توفيق السامعي : مسيرة الهدم والدمار الإمامية من الجزار وحتى الحوثي (الحلقة الرابعة)

منذ 15 أيام

 الإمام أحمد بن سليمانلم تقتصر عمليات هدم الأئمة لخصومهم السنة المخالفين لهم في المعتقد، بل إنهم استخدموا نفس الإرهاب والآليات مع منافسيهم من أبناء جلدتهم ومذهبهم، وحتى من أقاربهم في الدم والنسب

 حيث قام هذا الإمام بغزو حوث سنة 565هـ وحارب (الأشراف) في مصنعة أثافث، فامتنعوا فأخرب قرى بني عبس ودروبهم وقطع أعنابهم( )

 السفاح عبدالله بن حمزةكان عبدالله بن حمزة النموذج الأكثر سوءاً للإمامة بعد الرسي في الإيغال بالإرهاب والتدمير والقتل والنهب والتكفير

ومع ذلك فقد عمل عبدالله بن حمزة، الملقب بالمنصور، بسنة من سبقه من الأئمة في تدمير ونهب وتكفير كل من خالفه، واستباحة دمه وماله وأرضه وعرضه

وقد كان أجرأ وأشرس إمام في التنكيل والبطش والسلب والنهب والاستباحة بالفتوى، مغلفاً عمله هذا بتشريع من لدنه على أنه من الدين

 ففي فتاواه المختلفة المرصودة في كتابه المهذب( )، أفتى باستحلال دماء المخالفين وأعراضهم وأموالهم بالقول: فنقول: الذي لم تجدوه أكثر مما وجدتم، والهادي إلى الحق -عليه السلام- قد فعل ذلك في نجران وعلاف، فإنه هدم المنازل، وقطع النخيل والأعناب، (وأباح الأملاك للعشائر)، وأخذ أموال المهاذر وقسمها أخماساً، وأخذ من حصن النميص أثاثاً عظيماً، وسلاحاً، ومتاعاً، وكذلك ولده الناصر، هدم مدينة بارى وهي مدينة كبيرة، ومدينة الكلائج وقطابه، وأخذ أموال قُدمْ جملة، ولم يميز مال اليتامى والأرامل، وكذلك فعل عبد الله بن الحسين - عليه السلام - مع بني الحارث، أخذ أموالهم وقسمها بين الغانمين، وخرب إبراهيم بن موسى بن جعفر - عليهم السلام - سد الخانق بصعدة وكان عليه بساتين عظيمة فخربت إلى وقتنا هذا وهو داعي محمد بن إبراهيم بن إسماعيل - عليه السلام -، وما بقى من الأحكام فهي للتفرقة بين الكفار وبينهم

وتابع تلك الفتوى بالقول: ولا نجيز سلب ما يواري النساء من الثياب، وأقول إن ذلك عقوبة للمستحقين ومحنة على الآخرين يعيضهم عليها رب العالمين، إلا من علم من النساء أنها راضية بما يفعل الظالمون فإنها من الغابرين [يعني يجوز قتلها؛ لأن الغابرين: الهالكين]، وقد فعل الله –سبحانه- مثل ذلك في الأمم الماضية وهو أقدر القادرين على تمييز المستضعفين والأطفال من الجبارين، ولأن ذلك معلوم لنا في سلفنا الصالحين، فإنهم فتحوا الأمصار الكبار، والمدن العظام، فلم يعلم أنهم ميزوا بين الأملاك، ولا استخبروا عن الملاك، بل جعلوا الحكم للأعم الأكثر كما ذكرنا عنهم؛ لأن من سكن في بلاد البغاة كان حكمه في جواز الأخذ والقتل حكمهم؛ لأن الحكم للأعم الأغلب، كما نقول في المسلمين إذا سكنوا دار الحرب وكانت لهم أملاكٌ هناك، وأهل زماننا ليسوا من البغاة في شيء؛ لأن الباغي هو من يحارب الإمام على أنه محق والإمام مبطل فيكون متأولاً في حربه، كما كان في الخارجين على علي - عليه السلام( المهذب: ج1 – صـ444

مصدر سابق)

  كان للسلطان الطغتكين بن أيوب بستان صنعاء الذي سمي باسمه إلى اليوم، المعروف ببستان السلطان في صنعاء القديمة، وبنى فيه الدور والمعارج، وأجرى إليه غيل البرمكي، وبنى الدار السلطانية في صنعاء، وبالغ في بنائها وزخرف غرفاها بالذهب وألوان الصناعات، وجعل فيها حماماً وبركة يطلع منها الشذروان [ما تسمى اليوم النافورة] وأجرى الأنهار حولها، وكانت البساتين حافة بها، فيها صنوف الأشجار والرياحين والأزهار، فأخرب بعض هذه الدار الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة ونقل بعض أبوابها وأخشابها إلى ظفار (غاية الأماني 373)وفي حجة بعد موت السلطان الطغتكين بن أيوب قام عبدالله بن حمزة بدعوة الإمامة مجدداً، فأرسل جيشه إلى حضور فأخربوا قصبة محيب ودرب ظلمان (غاية الأماني)، ثم أخرب حصن لاحج في سنحان، ثم ما لبث عبدالله بن حمزة أن يحاصر أهل يام وقام بتخريب دروبها بعد أن تحصن أهلها بالجبال (غاية الأماني374)

لم يقف عبدالله بن حمزة عند خراب تلك البلاد وتدمير قراها وبيوتها التي ذكرت آنفا، بل إنه واصل مسيرته التدميرية في كل مكان يطأه مع مليشياته، هذه المرة في مدينة هجر من حراز وأقام الإمام في تلك الجهة حتى أخربت البلد (غاية الأماني350)، كما قام بمنطقة الجنات [منطقة في عمران]، فخرب سورها ودورها ودفن خندقها، كما قام أخوه يحيى بن حمزة بإخراب بعض مناطق حجة في سنة 597هجرية

 وفي سنة 599 هجرية قام إبراهيم بن حمزة، أخو الإمام عبدالله بن حمزة بغزو حصن تلقم في ريدة، الذي بناه علي بن مصور المرهبي وكان والٍياً له للأيوبيين، وأخربه إبراهيم بن حمزة

 في سنة 601 هجرية أخرب عبدالله بن حمزة حصن الكولة ومحلات غيره في عمران بعد محاربته أمير الأكراد للأيوبيين ورد سار

وفي سنة 603 أرسل عبدالله بن حمزة أخاه بجيش إلى مدينة المهجم من سردد بتهامة فأوقع بهم وأحرق منازلهم( )

في سنة 611، سبب صراع الأيوبيين مع مماليكهم الأكراد والترك ضغفاً كبيراً للدولة بعد مقتل الناصر بن الطغتكين بن أيوب، واستغل عبدالله بن حمزة الفرصة وهجم على صنعاء واستولى عليها وعلى ذمار، واستقر له الأمر، ثم فتح الحرب أيضاً على المطرفية فأمر عبدالله بن يرحب بإخراب مسجد المُطرفية في سنع، وإخراب وقش –دورها ومساجدها- فأخربت، وحملت أخشابها إلى قاهرة ظفار ، وخرج أهل وقش إلى آنس وخولان، وذهبوا كل مذهب

كان السفاح ابن حمزة يرى مساجد المخالفين له أنها ضرار يجب هدمها؛ فقد جاء في كتاب المهذب في فتاوى الإمام عبدالله بن حمزة: ومساجد المطرفية والباطنية والمشبهة والمجبرة لا حكم لها ولا حرمة؛ لأنها أسّست على جرفٍ هارٍ وهي مساجد ضرار، والمشبهة والمجبرة هم أهل السنة، ومساجد الضرار هي مساجد الكفار

وجاء في كتاب المنتزع المختار من الغيث المدرار المفتح لكمائم الأزهار في فقه الأئمة الأطهار للعلامة عبد الله بن مفتاح (قال أبو طالب لا يصح الوقف على مساجد المشبهة والمجبرة

وقال ص بالله مساجد المشبهة والمطر فيه والمجبرة لا حكم لها ولا حرمة وأخرب كثيراً منها وسبل بعضها)

وهذا الكتاب هو العمدة في الفقه الهادوي، وهو يحكي إخراب الإمام عبدالله بن حمزة للكثير من مساجد أهل السنة و(ص بالله) إشارة إلى الإمام عبدالله بن حمزة( )

ولم تكن سياسة هدم المساجد من قبل الأئمة لتقتصر على السنة فقط، بل تعداها إلى بعض الفرق الزيدية كالمطرفية الزيدية والشيعية الأخرى كالإسماعيلية مثلاً في همدان وحراز وغيرها

 عمل عبدالله بن حمزة جهاده ضد المطرفية وقام بملاحقتهم أينما كانوا, وفي أية منطقة حلوا, أبادهم في وقش وفي هجرة قاعة التي أباد خضراءها, وأتلف تراثها العلمي وهدم وأخرب مساجدها, وطاردهم حتى وصل إلى ذمار وعنس يسفك الدماء ويقتل الأبرياء, ويهلك الحرث والنسل ويمارس العنف والإرهاب في وحشية لا مثيل لها حتى استطاع عبدالله بن حمزة أن يقضي على المطرفية أفراداً وأفكاراً وألزمهم مالا يلزم

قام عبدالله بن حمزة بإرسال جيش لغزو مدينة المهجم في شوال من سنة 611 هجرية، فأحرقها وعاد ذلك الجيش، لتصير خراباً حتى أعاد بناءها وإحياءها مؤسس الدولة الرسولية الملك المنصور عمر بن علي رسول

 كما عمل هذا الإمام على هدم وخراب دور قادة المماليك في صنعاء الذين يسمونهم بـالغز بعد دخوله إليها مرة أخرى واستقراره فيها، حتى طرده منها الملك المسعود الأيوبي سنة 612 هجرية

 الإمام إبراهيم بن أحمد تاج الدين الشريفعاصر هذا الإمام الملك المظفر يوسف الرسولي، وأراد القضاء على دولة بني رسول، فجيش الجيوش، وحشد الأتباع، وبدأ في أخذ بعض القرى المحيطة بصنعاء وذمار

فقد كان هناك عهود ومواثيق واتفاقات بين الملك المظفر وبين الإمامة بعد مقتل أحمد بن الحسين، والحسن بن وهاس

لكن في جمادى الأولى من سنة 671ه نقضت الزيدية العهد بينها وبين الملك المظفر الرسولي، على الرغم من أن الملك المظفر كان أقطعهم جهران ونواحي ذمار، وقامت معهم علماء الزيدية في تلك الناحية فساروا في جموع عظيمة إلى ذمار فدخلوها قهراً وقتلوا جماعة من الرتبة الذين كانوا فيها وخفروا الباقين وأخربوها خراباً كلياً( )

يتبع