بحثًا عن عمل، دون أي معلومات عن مصيره حتى اليوم
وتحت وطأة الألم المخضب بالدموع، اعتذرت لمراسل “المشاهد ” عن عدم قدرتها على مواصلة الحديث، مختتمة بكلمات تختزل حجم الفاجعة، “حسبي الله ونعم الوكيل… حُرمت من ابني”!الباحثة في مجال حقوق الإنسان في تعز، رغدة المقطري قالت لـ”المشاهد”: إن ما يحدث في مدينة تعز من جرائم القنص لا يمكن التعامل معه كأعمال قتالية عادية، لأنها جرائم مركبة تمس الإنسان في حقه في الحياة وكرامته وأمنه النفسي
وأضافت أن استمرار هذه الأفعال دون مساءلة لا يعكس قصورًا في حماية، المدنيين، وإنما يكشف أيضًا عن حالة واضحة من الإفلات من العقاب، ما يجعل الملاحقة القانونية ضرورة عاجلة، ليس لإنصاف الضحايا فحسب، وإنما كذلك لمنع تكرار هذه الجرائم
”وأوضحت أن جريمة القنص بطبيعتها ليست فعلًا عشوائيًا يمكن تبريره بخطأ أو سوء تقدير، إذ تقوم على الرصد الدقيق للهدف واختياره ثم استهدافه بشكل مباشر
وتابعت: عندما يكون الضحايا من الأطفال أو النساء، فإن ذلك ينفي بشكل قاطع أي ادعاء بالخطأ، ويؤكد أن الفعل تم عن علم وإرادة، وخارج إطار العمليات العسكرية
وفي السياق القانوني، أشارت المقطري، إلى أن هذه الأفعال تمثل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها خرق مبدأ التمييز، الذي يعد قاعدة أساسية تُلزم أطراف النزاع بالتفريق بين المدنيين والمقاتلين، وهو ما أكدته المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف
واتفاقيات جنيف هي معاهدات دولية صيغت عام 1949 لتشكل حجر الأساس للقانون الدولي الإنساني، وتهدف إلى الحد من وحشية الحروب وحماية الأشخاص غير المشاركين في القتال (المدنيون، المسعفون وموظفو الإغاثة) أو الذين أصبحوا عاجزين عنه (الجنود الجرحى، المرضى المنكوبون في البحار وأسرى الحرب)، حسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر
كما أن استهداف الأطفال والنساء يمثل انتهاكًا صارخًا للحماية الخاصة المقررة لهم باعتبارهم من الفئات الأشد ضعفًا، إلى جانب تعمد توجيه الهجمات ضد المدنيين، وهو فعل محظور بشكل مطلق بموجب قواعد آمرة لا تقبل الاستثناء، أي قواعد دولية ملزمة لا يجوز مخالفتها بأي حال
وأكدت المقطري “أن هذه الأفعال ترقى بوضوح إلى جرائم حرب، كونها تستهدف أشخاصًا محميين بموجب القانون الدولي بشكل مباشر، ومع تكرارها بنمط متشابه وعلى مدى زمني ممتد، فإنها لا تعود مجرد حوادث فردية، وإنما تأخذ طابعًا ممنهجًا، ما يعزز وصفها كـانتهاكات جسيمة تستوجب المساءلة الجنائية، سواء على المستوى الوطني أو الدولي
رغدة المقطري، الباحثة في حقوق الإنسان: هذه الأفعال ترقى بوضوح إلى جرائم حرب، كونها تستهدف أشخاصًا محميين بموجب القانون الدولي بشكل مباشر، ومع تكرارها بنمط متشابه وعلى مدى زمني ممتد، فإنها لا تعود مجرد حوادث فردية، وإنما تأخذ طابعًا ممنهجًا، ما يعزز وصفها كـانتهاكات جسيمة تستوجب المساءلة الجنائية، سواء على المستوى الوطني أو الدولي
”وأضافت المقطري أن الجهود الحقوقية، رغم استمرارها، لا تزال تواجه غياب الاستجابة، موضحة: “نحن في كل الأحوال لا نملك سوى التوثيق ورفع التقارير، ونعمل على إيصالها إلى الجهات المعنية وممارسة الضغط عليها، لكن حتى الآن لا توجد أي استجابة تُذكر”
وأشارت إلى أن هذا الملف مطروح منذ أكثر من عشر سنوات دون تحقيق نتائج ملموسة، رغم ما يتضمنه من أرقام صادمة
ولفتت إلى أن دورهم يظل محصورًا في الرصد والتوثيق والمتابعة، على المستوى الدولي
وتابعت: “نرفع التقارير ونسعى لتحريك آليات الضغط الدولية، لكننا لا نلمس نتائج حقيقية على الأرض”، في إشارة إلى محدودية أثر المسارات القانونية والحقوقية في ظل استمرار الانتهاكات
وأوضحت أن عدم تحقيق مساءلة واضحة تجاه مرتكبي جرائم القنص، رغم الطابع النمطي والمتكرر لاستهداف أبناء تعز من قبل جماعة الحوثي، يرتبط بعدة عوامل، من بينها تعقيدات ميدانية وصعوبة تحديد المنفذين بشكل فردي، خاصة في ظل تعمد تغيير القناصة بين حين وآخر، ما يصعب تتبعهم أو ملاحقتهم قانونيًا، بشكل مباشر، وهو ما لا يعفي الجهة التي تدير هذه الأفعال من المسؤولية القانونية الكاملة عنها
وبيّنت أن أثر جريمة القنص لا يقتصر على إزهاق الأرواح فقط، إذ يمتد ليصيب المجتمع بأكمله، حيث يزرع الخوف الدائم بين السكان، ويقيد حركتهم، ويعطل حياتهم اليومية، من التعليم إلى تأمين أبسط الاحتياجات كالماء والغذاء، إلى جانب ما يخلّفه من آثار نفسية عميقة، خاصة لدى الأطفال الذين ينشئون في بيئة يسودها الخوف والترقب، ويتهددهم الموت في أي لحظة
ماهر العبسي، مدير مكتب شؤون الحصار في مدينة تعز، يقول لـ”المشاهد”: إن قنص الأطفال والمدنيين جريمة منظمة تمارسها الجماعة الحوثية بشكل متكرر ومتعمد منذ أكثر من 11 عامًا، منذ بداية الحرب، ولا يمكن بأي حالٍ أن تكون حادثة عابرة أو خطأً عرضيًا”
وأوضح العبسي أن “هذه الانتهاكات تأتي ضمن سياسة ممنهجة تستهدف المدنيين، وتهدف إلى إجبار السكان على النزوح وتهجيرهم، خاصة أن سكان تعز كانوا الأبرز في رفض الفكر الحوثي
وتواجدهم في مدينة تعز
”وأضاف أن عمليات القنص حولت الأحياء السكنية إلى مناطق شديدة الخطورة، يعيش فيها السكان تحت قيود صارمة لحركتهم، إذ يضطرون إلى التنقل خلال ساعات النهار فقط، بينما تتحول بقية الأوقات إلى حالة من الشلل والخوف، مع تقييد حتى استخدام الإضاءة داخل المنازل خشية الاستهداف المباشر
وأشار إلى أن هذا الواقع فرض نمط حياة غير مألوف، جعل المدنيين يعيشون في حالة تهديد دائم، وسط غياب البدائل السكنية وارتفاع الإيجارات، وعودة كثير من النازحين إلى أحيائهم رغم المخاطر، بعد معاناة طويلة مع النزوح والتهجير الذي تسببت به جماعة الحوثي
وفي جانب آخر، كشف العبسي عن آلية توثيق الانتهاكات، موضحًا أن العمل يعتمد على النزول الميداني المباشر، عند ورود البلاغات الواردة من المستشفيات عن ضحايا القنص وتوثيقها هناك، ثم الوصول إلى مواقع الاستهداف لتحديد اتجاهات إطلاق النار ومصادره بدقة
وبيّن أن فرق التوثيق تقوم بالنزول الميداني إلى مواقع الحوادث وتحديد مصادر النيران، مشيرًا إلى أن بعض المناطق، مثل كلابة، غالبًا ما تُسجل فيها اتجاهات إطلاق من مواقع معروفة، سواء من معسكر الأمن المركزي أو من مواقع يتمركز فيها مسلحون على مبانٍ مرتفعة يسيطر عليها الحوثيون
وأكد أن الهدف من عملية التوثيق لا يقتصر على رصد الأرقام، بل يتجاوز ذلك إلى بناء ملف قانوني متكامل يمكن استخدامه لاحقًا في مساءلة المسؤولين عن هذه الانتهاكات ومن يقف خلفها، مشددًا على أن التوثيق يتم وفق منهجية قانونية دقيقة تبدأ بجمع البيانات ميدانيًا ثم أرشفتها ضمن ملفات تشمل مختلف الانتهاكات
وأوضح أن هذه الملفات لا تقتصر على القنص فقط، بل تشمل أيضًا الألغام والحصار والقصف بمختلف أنواعه، باعتبارها جزءًا من سياسة أوسع تستهدف مدينة تعز بشكل شامل
وبحسب العبسي، فقد بلغ إجمالي ضحايا القنص منذ مطلع 2015 وحتى أبريل 2026، في تعز 1,793 مدنيًا، بينهم 772 قتيلًا و1,021 مصابًا
وتوزعت هذه الحصيلة بين الفئات الأكثر ضعفًا، حيث سُجل مقتل 144 طفلًا و65 امرأة، إضافة إلى إصابة 282 طفلًا و136 امرأة
وأكد العبسي أن هذه الأرقام تعكس حجم الاستهداف المباشر للمدنيين، خصوصًا الأطفال، الذين كانوا من أبرز ضحايا القنص الحوثي، مشيرًا إلى أن القيود على الحركة والحصار المستمر يزيدان من المخاطر على الأطفال، كونهم لا يتحملون تبعات الحرب، ومع ذلك هم الأكثر تضررًا من كل قرار سياسي أو عسكري، والكثير منهم يعانون من آثار نفسية عميقة نتيجة مشاهدتهم للعنف والقتل بشكل مباشر
ولفت إلى أن هذه الصدمات قد لا تظهر فورًا، لكنها تمتد آثارها إلى مراحل لاحقة من العمر، خصوصًا خلال المراهقة أو عند الاندماج في العملية التعليمية، حيث تنعكس على التحصيل الدراسي والسلوك النفسي والاجتماعي
وأشار إلى أن البيئة التعليمية نفسها تأثرت بشكل كبير، إذ يعاني الأطفال من صعوبات في الانتظام بالدراسة، في ظل ظروف نفسية قاسية وتداعيات اقتصادية، إلى جانب انقطاع رواتب المعلمين
كما يواجه بعض الطلاب مشهد فقدان زملائهم في المدارس نتيجة القنص أو القصف، ما يترك أثرًا نفسيًا بالغًا ويدفع كثيرين إلى التسرب من التعليم، بما يهدد مستقبلهم التعليمي والنفسي
تعز واحدة من أكثر المحافظات اليمنية تضررًا من الحرب، إذ يعيش أغلب سكانها في حالة رعب دائم، خوفًا من أن تمتد إليهم رصاصة قناص أو قذيفة، ما يجعل الحياة اليومية، محفوفة بالموت أو بالخطر والخوف على الأقل
وما حادثة إبراهيم إلا امتدادٌ لسلسلة طويلة من الانتهاكات التي طالت المدنيين وتركت خلفها أمهاتٍ مثقلات بالحزن على أطفالهن
سيظل إبراهيم حاضرًا في ذهن أمه وشقيقته ليمثل جرحًا مفتوحًا في ذاكرةٍ مثقلة وإن مر عام بعد عام
وسيظل هذا الحادث حاضرا في الذاكرة الجمعية لكل أبناء اليمن، وستظل كل الانتهاكات بحق المدنيين لطخة العار الأسود لا تمحوها السنين، عالقة في ضمير المكان، وسردية هذا البلد التي تطلب المساءلة والحد من الإفلات من العقاب
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن