د. عبدالقادر الجنيد : قاليباف يعرف ما يريد أما ڤانس لا يعرف… ”العقلانية“ ضد ”انعدام الخيارات“

منذ 22 أيام

د

عبدالقادر الجنيد الإيراني قاليباف والأمريكي ڤانس وصلا إسلام أباد ليتفاوضا

إيران: تعرف أن هدفها فرض نفسها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزهاأمريكا: مترددة بين الردع، أو الاحتواء وعدم الغرق

 أقوى دولة في التاريخ ضربت ودمرت وقتلت قادة دولة متوسطة محاصرة منهكة في إحدى أقسى الحروب وأشدها تدميرا، لمدة خمسة أسابيع، والآن هي التي تريد مفاوضتها

هذا أمر يستحق أن نبحثه بعناية

 **أولا : ماذا يريد كل طرف من الحرب** ١- الذي يعرف ما يريد من هذه الحرب:*إيران، والشيعة، واسرائيل، والمرحوم يحي السنوار

 هؤلاء أطراف تُجبرهم الظروف على المخاطرة

هؤلاء يعرفون لأن معهم قيادات بمهمات تاريخية

ومستعدون للبذل والتضحية

 ٢- الذي لا يعرف ما يريد من هذه الحرب:*ترامب، وأمريكا، ودول الخليج العربية، والدول العربية الكبرى، والسُّنَّة

قياداتها محكومة بحسابات معقدة

وتتفادى الكلفة العالية والمفتوحة

 قياداتها لا تتحرك بمنطق “المهمة التاريخية”،بل بمنطق إدارة الخسائر وتجنب التكاليف الباهظة

 هؤلاء أطراف يملكون رفاهية العقلانية

مع شيء من التحفظ حول عقلانية ترامب

وشيء من الموافقة على عقلانية ڤانس

 قاليباف يعرف

أما ڤانس لا يعرف، في الحقيقة يعني أن قاليباف يتحرك وهو يعرف حدوده، أما ڤانس فيتحرك وهو محكوم بتعقيدات خياراته

 صراع العقلانية ضد محدودية الخيارات*أنا موافق على أن عدم الرغبة بالتضحية، هو عقلانية

وموافق على أن إصرار إيران واسرائيل والسنوار هو دليل على محدودية الخيارات وليس دليلا على القوة

 ولكن هذا هو ما لدينا:هذا صراع بين العقلانية وبين محدودية الخيارات

ثانيا: ما يقولون عن المفاوضات**١- الجنرال الأمريكي داڤيد بترايوس*هذا هو الذي خاض حروب أفغانستان والعراق وكان أيضا رئيس المخابرات المركزية الأمريكية، وقد قال في مقابلة تليفزيونية، يوم أمس:(١) وقف إطلاق النار هذا ضعيف tenuous

(٢) مفاوضات إسلام أباد سوف تفشل

(٣) العودة لتصعيد الحرب ليست فكرة جيدة وفي نفس الوقت لا يمكن القبول بسيطرة إيران على مضيق هرمز

(٤) هذا يعني العودة إلى موقف صعب لا أحد يدري ما هو المخرج منه:عودة الحرب أو فتح مضيق هرمز

 ٢- خبراء الدبلوماسية والسياسة*هؤلاء يقولون:(١) مادام قاليباف وڤانس قد وصلوا، فهذا يعني أنهم يريدون التفاوض والوصول إلى حل

(٢) ما خلقت الدبلوماسية الا للخروج من هذه المواقف الصعبة

(٣) الحل الشامل، ليس هدفا لأي طرف

 عندما يكون الطرفان متصلبين، ويريدان التهدئة، لا يكون الهدف هو التوصل إلى حل، وعندها تصبح مهمة الدبلوماسية:تأجيل حل المشاكل، والصيغ غامضة، واللجان الفنية، والاتفاقات الجزئية

 ٣- أمثلة على التهدئة الدبلوماسية*اليمنيون، يعرفون هذا من اتفاق ستوكهولم و خارطة الطريق

 الفلسطينيون، يعرفون هذا من اتفاق أوسلو

 العرب، يعرفون هذا من اتفاق كامب داڤيد، و اتفاق وادي عربة، و اتفاق عيال ابراهيم

 ٤- ذهول ترامب ونتنياهو*الشيئ المذهل في هذه المسألة، هو أن عامل استعمال مضيق هرمز ورقة ضغط وتبلوره إلى خط أحمر لم يكن على بال ترامب ولا نتنياهو، قبل إشعال الحرب

وكذلك عامل استعمال دول الخليج العربية النفطية رهائن و تهديد اقتصاد العالم

 نتنياهو، لا يكترث ويريد فقط تدمير إيران مهما حدث وبأي ثمن

 ترامب، مؤمن بأن جيش أمريكا سوف يقطع أنفاس إيران ويمزق شرايينها خلال أسبوع ولن تستطيع قفل هرمز ولا ضرب عرب الخليج

 لن يتوقف كُتَّاب التاريخ عن ذكر تهور كل من نتنياهو وترامب ولومهم على المنطق الذي ارتكزا عليه لاشعال هذه الحرب

ثالثا: أوراق ضغط إيران** ١- قوة التحمل*هذا ألغى أوراق ضغط قوة العنف والتدمير والعدوانية الهائلة لإسرائيل وأمريكا

 ٢- شبكة قيادة وليس قادة أفراد*هذا ألغى قوة ورقة ضغط اسرائيل وأمريكا بالركون على قطع الرأس، لإسقاط النظام

 ٣- الحرب اللا متماثلة*هذا أعطى إيران قوة الرد والتسبب بالألم لأمريكا واسرائيل وأصدقائهم العرب

 ٤- صدمة النفط الحقيقية: Spot Price*(١) 145 دولار

إذا أرادت أي دولة أن تحصل على باخرة نفط الآن، فعليها أن تدفع 145 دولار عن كل برميل نفط، وهذا إسمه سعر الزمان والمكان Spot Price

السعر الذي نقرأه في مصادر الأخبار 110 دولار، هو ما يتوقعونه عن سعر برميل النفط بعد شهرين Futures Trading

صدمة النفط الحقيقية على حياة الناس وعلى اقتصاد العالم، هي أقسى مما يتداولونه في نشرات الأخبار

 (٢) روسيا أكبر رابح

صدمة النفط جعلت روسيا، الرابح الأكبر من حرب ترامب على إيران

ثمانية مليار شهريا زيادة في دخل روسيا من النفط

استهلاك سلاح وذخائر أمريكا في حرب إيران بدلا من حرب أوكرانيا

 ٥- ضرب دول الخليج العربية*(١) هذا مكن إيران من توجيه ضربات واحدة بواحدة Tit for Tat

(٢) هذا كشف عجز أمريكا عن حماية أصدقائها

(٣) هذا أفقد أمريكا ثقة حلفائها من دول العرب النفطية

(٤) السعودية، تبذل جهودا لا تتوقف مع الصين لحثها على إقناع إيران بقبول التفاوض والحل الدبلوماسي

(٥) هذا يدخل الصين قوة عظمى في الشرق الأوسط، وعلى يد السعودية وبمباركة أمريكا التي كانت تزيح أي قوة تحاول الاقتراب

 ٦- صدمة إقفال مضيق هرمز*هذا صدمة مذهلة مؤلمة لترامب ونتنياهو وصلت لدرجة قلب الموازين

هذا إهانة مباشرة لترامب

هذا حقق في نفس اللحظة مكاسب مالية ضخمة لإيران، ومكاسب معنوية، وإدراك عالمي بأن إيران لا يمكن الاستخفاف بها

هذا هو ما جعل ترامب يطلب التفاوض مع إيران

لولا إغلاق هرمز، لكان ترامب قد أعلن انتصاره وأوقف الحرب، وترك إيران تتعفن وتلعق جراحها

رابعا: أوراق ضغط أمريكا** أوراق ضغط أمريكا، لا تحتاج الكثير من الشرح وقد استعملتها كلها: العقوبات المالية والاقتصادية، محاصرة وعزل إيران، اغتيال قادة إيران، تدمير إيران

ترامب، هو الذي قرر أن يأخذ فترة راحة من تدمير إيران، وليست إيران هي التي طلبت إيقاف الحرب

 قوة أوراق ضغط إيران ليست قوية بالمطلق

كل أوراق ضغط إيران، قابلة للكسر بسهولة إذا صممت أمريكا

كلنا نعرف أن أمريكا هي أقوى دولة في كل التاريخ وليس فقط في الوقت الحاضر

 ولكن أمريكا:١- الشعب الأمريكي لا يؤيد هذه الحرب

٢- لا يوجد عند أمريكا الحافز الكبير للاستمرار في هذه الحرب

٣- أمريكا ليست مستعدة لتحمل أثمان كسر أوراق ضغط إيران٤- أمريكا لا تريد أن تنغمس في حرب طويلة أخرى من الحروب التي لا تنتهي في الشرق الأوسط

٥- الرئيس ترامب في وضع سيئ مهما فعل، وحتى لو انتصر

 خيار محو الحضارة والعودة لتصعيد الحرب*إيران، كان على وشك تنفيذ تهديده ب محو الحضارة الفارسية من الوجود

وكان رد إيران بأنها سوف تدمر حقول نفط وغاز دول الخليج العربية وهذا سوف يصيب اقتصاد أمريكا والعالم لسنين طويلة

وهددت إيران بضرب محطات تحلية مياه البحر في المنطقة، وهذا سوف يزيل تواجد القواعد العسكرية الأمريكية تلقائيا، وسوف يخرج عشرات الملايين من العمالة الأجنبية في دول الخليج العربية، ويجعلها بلدانا مهجورة، ويلحق أكبر الأضرار على الدول المستفيدة من تحويلات أبنائها المغتربين

 ثم كان ترامب هو الذي قرر أنه يحتاج للتفاوض

 هل يريد ترامب، دخول هذا الطريق المظلم والعودة لتصعيد الحرب، اعتمادا على القوة العسكرية الهائلة التي يتفاخر بها كل يوم، والتي يعترف كل العالم له بأنه يملكها

العالم كله ينبهر بقوة أمريكا وقدرتها على كسب كل المعارك التكتيكية خلال ال ٦٠ سنة الماضية، ولكنهم ينكرون عليها قدرتها على كسب الحروب وكسب احترام العالم

 لحظة السويس لأمريكا*إذا صعدت أمريكا وضربت بما يسميه ترامب ب محو حضارة إيران من الوجود

فسوف ينتهي ترامب، وتتراجع مكانة أمريكا، وقد تصبح قوة منبوذة في العالم

هذا التصعيد- إذا حدث- سوف يصبح لحظة السويس بالنسبة لأمريكا، يعني نهايتها كامبراطورية

وضع مماثل لما عملته حرب السويس عام ١٩٥٦ التي كانت اعلان شهادة الوفاة الرسمية للامبراطورية البريطانية

 الرئيس ترامب لا يريد كل هذا

 خاتمة*نحن لا نشرح من هو على حق، ولكن لماذا يتصرف كل طرف كما يفعل

هذا ليس مقال رأي، ولكنه محاولة صناعة “إطار لفهم الصراع

 ترامب عنيد ولكن إيران أيضا عنيدة

هذه الحرب ليست فقط دمار وأوراق ضغط… ولكنها أيضا حرب إرادات وكسر إرادات

 المشكلة ليست في من يملك القوة، ولكن في من يعرف متى؟ ولماذا يستخدمها؟ القوة الأمريكية ليست موضع شك، لكن المشكلة أن استخدامها الكامل لم يعد قرارا سهلا

أمريكا تستطيع أن تمحو إيران من الوجود، ولكنها تدرك أن النصر ليس رخيصا، والمكاسب لا تستحق المغامرة، والعواقب كارثية

أمريكا تملك قدرة تدميرية هائلة، لكن استخدامها الكامل غير واقعي سياسيا

 لكن هناك مزاجية ترامب

ولكن معنا أيضا، ترامب المزاجي الذي يقفز إلى التصرفات بدوافع قهرية compulsive لا يمكنه مقاومتها، وردود أفعال تعود عليه شخصيا بالضرر مع بلاده وأصدقائها قبل أن تلحق الأذى بخصومه وبكل العالم

وهكذا نستطيع أن نراقب ما سيفعله قاليباف وڤانس في إسلام أباد

لن نراقب من هو الأقوى، ولكن من هو الأقدر على تحمل تكاليف وغرامات قراره