خطاب الكراهية ضد النازحين.. بين التكافل وضجيج العالم الافتراضي

منذ 3 ساعات

عدن- هيفاء العديني“في اللحظة التي كنا نبحث فيها عن ملاذٍ آمن، سقط صاروخ لينهي سكينتنا

أفقتُ جريحًا بجوار زوجتي وأطفالي، لأجد نفسي فاقدًا لأمي وأختي في لحظةٍ واحدة”

  بهذه الكلمات الموجعة، يختزل “زهران علي”، النازح من الخوخة إلى عدن، مأساة نزوحه من مسكنه هربًا من النزاع الذي عصف بالأمن الاجتماعي والأسري في منطقته

فرّ زهران من داره بعد منتصف ليل 9 سبتمبر الماضي؛ نتيجة المواجهات بين جماعة الحوثي والقوات الحكومية

وشهدت مناطق جنوب الحديدة وغرب تعز، موجة نزوحٍ للآلاف من السكان باتجاه تعز، لحج، عدن ووجهات أخرى

ووصل عدد النازحين منذ يونيو حتى مطلع أكتوبر الماضي إلى أكثر من 200 ألف شخص، بحسب “المنظمة الدولية للهجرة“

وكانت المنظمة قالت في تحديثٍ لها نشر الخميس الماضي: “إن تعز استقبلت نحو 57% من إجمالي النازحين، تلتها لحج بنحو 25%، ثم الحديدة بحوالي 8%، وعدن بقرابة 3%

فيما توزع بقية النازحين على أبين، حضرموت، ومأرب”

لم يكن زهران الوحيد الذي فرّ تاركًا خلفه كل شيء؛ مجردًا من أي مأوى أو قوت، بل هو واحد من مئات الأسر التي فرّت بأرواحها بحثًا عن النجاة

يقول زهران في حديث لـ”المشاهد”: “نُقلنا في البداية باتجاه باب المندب عبر طقمٍ التقينا به صدفة، ومن هناك واصلنا السير على الأقدام حتى أسعفنا سائق سيارة أخرى وأوصلنا إلى مدينة عدن

وصلنا إلى شوارع وأحياء نجهلها تمامًا، وتوجهنا إلى مستشفى الصداقة القريب من مكان نزولنا، لكن تعذر استقبالنا كجرحى؛ لنجد أنفسنا في العراء مجددًا، لا نعلم إلى أين نذهب”

ورغم قسوة التشرد المفاجئ الذي يعصف بحياة النازحين، تأخذ قصة زهران منحىً إنسانيًا مختلفًا يجسد التكافل الاجتماعي في أبهى صوره

ففي غمرة ضياعه، التقاه أحد أبناء مدينة عدن، وما إن علم بظروف نزوحه حتى استضافه في منزله، مقدمًا له المأوى والرعاية، ليتقاسما معًا الطعام والشراب

ويضيف زهران بامتنان: “بعد أن أخبرته بما حدث لنا، ظل يبحث معي عن أمي وأختي لمدة 12 يومًا حتى تلقينا خبر وجودهما في مستشفى الجمهورية وأخرجناهما

لاحقًا، انتقلتُ مع أسرتي إلى مخيم الشعب، لكن الوضع كان مزريًا؛ الخيام بالكاد تتسع للأسر، وأمي مريضة تتنقل بين المستشفيات؛ ما اضطرني لاقتراض المال ورهن ذهب زوجتي لاستكمال علاجها، خصوصًا أنها كانت حينها حاملًا في شهرها الأخير”

ولا تقتصر هذه المشاهد الإنسانية على مدينةٍ أو حالةٍ بعينها؛ ففي منطقة الصافية، بتعز، يتكرر مشهد التكافل ذاته مع نازحةٍ أخرى قادمة من منطقة الوازعية

تتحدث “أم محمد” (اسم مستعار) لـ”المشاهد” عن رحلة نزوحها الشاقة قائلةً: “نزحتُ من منزلي وسرت على الأقدام لثلاثة أيامٍ متواصلة برفقة بناتي السبع، وها أنا اليوم في ضيافة أهالي المنطقة الذين فتحوا لنا أبواب منازلهم، نتقاسم معهم الأكل والشرب، ويقدمون لنا المساعدة بكل ما يتوفر لديهم”

وبينما كانت الروابط المجتمعية على الأرض تحتضن مأساة زهران ومئات الأسر النازحة وتتقاسم معهم رغيف النجاة، كانت شاشات الهواتف الذكية تضج بواقعٍ افتراضي موازٍ ومختلف تمامًا

ففي الوقت الذي تُفتح فيه أبواب الأحياء المضيفة للنازحين، تتسيد لغة التوجس وخطابات التحريض منصات التواصل الاجتماعي؛ لتشكل واحدةً من أخطر التحديات التي تحاول العبث بالتماسك الاجتماعي

 وبمتابعة ما يُضخ عبر منصات التواصل كـ(فيسبوك وإكس)، يبدو جليًا كيف يُوظف هذا الخطاب المأزوم لزعزعة الاستقرار النفسي وتشويه قيم التعايش؛ حيث تتداول بعض الحسابات منشوراتٍ تحمل اتهاماتٍ وتعميمات تربط النازحين بالفوضى وانعدام الأمن، وتحمّلهم بصورةٍ جماعيةٍ مسؤولية أزماتٍ تتجاوز ظروف نزوحهم القاهرة

  ولا يقف هذا الخطاب عند حدود إبداء المخاوف، بل يتعداه في بعض الحالات إلى نشر شائعاتٍ ووصم جماعي يعمق النظرة السلبية تجاه الوافدين الجدد، ويضعف فرص اندماجهم

ورغم أن هذا الضجيج الإلكتروني غالبًا ما يصطدم ويتلاشى أمام حقيقة المجتمع ومبادراته العفوية، إلا أن حجم التفاعل الرقمي مع هذه المضامين يطرح تساؤلاتٍ جادة حول مدى تأثيرها في تغذية التوترات المجتمعية

 ولفهم طبيعة هذا الخطاب وحجمه، اعتمد التقرير منهجية رصدٍ استهدفت عينةً من المنشورات المتداولة خلال الفترة من 1 إلى 30 سبتمبر 2026، مع الكلمة المفتاحية “عدن”

وتركّز البحث حول الكلمات المفتاحية المرتبطة بالنزوح، إلى جانب رصد عباراتٍ واتهاماتٍ متداولة ضد الأسر النازحة، من بينها وصف بعض الأسر بـ”الجواسيس” أو “السرق”

وبعد فرز المواد التي تتضمن تمييزًا أو تعميمًا، جرى توثيق بياناتها الرقمية (تاريخ النشر، ومستوى التفاعل)، وأرشفتها تقنيًا باستخدام أداة Archive

today؛ لضمان الاحتفاظ بنسخةٍ مؤرشفة من المواد المرصودة قبل تعرضها للحذف أو التعديل؛ وللوقوف على حجم هذا الضجيج الافتراضي، يُوضح الجدول التالي أبرز أنماط الخطاب التمييزي والتحريضي المتداول ضد النازحين، مبينًا مستوى التفاعل والوصول الرقمي:وتشير سردية هذه المنشورات إلى حضور خطابٍ تحريضي وتمييزي ضد النازحين في الفضاء الرقمي، دون أن يكون ذلك بالضرورة انعكاسًا مباشرًا لما يجري على الأرض

ومن منظور سوسيولوجي، يظل التكافل مبدأً حيًا يُستمد من قوة العلاقات الإنسانية المباشرة، ويُمثل “رأس مالٍ اجتماعي” متين يصعب تفكيكه بشاشة هاتف

 وفي هذا السياق، يُفسر الباحث الاجتماعي وأستاذ “خدمة الجماعة” في جامعة تعز، وضاح فرحان، الأسباب التي تجعل الواقع الميداني أكثر مناعةً وإنتاجية من الفضاء الرقمي

ويقول في حديثه لـ”المشاهد”: “الواقع المعاش يزخر بالتواصل الحيوي والتبادل الإنساني المباشر، في حين يعجّ الفضاء الرقمي بأشخاص يتخفون غالبًا خلف هوياتٍ وهمية؛ لذلك، يظل التأثير الحقيقي والرسالة الأقوى هي تلك التي تُنقل وجهًا لوجه”

 ويشير فرحان إلى أن قوة شبكات التكافل الاجتماعي في اليمن ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لإرثٍ تاريخي راسخ يتجلى في إيواء عابري السبيل واحتضان الأسر خلال الأزمات

ولمواجهة الضجيج الافتراضي، يشدد فرحان على أهمية اضطلاع الإعلاميين والناشطين بدورٍ إيجابي يُقرّب المسافات بين الوافدين الجدد والمجتمع المضيف، من خلال تبني مبادراتٍ تطوعية تدمج النازحين وتعمل على دحض الشائعات وتفنيدها على أرض الواقع

وعلى صعيدٍ آخر، تتسع رقعة التحديات لتمتد إلى مناطق نزوحٍ متعددة تتقاسم فيها الأسر المأساة ذاتها

وفي هذا السياق، تؤكد الناشطة وعضو المجموعة الاستشارية العالمية للنازحين داخليًا، أمة الله عبدالله، أن الرهان الأكبر يعتمد على الوعي الأهلي”

وتقول لـ “المشاهد”: “رغم قسوة الظروف وتدهور الأوضاع المعيشية، لم يتوانَ المجتمع المضيف عن فتح بيوته وتقاسم الرغيف مع النازحين

ونحن كنشطاء نواصل قيادة مبادراتٍ محليةً لنقل هذه المعاناة للجهات الدولية، إلى جانب تقديم الإغاثة العاجلة وتوفير الوجبات الغذائية في عدة مخيمات، منها: الظهر، الدار الجديد، والقحفة الحمراء”، في مديرية الشمايتين، جنوب تعز

 وتوضح أمة الله أن هذه المبادرات المجتمعية تسهم في سد فجوةٍ عميقة تخلفها الاستجابة الإغاثية؛ إذ تتسم عمليات تقديم المساعدات عبر المنظمات بالتأخير أحيانًا، أو بالانتقائية التي تستهدف أسرًا وتستثني أخرى، فضلًا عن إغفال الدعم الموجه للمجتمع المضيف الذي يتحمل عبئًا إضافيًا

وتكشف المعاينة الميدانية في عدة مخيمات عن إشكاليةٍ تنظيمية تتمثل في حصر التسجيل على النازحين الجدد وإغفال الأسر التي نزحت سابقًا؛ ما يخلق حالةً من التوتر والحساسية النفسية بين الأسر المتضررة ذاتها

لاستكمال المشهد من زاويته المؤسسية، يشير مدير إدارة نظم المعلومات والتقارير في الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، الدكتور أحمد الأنصاري، إلى أن هناك جهودًا حقيقية تُبذل في عدن ومحافظات أخرى، لكنها تظل محدودة في ظل تحدياتٍ إدارية أوسع

  ويوضح الأنصاري أن غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة وتشتت آليات إدارة ملف النزوح؛ أضعف أثر الكثير من التدخلات الإيجابية وضاعف من أعباء الأسر النازحة

ويضيف قائلاً: “تواجه الأسر النازحة تحدياتٍ معقدة في المجتمعات المضيفة تتباين من محافظة إلى أخرى

ونحن في الوحدة التنفيذية نعمل بالتعاون مع السلطات المحلية والمجتمعات المضيفة على تقليص هذه الفجوة، من خلال رفع مستوى الوعي لدى مندوبي الوحدة في الميدان، بما يسهم في بناء جسور الثقة وخفض مستوى التوتر”

في عالم الخوارزميات، تتسابق المنصات الافتراضية لرفع مؤشرات التفاعل، غالبًا على حساب السلم المجتمعي

ويفسر استشاري الأمن والسلامة الرقمية، فهمي الباحث، هذه الديناميكية موضحًا أن خوارزميات تلك المنصات تعتمد بصورةٍ أساسية على مؤشرات التفاعل كالتعليقات والمشاركات؛ ولأن المحتوى الصادم أو المثير للغضب والخوف يدفع المستخدمين للتفاعل السريع، فإنه يحظى بانتشارٍ أوسع

 ويشير الباحث في حديثه إلى أن الأصوات التحريضية المنظمة تكون عادة أكثر نشاطًا، وتلجأ أحيانًا إلى استخدام حساباتٍ وهمية أو حملات منسقة لتضخيم الخلافات

في المقابل، يؤكد أن مساحات التعايش اليومي والعلاقات الطبيعية بين الناس لا تتحول غالبًا إلى محتوى رائج؛ ما يجعل التوتر الافتراضي يبدو أكبر بكثير من حجمه الحقيقي على أرض الواقع

 ولمواجهة هذا الفخ الرقمي، ينصح الباحث المستخدمين بضرورة التريث، مضيفًا: “على المستخدم أن يتوقف قليلًا قبل التعليق أو المشاركة، وأن يتحقق من مصدر الخبر وتاريخ نشره وسياقه بمصادر موثوقة

كما ينبغي الحذر من العناوين العاطفية الاستفزازية والصور المجتزأة

والأهم من ذلك كله هو عدم التفاعل مع الشائعة، حتى وإن كان بقصد مهاجمتها وتفنيدها؛ لأن التعليق والمشاركة يساعدان الخوارزمية في النهاية على توسيع نطاق انتشارها”

وبينما تواصل الأسر النازحة البحث عن الأمان في مدنٍ لم تكن تعرفها، تكشف المبادرات المحلية عن مساحةٍ واسعة من التضامن لا تظهر بالقدر نفسه على شاشات الهواتف

وفي المقابل، يظل الخطاب التحريضي قادرًا على الانتشار وإعادة إنتاج المخاوف والشائعات؛ ما يجعل مواجهة أثره مسؤوليةً تتجاوز الرد على منشورٍ أو تفنيد شائعة، إلى تعزيز الوعي والروابط التي تحافظ على التعايش في الواقع

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected][related_posts] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن