د. تركي القبلان : اليمن بين الاحتواء والتفكيك: صراع القراءتين السعودية والإماراتية
منذ 3 أيام
د
تركي القبلان من لا يعيش على حدود اليمن يظنه ملفًا سياسيًا يمكن إدارته ، ومن يجاوره يعرف أنه قدر تاريخي لا يُدار بل يُحتوى
هكذا أخطأت الإمارات حين نظرت إلى اليمن بوصفه مشروع نفوذ قابلًا للتجزئة، وخريطة يمكن قصّها بالمسطرة وإعادة رسمها وفق توازنات لحظية
في المقابل قرأت السعودية اليمن بوصفه معادلة وجود لا تحتمل العبث؛ جسدًا حيًا متصل الأعصاب، إذا أُسيء لمسُه نزف الإقليم كله
الفارق هنا ليس في الأدوات ولا في النوايا المعلنة والمبيتة، بل في عمق الفهم: بين من يتعامل مع الجغرافيا كمساحة هندسية ، ومن يدركها ككائن حيّ إذا انهار طرفه اختلّ الكل
ثمة فرق جوهري بين أن تُدرِك المكان مساحةً وأن تدركه كينونةً
الإمارات عاملت اليمن كمشروع هندسي قابل للحساب، بينما قرأته السعودية كامتداد عضوي لكينونتها، كالقلب من الجسد لا يُستأصل دون أن ينزف الكلّ
الجغرافيا ليست معطىً محايدًا يُرسم على الورق، بل علاقة وجودية تتشكل عبر القرون تنسج خيوطها الدماء والتجارة والحروب
الجوار قدر لا يُدار بالحسابات الباردة، بل يُحتوى بالوعي التاريخي والإدراك أن مصيرك مرتبط عضويًا بمصير جارك
من لا يعيش على الحدود يرى اليمن ملفًا قابلاً للأرشفة، ومن يجاوره يعرفه مرآة تعكس وجهه كل صباح
القُرب الجغرافي ينتج معرفة حسّية يصنعها الخوف اليومي من الانهيار
السعودية موجودة-في-اليمن بالمعنى الهايدغري؛ ككيان يُعاني معه ومنه وفيه ، يتنفس غباره ويخشى انفجاره
الإمارات ظلت خارج هذا الانخراط الوجودي، تنظر من برج زجاجي حيث الخرائط أنيقة والسيناريوهات قابلة للتبديل “كألعاب البلايستيشن”
حين تتعامل مع اليمن كخريطة على طاولة فأنت تتخيل أنك قادر على قصّ أجزائه وإعادة لصقها بترتيب جديد
هذا وهم الديكارتية السياسية: الاعتقاد بأن الكل مجرد أجزاء قابلة للفك والتركيب
لكن اليمن عضوية حية نابضة بالتاريخ
في الفلسفة العضوية لوايتهيد الكل أكبر من أجزائه، والأجزاء لا معنى لها إلا في سياق الكل
إذا قطعت يدًا من جسد لم تعد يدًا بل قطعة لحم ميتة
هكذا اليمن: جنوبه لا يحيا منفصلًا عن شماله، وساحله ميت بلا عمقه الجبلي
محاولة الإمارات تجزئته كانت جراحة على جثة تنتج مزيدًا من الموت
القدر التاريخي لا يُدار بل يُحتوى
الإدارة تفترض السيطرة الكاملة، والاحتواء يفترض التواضع العميق أمام قوى لا تُروَّض بالقوة بل تُوجَّه بالحكمة
السعودية بحكم جوارها الممتد قرونًا تعلم أن اليمن لا يُبنى عليه سدّ دون أن ينهار، بل يُحتوى بقنوات ذكية تمتص فيضانه
الإمارات نظرت إلى التقسيم بوصفه أداة وظيفية تُنشئ فراغات سياسية يمكن لإسرائيل أن تتنفس عبرها وتتمدّد منها، بينما قرأته السعودية ككسرٍ مباشرٍ لمنظومة الأمن القومي العربي ، وتمكينٍ للأعداء لا يرقى إلى الخطأ الاستراتيجي فحسب بل يلامس حدّ الخيانة التاريخية
اليمن جسد حي متصل الأعصاب وهذا حقيقة فلسفية لا مجاز أدبي
مرلو-بونتي تحدث عن الجسد كشبكة إحساس: إذا جرحت إصبعك فالألم يتردد في الدماغ ويؤثر على كامل الوعي
هكذا العلاقة بين السعودية واليمن: علاقة أعصاب حية تنقل الألم
حين ينزف اليمن تشعر السعودية بالنزيف في عمقها الاستراتيجي وأمنها القومي
الإمارات البعيدة عصبيًا لم تشعر بالألم إلا متأخرًا حين صار مشروعها “الأنيق” كابوسًا يطاردها في عدن وحضرموت والمهرة حتى خرجت من أضيق الأبواب
الفرق الجوهري بين السعودية والإمارات هو فرق في المعرفة والوجود معًا
السعودية تعرف نفسها من خلال اليمن؛ حدودها الجنوبية مرآة وجودية تذكّرها أن الأمن لا يُشترى بالمال بل يُبنى بالفهم والاحتواء
الإمارات ترى اليمن مشروعًا استثماريًا يُحسب بالأرقام الباردة
الأولى تتعامل مع الجغرافيا كقدر محتوم، والثانية كخيار قابل للتبديل
وهنا المأساة: من يظن أنه يدير الجغرافيا “بفهلوته الطائشة” تديره الجغرافيا بقوانينها الصارمة
ومن يعرف أنها قدر يحتويها بحكمة دون أن يفقد سيطرته على ديناميكياتها
الجغرافيا ليست علمًا محايدًا، بل فلسفة وجود تُعاش على الحدود ، حيث كل خطأ في الفهم يكلف أجيالاً ثمنًا باهظًا من الدم والدمار