تعز: نساء في مهمة تنمية الزراعة المنزلية

منذ 2 ساعات

تعز- محمد الدخينيفي مساحةٍ ترابيةٍ لا تتجاوز ثلاثة أمتارٍ ونصف، اتّخذت “أم سلسبيل” من فناء منزلها، في قرية “الأشروح”، بريف تعز الغربي، بستانًا مصغرًا يضم أصنافًا متنوعةً من الخضروات والفواكه، في خطوةٍ عمليةٍ من أجل توفير بعض المحاصيل الغذائية ومواجهة ارتفاع أسعار السلع

وقالت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “الفاو” في نشرة السوق والتجارة لشهر أغسطس: “إن الوصول إلى الغذاء في مناطق سيطرة الحكومة على مستوى الأسر يبقى محدودًا، حيث يعتمد حوالي 35% من الأسر على الرواتب الحكومية غير المنتظمة التي تآكلت بشكل كبير؛ بسبب التضخم السابق؛ ما يحد من التأثير الإيجابي لانخفاض الأسعار على الأمن الغذائي

في صباح ومساء كل يوم، تتردد “أم سلسبيل” على بستانها ممسكةً بجالون الماء لري المزروعات والعناية بها حتى تَينعَ ثمارها، ومنها تتخذ مصدرًا لتزويد مائدة الأسرة، بحسب الحاجة، كما تشير في حديثها لـ”المشاهد”

وتسترسل: “حاجة المائدة إلى الخضروات يوميًا، مع ضعف القدرة على شرائها بأسعارها الباهظة، كان دافعًا لاستغلال مساحات المنزل الفارغة، وإنشاء بستانٍ غذائي يمد الأسرة بخيراته من الطماطم، الثوم، الليمون، الملوخية، والفلفل الحار، إلى جانب العديد من أشجار الفواكة كالبابايا، الخيار الأفريقي الشوكي، وغيرها من الفواكه”

ليست “أم سلسبيل” وحدها من اتجهت إلى خيار الزراعة المنزلية للمساعدة في توفير بعض المحاصيل الغذائية

فثمة نساء كثر من “الأشروح” اقتدين بالتجربة وسلكن الخيار ذاته هربًا من معاناة الغلاء، وحوّلن المساحات الخلفية للمنازل إلى بساتين مليئة بالخضرة

إذ ترسم هذه البساتين الصغيرة بارقة أملٍ للإسهام في الأمن الغذائي

وفي ظل ضعف القدرة الشرائية لليمنيين، يمثل تحويل نساء قرية “الأشروح” المساحات الفارغة إلى بستانين صغيرة لزراعة الخضروات الورقية رافدًا مهمًا لموائد الأسر

حيث وفّرت الزراعة المصغرة انفراجةً حققت جزءًا من الاحتياج وبتكاليف ضئيلة، فضلًا عن أثرها الإيجابي في تخفيف الضغوطات النفسية الناجمة عن سوء ظروف المعيشة

تصف “أم صقر” هي الأخرى تجربتها في الزراعة المنزلية خلال حديثها لـ”المشاهد”، وتقول: “بقدر ما تمتلك من مساحةٍ في منزلك تكون حجم الثمار، فمثلًا غرست عشر شتلات من الخضروات وصنعت بذلك بستانًا صغيرًا يعطي بوفرة ويغطي احتياج الأسرة”

عطاءٌ لا ترى “أم صقر” أنه مستدام على مدار العام، وتضيف: “تعيش المزروعات الورقية فتراتٍ معينة حتى تثمر، وبين موسمٍ وآخر، وعمليةٍ وأخرى تخلو المائدة العائلية من هذه السلع من شهرين إلى ثلاثة، وقد يصل إلى أربعة شهر سنويًا، وذلك لعدة عوامل مناخية، ومنها موسمية، خاصةً تلك الخضروات التي لا تعطي ثمارًا إلا بشهرٍ وموسمٍ محدد”

وتضيف أم صقر أن الفترات التي تأخذها الثمار للنضوج تعوضها البساتين بسخاء في فترة القطف، كما أنها لا تقارن بسنوات طوال، حيث عشت تحت عناء الغلاء الأكثر فتكًا بالأسر

ووصل سعر السلة الغذائية خلال أغسطس الماضي في مناطق سيطرة الحكومة 134 ألف ريال (86 دولارًا أمريكيًا)، بحسب نشرة السوق والتجارة، الصادرة عن “الفاو” لشهر أغسطس

وتضيف أم صقر: “هذه المساحة التي تتزين بالمروج الخضراء تبدو متواضعة، إلا أنها سدّت فجوةً شرائية

ومع وجود هذا البستان بأصنافٍ متنوعة من المزروعات كالطماطم، الليمون، الكبزرة، والفلفل الأخضر، البامية، والملوخية؛ باتت مائدة الأسرة أكثر وفرة وبأقل التكاليف المادية، فضلًا عن خلوها من الأثر المتبقي للمبيدات”

“جعلني هذا البستان الصغير ادخار الأموال التي كنتُ سأنفقها لشراء الخضروات؛ لأخصصها لشراء الأحتياجات الكبيرة كالقمح والدقيق”، حد قول أم صقر

لم يتوقف الأمر عند حدود سد فجوة الاحتياج، بل أصبح ممتدًا ليشمل تعزيز مبدأ التكافل الإجتماعي بين الأسر؛ إذ تشهد قرى ريف “الأشروح” ظاهرة تبادل الفائض بين الجيران، في مقايضةٍ متسعةٍ تزيد من تماسك المجتمع في ظل ارتفاع القدرة الشرائية

يقول الخبير الزراعي، مرتضى سلطان الشارحي، لـ”المشاهد”: “إن الزراعة المنزلية تُمكّن المجتمع من توسيع رقعة الزراعة من خلال التنسيق بين أبناء المنطقة الواحدة، بحيث تزرع كل أسرةٍ أصنافًا مختلفةً عن الأخرى ليكون هناك تنوع في المحاصيل”

ويضيف: “يفضل أن تكون الزراعة في أوقاتٍ متفاوتة، وفي حال ازداد المحصول عن الحاجة، يمكن العمل على التصنيع الغذائي، كتجفيف المحاصيل وصناعة المخللات، مع الاحتفاظ بالبذور للموسم القادم”

ويرى الشارحي أن الزراعة المصغرة بمثابة أمنٍ غذائي للأسرة، حيث توفّر لها محاصيل طازجة؛ مما يقلل من الاعتماد على الشراء من الأسواق، وتعتبر الزراعة في حدائق المنزل من أفضل الطرق، كون المحصول خالي من المبيدات والأسمدة الضارة على صحة الإنسان، ومنها الاستفادة من المساحة الموجودة التي قد تستغل المياه المهدورة مثل مياه المطبخ

رغم التحديات التي تواجهها تلك الأسر؛ إلا أنها في النهاية نجحت في توفير المقومات الأساسية في مائدة طعامها اليومية، حيث تقول “أم عالية” لـ”المشاهد”: “في بداية الأمر، وجدتُ صعوبةً كبيرة في كيفية زراعة البذور والتطعيم بين نبتةٍ وأخرى، حيث استغرق مني ذلك وقتًا طويلًا

وتضيف: “لم أكن أعرف الطريقة الصحيحة لريّ النباتات ولم يخطر على بالي النبش تحتها أو تصليح الأحواض حولها، حتى ضمرت وخسرت الكثير منه، ولكن ذات يوم رأيتُ إحدى الصديقات على مستوى قريتنا كانت قد تعلمت من إحدى المنظمات المهتمة في الزراعة، كيفية الاعتناء بالنبات لكي تزيد من المحصول الزراعي، رأيتها وهي تعمل حلقات مستديرة على مركز النبتة وتغمرها بفضلات الأغنام والأبقار كأسمدة؛ لنمو تلك النباتات، وكيف تعتني بها من الحشرات من خلال رش بعض المبيدات على النباتات، هذا الموقف جعلني مندهشة، حتى تعلمتُ على يدها، فكانت النتائج أكثر وفرة من سابقتها

وتتابع: “لم نقف مكتوفي الأيدي بعد رؤية البستان مزين بالخضروات التي تعبنا من أجلها، كان الحلم الحقيقي وهو كيف نقلع عن شراء تلك الخضروات البسيطة الباهضة الثمن وصعبة المنال، كان هذا هو الحافز الحقيقي أمام ظهور البستان الصغير بالخضرة جوار المنزل، نحن سعداء جدًا لما نراه الآن”

يتطابق رأي المهندس الزراعي، عبدالقادر السميطي، خلال حديثه، عما تقترحه نسوة “الأشروح”، ويقول: “تمثل الزراعة المصغرة، رغم بساطتها، خطوةً عمليةً وذكية نحو تخفيف الأعباء المعيشية وتعزيز الأمن الغذائي داخل المنزل”

ويضيف لـ”المشاهد”: “توفير جزء من احتياجات الأسر من الخضروات الطازجة، يمنح الأسرة غذاءً أنظف وطازج، وتعد هذه التجارب من المبادرات الواعدة؛ لأنها تعكس وعيًا بأهمية الاعتماد على الذات، وتمنح الأسرة فرصةً لإنتاج جزءٍ من غذائها داخل المنزل بأقل الإمكانات”

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن