توفيق الحميدي : الاغتيالات السياسية
منذ 4 أيام
توفيق الحميدي تمثل الاغتيالات السياسية في عدن صورة مكثفة لانهيار مؤسسات الدولة وتفكك منظومة العدالة في اليمن
فهي لم تقع كجرائم جنائية معزولة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها قضايا فردية منفصلة، لأن الضحايا لم يُستهدفوا لأسباب شخصية أو نزاعات عابرة، بل سقطوا في سياق حرب داخلية وصراع على النفوذ والسيطرة، حيث جرى استخدام الاغتيال أداة لإرباك المجال العام، وتصفية الخصوم، وترهيب المجتمع، وإعادة هندسة المشهد السياسي والأمني بالقوة
إن اختزال هذه الجرائم في ملفات جنائية محدودة يمثل نوعا من الاستهانة بحقيقتها السياسية والحقوقية، ويؤدي إلى طمس نمط الجريمة وسياقها والجهات المستفيدة منها
ولذلك فإن العدالة في قضايا الاغتيالات لا تتحقق عبر محاكمة متهم هنا أو هناك فقط، بل عبر مسار وطني شامل يكشف الحقيقة كاملة، ويربط الملفات بعضها ببعض، ويعيد بناء السردية العامة لما جرى في عدن: من خطط؟ من موّل؟ من سهّل؟ من وفر الحماية؟ ومن استفاد من إسكات هذه الأصوات؟ وهذا يقتضي تشكيل لجنة عليا مستقلة، تتمتع بصلاحيات واسعة وإمكانات فنية وقانونية وأمنية كافية، لفتح جميع ملفات الاغتيالات، ومراجعة مسارات التحقيق السابقة، والاستماع إلى أسر الضحايا والشهود، وجمع الأدلة وربط الوقائع والأنماط المتكررة
كما يتطلب الأمر إعادة النظر في بنية المحكمة المختصة، وتدعيمها بقضاة مؤهلين وخبراء جنائيين وفنيين، وضمان استقلالها وحمايتها من الضغوط السياسية والأمنية
فقضية الاغتيالات في عدن ليست شأنا يخص أسر الضحايا وحدها، وإن كانوا الأكثر ألما ووجعا، بل هي قضية تمس كل اليمنيين، لأنها تكشف كيف تحولت المدينة إلى مسرح لتصفية السياسة بالسلاح، وكيف جرى ضرب فكرة الدولة من داخلها
ومن دون كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، ستظل العدالة ناقصة، وسيبقى الخوف جزءا من الحياة العامة، وستظل مؤسسات الدولة عاجزة عن استعادة معناها ووظيفتها