توفيق السامعي : مسلسل ملوك اليمن..!(2-2)

منذ 7 ساعات

توفيق السامعي بالعودة إلى محرقة الأخدود يبدو أن من قام بها هم طائفة اليعاقبة المسيحيين التي اضطهدت وأبادت النساطرة والأريسيين التوحيديين بقرار من بيزنطة وبقية الطوائف المسيحية من أرثوذوكسية وكاثوليكية لأنهم كانوا يسمونهم المسيحيين بالإسم فقط، بدليل أن مؤرخي النصرانية وعلى رأسهم أغناطيوس يعقوب الثالث ذكر في كتابه (الشهداء الحميريون) أن الوثنيين والنساطرة وقفوا مع الملك يوسف أسأر، مما ينفي أن تكون حرباً دينية عليهم، وربما كانت هذه المحرقة ضد هؤلاء التوحيديين الذين وقفوا مع يوسف (ذي نواس) في حرب نجران انتقاماً منهم بعد مقتل ذي نواس وهزيمة جيشه واحتلال دولته بالتعاون مع المحتلين الجدد الأحباش، خاصة وأن أرياط ذهب يحرق كل القرى والمدن ويدمرها

الإشارة القرآنية تتحدث عن الجريمة منذ بدايتها وحتى نهايتها بضمير الجمع لا المفرد، بينما تحدث في جرائم فرعون بضمير المفرد، وهذا يدعم ما ذهبنا إليه من أن الفعل جماعي وليس فردياً لشخص!خامساً: نهاية نواس أنه اقتحم بفرسه البحر بعد الهزيمة أنفة منه أن يقع في الأسر هي مما ذكرها الإخباريون فقط، بينما يذكر نقش عر ماوية للسميفع وبقية الأقيال الذين كانوا معه في الحرب أن يوسف قتل قتلاً في المعركة بعد أن أحاطت به جيوش الحبشة وخذلانه من بعض الأقيال، وقتل معه أقيال أرحب وحمير الذي كانوا معه، ولو كان هارباً بفرسه منهم لهرب براً بسرعة الفرس وإمكانية النجاة كبيرة، وبإمكانه إعادة ترتيب صفوفه وقبائله، لكن اقتحام البحر بفرسه هروباً من القتل هو قتل محقق وانتحار مؤكد لم يؤكدها أي دليل، ومن يقوم بعمل التحصينات الكبيرة والكثيرة لسلسلة باب المندب يستبعد الهرب

سادساً: قصة سيف بن ذي يزن مثلها مثل قصة بلقيس؛ لا دليل من نقوش يمنية عليهما ولا تحديد تسميتهما، وحتى الذين اعتمدوا على النقوش في سرد قصة سيف وصل بهم البحث إلى حد السميفع أشوع وأبنائه شرحئيل يعفر ومعدي كرب ودخلوا مباشرة إلى المرويات التاريخية لوجود فجوة لم تكتمل هناك، مما جعل الجميع يعتقد أن سيف أسطورة وليس شخصية حقيقية لولا وجود الروايات القريبة من المعاصرة لبداية التدوين الكتابي العربي على الجلود بعيداً عن تدوين النقوش، والتي أرجح أن الفرس محوا أية إشارة لسيف بن ذي يزن وقيادته التحرير حتى يكونوا هم في الصدارة لما حصل عليه من تآمر على حياته ومملكته؛ وهذا نستشفه من خلال تدوين القصة عند الرواة وخاصة الطبري، حتى أنهم جعلوا من شخصية سيف شخصية ثانوية بجانب قائد الفرس وهرز الذي أعطوه زمام القيادة في الأحداث!سابعاً: سيف بن ذي يزن حتى ذلك التاريخ لم يكن قد ولد بعد؛ لأن تحرير اليمن من الأحباش كان سنة 565م وذو نواس تم قتله في عام 525 في المخاء أثناء معركة التصدي للأحباش كما يذكر نقش السميفع في عبدان بشبوة، وقد تم اغتياله دون سن الخمسين عاماً، وظهر سيف في العمل الدرامي بعمر 15 عاماً؛ أي سيكون عمره عند التحرير 62 عاماً وهو غير صحيح لا يستطيع تحمل المشاق والسفر من اليمن إلى قيصر ثم إلى كسرى، ناهيك أنه تربى على يد أبرهة في قصره بعد تزوج أبرهة بأمه وهو في المهد، كما يقول الروائيون وليس النقوش!والأقرب أن سيف بن ذي يزن لم يعاصر حروب ذي نواس فقد كان ما يزال رضيعاً على بعض الروايات، فضلاً عن أن يظهر معه في القصة بعمر الفتوة حوالي خمسة عشر عاماً!ثامناً: البطل الحقيقي في مواجهة الأحباش بعد يوسف أسأر أثأرن (ذي نواس) هو السميفع أشوع والد سيف، الذي خاض غمار المقاومة من الداخل رغم أنه تولى الملك في اليمن نائباً عن النجاشي في الحبشة، ويبدو أنها كان ولاءً صورياً لكسب الوقت واتقاء سطوة أبرهة ريثما يعيد ترتيب قواته من خلال ما تكشفه الأحداث

ظهر النعمان في المسلسل أنه خاض المعركة الأخيرة مع ذي نواس، بينما النقوش تذكر أنهما افترقا واختلفا وذهب السميفع (النعمان) إلى مقابلة النجاشي في الحبشة وولاه ملك اليمن تحت وصاية وولاء النجاشي، ولما عاد وجد الجيش الحبشي قد سيطر على الشاطئ وقد قتل سيف، مما جعله يكون جيشاً من الأقيال والقبائل وذهب ليتحصن في عر ماوية، ثم بعد ذلك بدأت مواجهته مع أبرهة ومقاومة الأحباش، وقد خاض الحميريون وبني جدن الذين كانوا حلفاءه بالأمس معركة ضده في تلك المواطن، كما يذكر نقش أبرهة، لتبدأ بعد ذلك قصة ابنه معدي كرب بعد سنة 542م وقد بلغ سن القيادة

تاسعاً: يذكر حوار القصة أبرهة بأنه ابن الصباح، وهو خلط بين أبرهة بن الصباح اليمني الحميري وأبرهة زيبمان ريحماس الحبشي أبي أكسوم، مع أن كل النقوش بشأنه تورد وتورد ذكر حبشت معه، وهذا يعكس الاعتماد على المرويات عند الإخباريين وخاصة الإكليل

عاشراً: هذا العمل يجمع بين العمل الدرامي والسرد الروائي التاريخي (الحكواتي) بحسب إمكانية القناة، عل ما أعتقد، وليس لقصور في الرؤية الفنية، وربما يكون للتوضيح الأكثر بالسرد الروائي، ويمكن أن يؤسس لعمل كبير إن تم دعمه مالياً بموازنات كافية والإبداع فيه، والأخذ بكتاب سيناريو محترفين

قد يكون عدم التطابق الكلي في العمل الدرامي بينه وبين التاريخ مبرراً إن كان العمل رمزياً بالإسقاط الدرامي يعطي المنتج والمخرج مساحة واسعة ومرونة في الطرح، لكن إن تم اعتماده كعمل توثيقي بالدراما فلا بد أن يتطابق كلياً، وما أجمله إن تطابق، كما هو الحال مع مسلسل السلطان محمد الفاتح الذي يعرض حالياً

حادي عشر: ما لم أفهمه هو نقطة الانطلاق من عند امرأة تواجه المؤرخ؛ من تكون المرأة تاريخياً؟ أية رمزية تحملها؟ إلا أن تكون على طريقة الإخراج الفني لأي عمل درامي أو قصص أدبية باتخاذ عنصر الـفلاش باك؛ أي العودة إلى الوراء وليس بناءً تصاعدياً، كنقطة انطلاق تطلق المبرر وشرح العمل على لسان تلك الشخصية لتبدأ رحلة المسلسل من خلال أهمية السرد والتدوين التاريخي، كما هو الحال مع مسلسل صلاح الدين الأيوبي لحاتم علي

من الظلم والإجحاف أن نقارن هذا العمل بأعمال أخرى متكاملة كما في المسلسلات التركية مثلاً، أو السورية، أو المصرية، أو غيرها، وهي التي يتم إنتاجها بإشراف حكومات الدول وبموازنات ضخمة تصل إلى عشرات ملايين الدولارات، بل إن منها ما وصل إلى مائة مليون دولار؛ فهي تتطلب إمكانيات هائلة ولذلك تلقى النجاح والغاية المرجوة منها

نتذكر أنه تم إنتاج مسلسل سيف بن ذي يزن في عام 2003 في اليمن بمليوني دولار تقريباً، وفشل فشلاً ذريعاً، ولم يعرض منه سوى سبع حلقات فقط لاعتماده على الرواية الأسطورية والاعتماد على الفنتازيا أكثر من الواقعية، ما جعل الشعب غير متعاطف معه، وأدى إلى فشله فشلاً ذريعاً

حتى الآن الشخصيات اليمنية الرمزية لم يتم تمثيلها درامياً إلا من خلال الشركات المصرية، أو الأردنية، أو السورية، أو حتى الإيرانية؛ كمسلسلات سيف بن ذي يزن، الملكة بلقيس، وغيرها، وهو ما نفتقره محلياً؛ فالتاريخ اليمني بحر طامٍ في هذه الأحداث التي يمكن أن تنتج أعظم المسلسلات التاريخية لو كان هناك توجه للدولة لدعم هذا العمل الذي –برأيي- يمكن أن يحل كل مشاكل اليمن