د. فهيد بن سالم العجمي : التغيير المؤسسي… بين تحديث الأنظمة وتحرير القرار من المركزية

منذ 15 ساعات

د

فهيد بن سالم العجمي تشهد الدول الحديثة تطورًا مستمرًا في أنظمتها وتشريعاتها، إدراكًا منها بأن بقاء القوانين واللوائح دون تحديث يتواءم مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية قد يحدّ من كفاءة المؤسسات ويؤخر تحقيق أهدافها

ومن هذا المنطلق، يُعد تطوير الأنظمة خطوة أساسية في مسار الإصلاح، إلا أن التجربة الإدارية تؤكد أن التطوير الحقيقي لا يكتمل ما لم يترافق مع تجديد في الفكر الإداري وآليات اتخاذ القرار

إن تحديث الأنظمة القديمة ضرورة لضمان مواءمتها للمتغيرات المعاصرة، لكنه يظل جزءًا من عملية أشمل تشمل تطوير الأداء المؤسسي، وتمكين الكفاءات، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب

فنجاح المؤسسات لا يرتبط بالنصوص التنظيمية وحدها، بل بقدرة القيادات على تطبيقها بفاعلية ومرونة تخدم المصلحة العامة

وفي هذا السياق، تتجلى ملامح النهج الإصلاحي الذي تنتهجه الدولة الحديثة بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبالمتابعة الدقيقة من سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظهما الله، حيث أصبح التطوير عملية مستمرة قائمة على رؤية استراتيجية تهدف إلى رفع كفاءة الأداء المؤسسي وتعزيز جودة الخدمات المقدمة للمواطن

ومن القضايا الإدارية التي أثبتت التجارب أهميتها مسألة المركزية المفرطة؛ فحين يرتبط اتخاذ القرار بشخص واحد أو دائرة ضيقة، تتراجع سرعة الإنجاز وتضعف روح المبادرة، وقد تتحول المؤسسة إلى بيئة تعتمد على الاجتهاد الفردي بدلًا من العمل المؤسسي المنظم

وفي مثل هذه الحالات، قد يؤدي أي غياب أو تعثر فردي إلى تعطّل منظومة كاملة، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الأداء العام

ولا يعني ذلك إلغاء مبدأ القيادة أو وضوح التسلسل الإداري، وإنما تحقيق التوازن بين المركزية المنظمة والتمكين الإداري، بحيث تُمنح الصلاحيات وفق أطر واضحة تضمن سرعة القرار مع بقاء الرقابة والمسؤولية

فالمؤسسات الناجحة تُدار بالأنظمة لا بالأشخاص، وتستند إلى فرق عمل قادرة على الاستمرار والتطور بعيدًا عن الارتباط الفردي

إن التغيير الحقيقي لا يُقاس بكثرة القرارات، بل بمدى تأثيرها واستدامة نتائجها، وبقدرتها على خلق بيئة عمل تحفّز الكفاءة والابتكار

وتجديد القيادات وتدوير الخبرات ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لضخ أفكار جديدة وتعزيز فاعلية الأداء المؤسسي بما ينسجم مع مستهدفات التنمية الوطنية

وفي المحصلة، فإن التطوير المؤسسي يصبح أكثر عمقًا حين يشمل تحديث الأنظمة، وتجديد العقول، والحد من المركزية التي تعيق العمل الجماعي، بما يعكس طموح وطن يسير بثبات نحو مستقبل أكثر كفاءة واستدامة

 * عضو هيئة الصحفيين السعوديين