د. عبدالقادر الجنيد : إيران لا تريد إنهاء الحرب مع ترامب … ودرس لمعضلة اليمن المؤلمة
منذ 11 أيام
د
عبدالقادر الجنيد وأخيرا، جاء الرد من إيران على شروط ترامب التي تطلب منها الاستسلام
ترامب غاضب من رد إيران
وإيران ردت على ترامب بغضب أكبر
ثم سكت ترامب
من الذي حقا يريد إنهاء الحرب: أمريكا القوية؟ أم إيران المدمَّرة المنهكة؟وما هي الدروس في صراعات اليمن؟ **أولا: رد إيران من عالم آخر**كان ترامب يظن بأنه قد وضع إيران داخل عالمه ومنطقه الخاص وقد ضغط عليها بحيث تعقد صفقة حسب شروطه وحسب كتابه فن عقد الصفقات
رد إيران جاء من عالم آخر:*أولا وقبل كل شيء:يجب على أمريكا إعلان إنهاء الحرب وعدم العودة إليها في جميع الجبهات (لبنان، أيضا)،ترفع أمريكا الحصار عن إيران، وتزيل العقوبات الاقتصادية، وتعيد الأموال الإيرانية المجمدة،وتعترف أمريكا بحق سيادة إيران على مضيق هرمز
وبعد ذلك، تأمر إيران:تتم المفاوضات على كل المسائل الباقية عن البرنامج النووي وكل أزمات المنطقة وبدون أي ضغوط أو تهديدات
**ثانيا: إيران هي التي تريد إدخال ترامب إلى عالمها**إيران تريد إعادة التعريف بالكامل لإطار وطبيعة الصراع في المنطقة
وليس مجرد المفاوضة على وقف إطلاق نار مقابل وقف تخصيب يورانيوم
١- صفقة على الطريقة الإيرانية*إيران تُعَلِّم ترامب من كتاب: فن عقد صفقات طهران:من يتحكم بأمن الخليج؟ من يتحكم بشرايين الطاقة في العالم؟ من الذي يضع قواعد التفاوض؟ من الذي فعلا هو صاحب السيادة في هرمز؟٢- المسألة ليست يورانيوم ولكنها نظام المنطقة*أمريكا، شخصت خطر إيران لعقدين من الزمان على أنها: تخصيب يورانيوم، وصواريخ، وميليشيات في بلاد عربية، ومواجهتها بعقوبات
الرد الإيراني يقلب التشخيص الأمريكي رأسا على عقب، وتقول:قبل مناقشة برنامجنا النووي، يجب أولا الإقرار بالحقائق الجيوسياسية، وهذا يعني:توقيف الحرب، وتوقيف الحصار، وتوقيف التعامل مع إيران على أنها دولة معزولة معاقبة منهكة، والإقرار بسيطرة إيران على هرمز، التعامل مع إيران كدولة إقليمية كبرى ذات سيادة وطنية
… هذا جرأة من إيران
… هذا غسيل مخ كامل لأمريكا من قبل إيران
٣- الأنظمة العقائدية والثورية تتحمل الألم أكثر*هذه حقيقة تاريخية متكررة
العراق أيام الحصار، كوريا الشمالية، فيتنام، الحوثيون، حماس، حزب الله
٤- تحمل وزمن وجغرافيا*هذه شطارة من إيران تستحق الإشادة
لا أحد كان يتوقع قبل اندلاع الحرب، أن إيران معها ثلاثة من أقوى الجنرالات:الجنرال التحمل للصمود أمام الضرب العنيف، والجنرال الزمن للقدرة على الحرب الطويلة،والجنرال الجغرافيا لاستعمال مضيق هرمز
الجنرال التحمل، يرتكز على العقيدة والأيديولوجيا وخوض الحرب الوجودية
الجنرال الزمن، هو من تركيبة ومزاج وطباع أهل الشرق
الجنرال الجغرافيا، أقوى حتى من العقيدة
الرد الإيراني، إنما هو بفضل التحمل و طول الحرب وابتكار قفل هرمز
٥- هرمز أكبر وأهم من اليورانيوم*ترامب، يريد التفاوض حول اليورانيوم
إيران، تجبر ترامب على نسيان اليورانيوم والانتباه لمشكلته الحقيقية التي خلقتها له من العدم: مشكلة هرمز
أمريكا تستطيع فرض عقوبات على إيران، ولكنها لا تستطيع بأن تأتي بالبديل لمضيق هرمز
هذه هي حقائق الحياة … والحقائق الجيوسياسية
٦- وضع ترامب رديء أصلا*ترامب لا يتحمل عودة الحرب ولا يتحمل استمرار قفل هرمز
إيران تعرف جيدا أنه لا ترامب شخصيا، ولا أمريكا، ولا دول الخليج العربية، ولا كل دول العالم، ولا اقتصاد العالم يقدرون على تحمل انقطاع شريان الطاقة والأسمدة والهيليوم والكيماويات التي تمر عبر هرمز
**ثالثا: إيران تفرض أولويات جدول المفاوضات**١- مهارة فرض جدولة المفاوضات*مهارة إيران في وضع الجدول الزمني للمفاوضات يستحق وقفة خاصة
أولا وقبل كل شيء، تطلب إيران من أمريكا أن تنهي الحرب، وترفع حصار الموانئ، وتزيل العقوبات، ويتم عبور السفن عبر هرمز؛وبعد ذلك، تتناقش حول البرنامج النووي
لكن بعد كل هذا التطبيع ستكون أمريكا قد فقدت كل أوراق ضغطها على إيران، وستكون منشغلة بعوالم أخرى، ولن تكون في حالة مزاجية للعودة للحروب ولمشاكل الشرق الأوسط
٢- مهارة توصيل الرسائل للسعودية والإمارات *إيران، ترسل رسالة لكل العالم وخصوصا للسعودية والإمارات:إدارة الأمن والنظام في الخليج، لا يمكن أن يتم بدون إيرانإيران، تضع من الآن إيقاع وضع السعودية والإمارات بالانتباه لمصالح وطلبات إيران
٣- إيران الجديدة تفرض وجودها*إيران تفرض على دول المنطقة التكيف مع إيران الجديدة، الواثقة من نفسها، الماهرة في عقد الصفقات المجزية مع أقوى الأقوياء، والتي تتمتع بقوة نفسية ومعنوية أكبر من الذين تصدوا لها أو قد يقررون أن يكونوا خصوما لها في المستقبل
تتوقع إيران من السعودية والإمارات، بأن يتجاوبوا مع طلباتها في أماكن مثل اليمن أو غيرها
أمريكا واسرائيل والسعودية والإمارات، هي دول مهمة في وضع نظام وأمن المنطقة وستظل في غاية الأهمية،ولكن إيران الجديدة قد وضعت لها مكانا بارزا في هذه الأمور
وكل هذا يجعل ترامب غاية في الحرج والغضب
وقام بالرد، ولكن إيران ردت عليه بغضب أكبر
**رابعا: حرب الردود بين ترامب وقاليباف**حرب الردود، يوم أمس الإثنين، بين ترامب وقاليباف، تحتاج بحثا قائما بذاته١- رد فعل فوري من ترامب*قال ترامب:الهدنة الهشة السارية منذ 8 أبريل باتت 'على أجهزة إنعاش مكثفة
'رد طهران «غير مقبول» و«قطعة من القمامة» و«مقترح غبي»
ثم تم تداول خبر يوم أمس الإثنين، بأن ترامب سوف يجتمع مع مستشاريه لوضع خطة العمل لمواجهة رد إيران القمامة و الغبي
وأن الخطوة التالية معروفة… ويقصدون بهذا العودة للحرب
ولم نسمع بعدها عن عقد أي اجتماع
واليوم، الثلاثاء يبدو أن ترامب قد ابتدأ بالانشغال بزيارته يوم الغد إلى الصين
تعليق:هذا الرد قمامة و غبي، ليس من أقوى رئيس في العالم لأقوى دولة في العالم هذا خطاب رجل شعر أن الطرف الآخر لم يخف ولم ينكسر ولم يأتِ راكعا
وأن إيران لم ترد كدولة مهزومة، بل كطرف يفرض شروطا مقابلة
هذا انفجار نفسي من ترامب
هذا غضب كلامي يظن ترامب أنه يصلح بديلا عن القرار الحاسم
وكل حديث اجتماع لبحث الحرب، تبعه الصمت المطبق
٢- يومان متتاليان من ردود قاليباف:*(١) رد فوري بعد ساعات على ترامب:قواتنا المسلحة مستعدة للرد وتلقين درس في مواجهة أي اعتداءاستراتيجية سيئة وقرارات سيئة تفضي دائماً إلى نتائج سيئةنحن مستعدون لكل احتمال، سيفاجأون»
(٢) رد آخر اليوم في تويتر X ، اليوم، الثلاثاء:إذا أرادت واشنطن انهاء الحرب المستمرة أكثر من شهرين، فإن عليها الاعتراف بحقوق طهران
{{ نص هذه الجملة، يحتاج إعادة
قاليباف يقول: إذا أرادت واشنطن إنهاء الحرب
… هذا يعني أن إيران لا تخاف من استمرار الحرب وأنها تعتقد أن أمريكا هي التي تخاف أكثر من استمرار الحرب
هذه ليست مجرد جملة
هذه حرب نفسية كاملة
قاليباف يتشرط وينذر ترامب*وبعدها قاليباف يفرض شرطا على ترامب:لا بديل من قبول حقوق الشعب الإيراني كما وردت في الاقتراح المؤلف من 14 بندا{{ إيران لن تنفذ أي من شروط ترامب ونتنياهو }}وبعدها يوجه إنذارا لترامب:وأي مقاربة أخرى ستكون عقيمة تماماً، ولن تؤدي إلا إلى فشل تلو الآخر
وأضاف: «كلما طال ترددهم، تكبّد دافعو الضرائب الأميركيون ثمنا أكبر»تعليق:*هذا استفزاز سياسي ونفسي كبير لترامب
٣- التصعيد جاء من إيران: ٩٠٪ يورانيوم *١- المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، يغرد ويصعد بأن النواب سيدرسون إمكان تخصيب اليورانيوم إلى مستوى صنع السلاح إذا تعرضت إيران لهجوم جديد
وكتب رضائي على منصة X تويتر: قد يكون التخصيب بنسبة 90 في المائة أحد خيارات إيران في حال وقوع هجوم جديد
سندرس ذلك في البرلمان
تعليق؛*توقعنا أن يأتي التصعيد من ترامب، لكنه جاء من إيران
هذا التصريح، هو قنبلة بحد ذاته، لأن هذه أول مرة على الإطلاق يصدر مثل هذا الكلام أو التهديد من داخل إيران
مجرد إدخال رقم “90%” إلى الخطاب السياسي العلني، يعني أن إيران تريد إرسال رسالة جديدة تماما:“إذا فُرضت علينا الحرب مجددا، فقد نرفع السقف إلى أقصى مستوى
”وهذا بحد ذاته: تصعيد ردعي، ورسالة تفاوضية، وورقة ضغط نفسية
لماذا جاء التصعيد من إيران وليس من ترامب؟ غريزة الصَّيَّاد والصَّياد:*إيران ربما شعرت بشيء من التردد الأمريكي، وغياب القرار الحاسم، والخوف من الانزلاق الكبير إلى حرب شرق أوسطية أخرى، أو انشغال واشنطن بأولويات أخرى كالصين والاقتصاد
وحين تشعر الدول بأن الخصم متردد…فإنها غالبا ترفع سقفها، لا تخفضه
إيران، صيَّادة وقد اصطادت دول عربية من قبل، وهي تشعر بأن ترامب يقع في المصيدة،وهي أيضا صَياد، كما في حكايات الأطفال اليمنية التي تخطفهم عندما يبتعدون عن البيت
وبعدما يكتمل وقوع ترامب في المصيدة، سوف تأتي فرص جديدة لاصطياد دول عربية أخرى قريبة ودسمة
**خامسا: تعريف النصر والهزيمة**إذا استطاعت إيران أن تبقى، وألا تستسلم، وأن تستمر بالمناورة والابتكار، وأن تحافظ على النظام، وأن تُبقي قدرتها النووية حيّة؛… فهي تعتبر نفسها منتصرة استراتيجيا، حتى لو دفعت أثمانا هائلة
وحتى سوف يعترف لها الآخرون بالانتصار كما سبق وأن اعترفوا لڤييتنام ولطالبان
يبدو الطرف الأضعف “أقل خوفا”، ليس لأنه أقوى…بل لأنه مستعد لتحمل مستوى أعلى من الألم
وهذا طريق يؤدي أحيانا للانتصار
مادمنا قد ذكرنا صَياد اليمن التي تخطف الأطفال، فهذا يصبح وقت الذهاب للحوثي ومجلس الرئاسة والشرعية والحلفاء
**سادسا: دروس نستفيد منها في صراعات اليمن**نحن مستاؤون من طريقة إدارة دولة الشرعية اليمنية (رئيس ومجلس رئاسة ورئيس وزراء وحكومة وسلطات محلية والحليف السعودي ) لعملية الصراع ضد نظرائهم في الحركة الحوثية وإيران
أحد أهم فوائد متابعة الصراعات الكبرى، هو استخدامها كـ”مختبر” لفهم الصراعات الأصغر
لا ننسى اليمن*نحن، لا نريد إقحام اليمن بشكل مفتعل
نحاول فقط استخراج “قواعد عامة” من صراع كبير، ثم إسقاطها على اليمن
نحن لا نطيق الحياة بدون الكلام عن اليمن، مهما انشغلنا، أو ابتعدنا إلى أقصى الأرض، أو تعاقبت السنين التي تنثر بذور النسيان ولكن لا تفلح بنسيان اليمن
١- تشابه لافت مع اليمن*في الحالتين، هناك: طرف أقوى ماديا وتقنيا ودوليا (الشرعية والسعودية)، وطرف أضعف ظاهريا (الحوثيون وإيران)؛… لكن الطرف الأضعف يبدو أحيانا أكثر تماسكا وثقة ومبادرة
سنحاول أن نبحث ما يمكن أن تتعلمه “الشرعية اليمنية” من هذا المشهد
٢- الوجود السياسي والنفسي أهم من القوة النظرية*هذا ربما أهم درس
الشرعية: لديها اعتراف دولي، موارد أكبر نظريا، تحالف، بنوك، نفط وغاز، طيران، سفراء وعلاقات خارجيةلكن الحوثي يطغى على الصورة:الحوثي موجود في العاصمة صنعاء، يدير مؤسسات ومخابرات، ويفرض إيقاعه، ويتحدث بثقة، ويبدو كسلطة حقيقية، ويخترق الشرعية كما يشاء
بينما الشرعية: بعيدة، مترددة، موزعة، متناحرة، بدون قيادة، بدون العاصمة عدن، وغائبة عن مركز الصراع
وهذا شبيه جزئيا بما نلاحظه في إيران:إيران المتعبة والمحاصرة تتحدث أحيانا بثقة أعلى من خصوم أقوى منها بكثير
الحوثي المُتعَب، هو المُتعِب وهو الذي ينجح
وحتى أنه ينجح في عقد الاجتماعات الندية مع السعودية أفضل مما يفعل حلفائها في الشرعية
لماذا؟وكيف يحدث هذا؟لأن “الحضور السياسي والنفسي” مهم جدا
الشرعية، معدومة الثقة وبلا حضور سياسي ولا نفسي
٣- الصراع سلاح ورواية وإرادة*الحوثي، نجح جزئيا في فرض رواية: نحن صامدون، نحن أصحاب قرار، ونحن من يفرض الإيقاع، والآخرون مرتزقة تابعون للخارج
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع الرواية، فهي موجودة
بينما الشرعية، لم تنجح حتى الآن في إنتاج رواية وطنية قوية ومتماسكة
وهنا نقطة شديدة العمق: الناس لا يتبعون فقط الأقوى
طبيعة البشر وطبائع الدنيا، هي أن الناس يتبعون: الأكثر وضوحا، الأكثر حضورا، الأكثر ثقة، والأكثر تماسكا
٤- الخصم المنقسم يخسر هيبته*المشكلة ليست فقط في وجود الحوثي واا في قوته، ولكنها في هشاشة المعسكر المقابل من خصوم وحلفاء
وهذا يظهر في كل شيء: في تضارب المراكز، في غياب القرار، في تنازع النفوذ، في غياب العاصمة عدن، في الارتهان وبيع وشراء المواقف، وفي انعدام المشروع الواضح
وفي الحروب الطويلة، الانقسام أخطر من الضعف أحيانا
خاتمة: ضعف الإدارة والإرادة والبنية والقيادة*المعضلة اليمنية المؤلمة:فشل الشرعية اليمنية، ليس بسبب ضعف الإمكانات،… ولكنه في ضعف الإدارة والإرادة والبنية والقيادة