د. عبدالقادر الجنيد : اليمن والسعودية في أكبر مأزق في هذه الحرب
منذ 5 أيام
د
عبدالقادر الجنيد اليمن، معها مشاكل جذرية في بنيتها وفي جغرافيتها وفي تاريخها، لا تستطيع تجاهلها أو القفز فوقها
وهذه المشاكل تبرز وتخفت على مر التاريخ بدرجة أو أخرى
سنتناول ما يبرز ويخفت من مشاكلها خلال ال ٧٠ سنة الماضية
وما يبرز من مشاكل اليمن بصورة صارخة أثناء هذه الحرب التي تشنها اسرائيل وأمريكا ضد إيران
مشاكل اليمن الجذرية العابرة للعصور:* (١) مشكلة تعريف مصلحتها الحيوية العليا مع الاحتفاظ بالكرامة والكبرياء والمكانة
(٢) مشكلة أمراضها المزمنة الثلاثة: المناطقية والقبلية والعنصرية السلالية
(٣) جذب الدول الخارجية إلى قلب مشكلاتها وتناقضاتها
(٤) انجذاب الدول الخارجية إلى مشاكل اليمن بسبب موقعها الجغرافي وممرات الملاحة الدولية وفي العصر الحديث مجاورتها لأكبر ثروات النفط والغاز في العالممظاهرات ضد ومع إيران*المظاهرات في اليمن الخاضعة للحوثيين، كبيرة وكلها تساند إيران ضد اعتداءات اسرائيل وأمريكا على إيران
المظاهرات، تعم مناطق اليمن التي خارج سيطرة الحوثي تأييدا للسعودية وتنديدا باعتداءات إيران
مأساة اليمن، يمكن تلخيصها بهذا المشهد حيث تتمزق اليمن— فوق كل تمزقاتها الأخرى— بين التأييد للسعودية أو إيران
طرق ٧٠ سنة الثلاثة في اليمن*اليمن، كان معها دائما ثلاثة طرق في ال ٧٠ سنة الأخيرة:(١) طريق الألعاب واللعب على حبال القوى الخارجية المتخاصمة
(٢) التمزق والحروب الأهلية الداخلية
(٣) الوقوع تحت تأثير السعودية والدخول في وضع نسبي من الهدوء
اليمن، اليوم، معها طريق واحد فقط وهو أن تساند السعودية
لا تملك اليمن، ترف الاصطفاف مع دولة خليجية أخرى ضد السعودية
قد عملت اليمن هذا في العشر سنوات الأخيرة وتقلبت أطيافها المختلفة مع إيران والإمارات وقطر
رحلات عديدة تغرد فيها اليمن بعيدا ثم تعود السعودية إلى اليمن لتبدأ ضبط تغريداتها من جديد بدرجات متفاوتة من النجاح
اليمن بين الشرق والغرب*الحرب الملكية-الجمهورية، لم تكن فقط مجرد مرحلة خروج اليمن من أمراضها مع الإمامة والطموح للخروج إلى العصر الحديث
كانت أيضا رحلة اليمن مع المد القومي العربي وضد السعودية
ورحلة اليمن بين معسكر الإتحاد السوفييتي والمعسكر الغربي بقيادة أمريكا
قد ذهبت اليمن مسافة بعيدة في طرق أخرى مثل رحلة جنوب اليمن مع الشيوعية والاشتراكية والاتحاد السوفييتي
رحلة طويلة بعد رحلة طويلة، ولكنها تعود إلى طريق السعودية
الرئيس الحمدي*وحتى الرئيس ابراهيم الحمدي، كان هو أول من أدخل شاهنشاه إيران محمد رضا بهلوي إلى اليمن
الذي سفلت طريق المخاء إلى مفرق طريق الحديدة-تعز، كان امبراطور إيران
ثم جاءت محاولة قيام الرئيس الحمدي بإقامة محور جنوب البحر الأحمر بين الشاطئ الأفريقي والشاطئ اليمني
رحلة طويلة، ولكن اليمن تعود إلى طريق السعودية
الرئيس صالح*بالمناسبة، أول من استعمل إيران وقطر والإمارات ضد السعودية، كان هو الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، ثم تفرعت طرقا كثيرا من هذه المغامرات، في انجاه الحوثي والانفصال والربيع العربي
رحلة طويلة، ولكن اليمن تعود إلى طريق السعودية
أمريكا*قد ذهبت اليمن بعيدا في مغازلة أمريكا بغرض إبعاد أو تخفيف أثر السعودية
أول من ساعد الرئيس صالح من عدم قدرة اليمن للتعامل مع أمريكا إلا من خلال السعودية، كان الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال
أول من أدخل طائرات F-5 الأمريكية والمشرفين العسكريين الأمريكيين إلى طرف مطار صنعاء بينما كان الطرف الآخر من المطار يعج بطائرات الميج الروسية والمشرفين العسكريين الروس، كان الرئيس صالح
الذي دفع قيمة طائرات F-5 الأمريكية، كان السعودية لمواجهة جنوب اليمن الاشتراكي
لكن هذا فتح شهية اليمن للتعامل مع أمريكا مباشرة واللعب على الخلاف الروسي-الأمريكي
وهذا التعامل المباشر مع أمريكا، ضايق السعودية كثيرا، لأنها بصورة أو بأخرى كانت هذه بدايات زيادة ثقة السعودية بنفسها وبداية اعتبار اليمن حديقتها الخلفية
اليمن جريحة ولكنها ليست حديقة خلفية ولا وكلاء ولا أتباع*يجب هنا أن نؤكد أننا ننفر من اعتبار اليمن بأنها حديقة خلفية لأي أحد حتى ولو كانت شقيقتنا السعودية أو أنها وكيلة لإيران كما هو الحال مع الحوثيين، أو أتباعا للإمارات كما يفعل الانفصاليون وأصحاب الكانتونات
ولكننا نسلم في نفس الوقت بأن اليمن مثخنة بجراح عصبيات القبلية والمناطقية والعنصرية السلالية التي تعيق التئام جراحها وتجعل نخبها وقواها المتشرذمة إما يتسولون أو يتلاعبون ببلادهم أو يتحولون إلى وكلاء وأتباع ويحولون بلادهم إلى حديقة خلفية
اليمنيون، عندهم شهية مفرطة ومهارات لا بأس بها في التعامل بين أطراف متعادية ونيل الحظوة عند كل طرف
الحوثي والسعودية*الحوثي، حليف قوي ومخلص لإيران وقام بتحدي ومحاربة السعودية
نجح الحوثي بترسيخ وجود إيران في اليمن وإبعاد السعودية، وكانت قمة هذا النجاح عندما اضطرت السعودية إلى مصالحة إيران برعاية الصين وبعد ذلك إلى كتابة خارطة الطريق مع الحوثيين التي كانت سوف تخرج اليمن تماما من دائرة اهتمام السعودية وتسلمها كاملة باردة على طبق من فضة لايران
ولكن تقلبت أحوال الدنيا كما يحدث في كل مرة، ثم عادت السعودية
رحلة طويلة، ولكن اليمن تعود إلى طريق السعودية
الإمارات واليمن*انشغلت السعودية بطرق جديدة وانغمست في مآزق جديدة، حسب ما يجري لكل الدول ذات الاهتمامات المتشعبة وتركت الإمارات تقسم اليمن إلى كانتونات وتملؤها بالميليشيات
رحلة إماراتية طويلة امتدت ١٠ سنوات
كاد اليمن يسقط في كارثة وهاوية الانفصال
وكاد الجزء الجنوبي من اليمن أن يقع تماما في يد الإمارات
ثم عادت السعودية وأنهت الرحلة الإماراتية
رحلة طويلة، ولكن اليمن تعود إلى طريق السعودية
المملكة السعودية واليمن*المملكة السعودية، معها ألف طريق وطريق
بينما اليمن معها كما أوضحنا أعلاه ثلاثة طرق فقط
وقد تنشغل المملكة أو تنغمس في أي طريق وتبتعد عن طريق اليمن ، ولكنها تعود
بطريقة أو أخرى، فإنها تعود
وعندما تعود، فإننا كلنا نقول أخيرا استقرت العلاقة بين اليمن والسعودية
ولكن هذا ليس صحيحا تماما، فان المملكة تبدأ بالانشغال بطريق آخر وتنغمس في طموح أو مأزق جديد … وتترك اليمن
وعندها تبدأ أطياف اليمن بممارسة هوايتها المفضلة بالبحث عن لاعبين خارجيين جدد، والزج باليمن في طرق جديدة قد تمزق بلادهم ومجتمعاتهم وليس فقط تمزق العلاقات بين اليمن والسعودية
بعد السير في أي طريق وتؤثر بطريقة درامية في مسار وطريق اليمن
السعودية تعيش اليوم أكبر مأزق**اسرائيل وامريكا، تشنان هذه الأيام أكبر الحروب في تاريخ الشرق الأوسط ضد إيران
أمريكا، أقوى دولة في العالم، تدمر إيران بطريقة مريعة وتتوعدها بإعادتها إلى العصر الحجري
إيران، قررت أن تتحمل العذاب والتدمير وابتكرت فنونا جديدة غير متوقعة تحت عنوان الحرب اللا متماثلة التي تمكن الضعيف من الانتصار على القوي:(١) ابتكار إدعاء ملكية مضيق هرمز وإغلاقه(٢) ابتكار ضرب السعودية وبقية دول الخليج(٣) ابتكار ضرب اقتصاد أمريكا والعالمابتكارات إيران الثلاثة، لا تناسب السعودية على الاطلاق
والسعودية، لا يناسبها أن تعبر عن آلامها إلى درجة إعلان العداء السافر لإيران والمشاركة في شن الحرب عليها
مهما كانت نتيجة هذه الحرب، فإن العواقب والأوضاع الجديدة في فترة ما بعد الحرب، لا تناسب السعودية
تكرار ديناميكية انشغال وعودة السعودية*نعود إلى جوهر موضوعنا— اليمن والسعودية- وبدرجة كبيرة من اليقين نستطيع أن نؤكد أمرين:١- أمام السعودية مأزق كبير
(٢) السعودية سوف تنشغل بعيدا عن اليمن
(٣) اليمن سوف تبدأ ممارسة هوايتها بالتلاعب بين الأطراف
(٤) السعودية سوف تتضايق وتعود لقلب الطاولة وتستعيد اليمن
ما تحتاجه مصلحة اليمن والسعودية، الآن**١- مصلحة اليمن، الآن*(١) العالم كله، على عتبات أزمة اقتصادية وفقر وجوع وبطالة وانعدام أمن، واليمن سوف تعاني أكثر من غيرها
(٢) العمالة اليمنية داخل السعودية، سوف تجد صعوبة في إرسال المصاريف لأهاليهم وسوف تتدهور الحالة المعيشية
(٣) سوف يتخبط اليمنيون، وكل الاحتمالات مفتوحة
(٤) اليمن مازالت تحتاج السعودية لتأمينها من السقوط الكامل تحت مخالب الحوثيين أو تشرذمات الانفصال
(٥) لكن اليمن التي تحت سيطرة الشرعية متشرذمة وتائهة وتحتاج لإعادة ضبط المصنع وتقوية القيادة والإدارة
٢- مصلحة السعودية، الآن*(١) لا يناسب السعودية ترك اليمنيين يمارسون ألعابهم في اجتذاب خصوم المملكة وهي داخل هذا المأزق الحالي
(٢) تحتاج السعودية أن تكون قوى اليمن الكامنة وفتوتها التي تظهر أحيانا، سندا لها وهي في هذا المأزق، لا شوكة في خصرها
(٣) لا يجب أن تنشغل السعودية بمأزقها وتنغمس تماما في البحث عن مخرج
ربما يكون اليمن مساعدا وسندا في البحث عن المخرج
(٤) يجب على السعودية إنشاء مؤسسة رئاسة يمنية تساند الرئيس اليمني وتمكنه من ادارة اليمن بشكل احترافي
ويجب أن تكون مؤسسة الرئاسة هذه، في حالة تنسيق دائم مع ورشة عمل مشتركة بين القيادتين اليمنية والسعودية
هذا يحمي السعودية من الانشغال والانغماس في المأزق الحالي، ومن عادة ترك اليمن في مهب الريح لتمارس ألعاب جذب الخصوم
عودة السعودية - حسب العادة- لقلب الطاولة قد تكون هذه المرة صعبة للغاية
هذه المرة…قد لا تملك السعودية ترف العودة السهلة
ولا يملك اليمن ترف المغامرة من جديد