حفظ لحوم الأضاحي “دون كهرباء”
منذ 3 ساعات
تعز- معاذ مدهشقبل عيد الأضحى بيومين، تخرج “فاطمة علي” مسنة، إلى حوش منزلها في مديرية المعافر، تعز، تحمل حبلين وتتعامل معهما بعناية
لا يفهم كثير من أحفادها اشتغالها بالحبال في أيام الأضحى
تغسل فاطمة الحبلين بالماء والملح، وتعرضهما للشمس وتتركهما هناك
في صباح العيد، وبعد أن تكتمل طقوس ذبح الأضحية والانتهاء من تقطيعها، تُترك قطع اللحم في صحن، لتجف قليلًا، وما إن يزول منها الدم تجلس فاطمة إلى جانب قطع اللحم، وتضع طبقةً من الملح على كل قطعة، ثم تبدأ برصفها على الحبل قطعةً وراء أخرى أشبه بحبات المسبحة، تعرف فاطمة المسافات التي ينبغي أن تتركها بين القطعة والأخرى، وتعرف أي قطعة تصلح للتعليق وأيها لا تصلح، فهذه مهمة كررتها عشرات المرات في سابق السنوات
عندما يمتلئ الحبل، تحمله إلى غرفة ذات تهوية جيدة، وتعلقه في سقف المنزل، ترفعه في مسافة بعيدة عن وصول الأطفال، وتُبقى الأبواب والنوافذ مفتوحةً لدخول الريح، وهكذا تبدأ رحلة حفظ اللحم كما بدأت قبل عقود مع أمهات وجدات سبقنَ فاطمة، وهناك يبقى اللحم معلقا في العادة نحو سبعة أيام، وهي مدة كافية، بحسب سكان القرى، لتقليل رطوبته وإطالة فترة الاستفادة منه بعد العيد
تُعرف هذه الطريقة بـ”التجفيف والتقديد” وتستعمل في المناطق الريفية التي لا تصلها الكهرباء أو يكون فيها التيار الكهربائي ضعيفًا
وتتم عبر تقطيع اللحم إلى شرائح رقيقة، ثم تمليحه جيدًا وتركه حتى يتشرّب الملح، ثم تعليقه في مكان جيد التهوية ونظيف، مع الحرص على حمايته من الحشرات والأتربة
وتُساعد طريقة التقديد في الحفاظ على اللحم لفترة طويلة نسبيًّا، بحسب هيومن ابيل
بالنسبة للأجيال القديمة، لم يكن حفظ اللحم بهذه الطريقة ترفًا أو خيارًا إضافيًا، كان ضرورةً فرضتها ظروف الحياة وما زالت، فالأضحية تمثل مصدرًا مهمًا للحوم طوال العام، ومن الصعب استهلاكها خلال يوم واحد، كما أن الحصول على اللحم في بقية أشهر السنة لم يكن متاحًا بسهولة لكثير من الأسر الريفية، وليس هناك وسيلة أخرى للتبريد والحفظ، ولهذا لجأ الناس إلى الملح والهواء وهي عناصر مقدور عليها في كل بيت تقريبًا
ولا تقتصر هذه الممارسات على منطقة واحدة، فبحسب الناشطة المجتمعية، فريدة المحمدي، فإن طرق حفظ لحوم الأضاحي تختلف وفق العادات والإمكانات داخل كل بيت
وتوضح أن بعض الأسر في مناطق بريف صنعاء تلجأ إلى ما يعرف محليًا بـ”التشويح”، وهي طريقة تعتمد على طهي اللحم جزئيًا أو بالكامل على النار مع التقليب المستمر حتى يفقد جزءًا كبيرًا ممن رطوبته، ثم يُترك ليبرد قبل حفظه في أوانٍ أو قدور محكمة الإغلاق، وبهذه الطريقة يمكن الاحتفاظ به لفترة أطول، مع إخراج كمية صغيرة منه كل يوم وإعادة تسخينها عند الحاجة
تضيف المحمدي أن اليوم الأول من العيد يخصص غالبًا لطهي الأجزاء سريعة التلف مثل الكبد، والأحشاء، بينما تحفظ بقية اللحوم بطرق مختلفة بحسب ظروف كل أسرة
وترى فريدة أن هذه الممارسات نشأت في بيئات ريفية كانت تفتقر لوسائل التبريد الحديثة، وتفرض واقعًا معيشيًا يجعل من حفظ اللحم ضرورةً عملية مرتبطة بإدارة الطعام بعد موسم الذبح، أكثر من كونها مجرد عادة تقليدية موروثة
وتشرح “أروى أحمد”، من محافظة حجة، طريقة إعداد ما يعرف محليا بـ”المحشوش” وهي طريقة لحفظ اللحم، تبدأ بتقطيع اللحم إلى قطع صغيرة، ثم طهيها على نار هادئة مع إضافة البهارات المعتادة
وتقول: “يُترك اللحم حتى ينضج بالكامل مع التحريك المستمر، فيما تتشكل فوقه طبقة من الدهن الأصفر تعد العنصر الأساسي في عملية الحفظ”
وتضيف: “هذه الطبقة الدهنية تعزل اللحم وتحميه من التلف، مؤكدة أن وصول الماء إليه قد يؤدي إلى فساده ولو قطرة واحدة”
كما يمكن الاحتفاظ بالمحشوش لمدة تصل إلى عام كامل إذا جرى تخزينه بطريقة صحيحة وبعيدًا عن الرطوبة
لحوم الأضاحي مصدر هام للتغذية، والطرق الصحيحة لحفظها أمر حاسم لاستمرار استهلام الأسر للحوم بعد فترة انقضاء الأضاحي
التربوي “أحمد النبهاني”، من مديرية شرعب، بمحافظة تعز، يقول: “إن وسائل التبريد لم تكن متوفرة في القرى سابقًا، إذ كانت الكهرباء منعدمة في كثير من المناطق، لكن البدائل الحديثة مثل الثلاجات أو استخدام الثلج داخل أوعية تبريد “ترمس” باتت موجودة اليوم، غير أن بعض القرى ما تزال تحتفظ بعادة تعليق اللحم خلال أيام العيد بوصفها وسيلة عملية وموثوقة للحفظ”
ورغم دخول الثلاجات ووسائل التبريد والطاقات البديلة إلى كثير من البيوت الريفية، ما زالت هذه الطقوس حاضرة في كل عيد استمرارًا لعادات أقدم من الكهرباء نفسها، عادات تتكرر كل عام، وتجد لنفسها مكانًا بين تفاصيل الحياة الجديدة
وبحسب الوكالة اليابانية للتعاون الدولي “جايكا” فإن أقل من 42% من سكان اليمن لديهم وصول إلى الشبكة الكهربائية وأن تغطية الشبكة الكهربائية في مناطق الريف لا تتجاوز 23%
ويقول البنك الدولي إن الكهرباء المتاحة من مصادر عامة تكاد تكون منعدمة في العديد من مناطق اليمن
ووفقًا للمسح النوعي الذي أجراه البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع في محافظات: إب، حضرموت، وصنعاء، تمضي 56% من الأسر اليمنية أيامًا بدون أي مصدر للكهرباء
ووصل استهلاك السكان في اليمن للحوم بما في ذلك الحمراء والدواجن في عام 2013 إلى 400 ألف طن، استورد اليمن خلالها أكثر من ربع هذه الكمية من الخارج، بحسب صحيفة الثورة الحكومية
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن