د. فهيد بن سالم العجمي : النزاهة… معيار الثبات في زمن الالتباس
منذ 10 أيام
د
فهيد بن سالم العجمي في بيئات العمل، لا يكون الاحتراق الوظيفي دائمًا نتيجة ضغط المهام أو كثرة المسؤوليات، بل كثيرًا ما ينشأ من خللٍ أعمق في فهم معنى الاحتراف ذاته
حين يُختزل الأداء في المجاملة، ويُستبدل معيار الكفاءة بمقياس القبول الاجتماعي، تبدأ المؤسسة بفقدان بوصلتها الأخلاقية قبل أن تفقد إنتاجيتها
ثمة فارق جوهري بين الذكاء الذي يُسخَّر للبناء، وذلك الذي يُستعمل للالتفاف والمناورة
الأول يصنع قيمة مستدامة ويُعلي من شأن المؤسسة، والثاني يبرع في تجميل الصورة ولو على حساب الحقيقة
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم “المهارة السياسية الإيجابية” بوصفه قدرة على إدارة الخلافات بوعي واتزان دون التفريط في المبادئ أو الوقوع في فخ الانتهازية
إن اللطف لا يعني التنازل، والمرونة لا تعني الذوبان، واللباقة لا تبرر التلاعب
فالفرق واضح بين من يضبط انفعالاته حفاظًا على بيئة العمل، وبين من يُخفي مواقفه طمعًا في مكاسب عابرة
الأخلاق المهنية ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل هي التزام مستمر يختبره الموقف الصعب قبل السهل
وعلى المستوى القانوني والإداري، فإن حماية النزاهة تقتضي الوضوح في الصلاحيات، والشفافية في الإجراءات، والعدل في التقييم
فحين تُغيب المعايير الموضوعية، تتسلل المصالح الضيقة، ويُصبح أصحاب المواقف أكثر عرضة للعزلة أو الاستهداف
غير أن التاريخ المؤسسي يثبت أن من يثبت على مبدئه، ولو دفع ثمنًا مؤقتًا، هو الأقدر على كسب الاحترام الدائم
العمل المؤسسي الرصين لا يقوم على صناعة “النجوم المؤقتين”، بل على بناء ثقافة تحترم الكفاءة، وتحمي المختلف، وتُعلي من قيمة الصراحة المنضبطة
ومن يظن أن الانحناء المستمر يجنّبه العواصف، قد يكتشف متأخرًا أنه فقد ذاته قبل أن يفقد موقعه
في زمن تتكاثر فيه الأقنعة، تبقى النزاهة الخيار الأكثر صعوبة، لكنها كذلك الخيار الأكثر استدامة
فالمؤسسات التي تُدار بالحقائق لا بالمجاملات، وبالمعايير لا بالأهواء، هي وحدها القادرة على الصمود أمام التقلبات، وصناعة بيئة عمل عادلة تحترم الإنسان قبل المنصب
* عضو هيئة الصحفيين السعوديين