د. فهيد بن سالم العجمي : رمضان… حين تستعاد الحكمة قبل العادة
منذ يوم
د
فهيد بن سالم العجمي يحلّ شهر رمضان كل عام حاملاً رسالته الإيمانية الخالدة التي لم تتغيّر منذ أن شُرع الصيام، رسالة تقوم على تهذيب النفس وإعادة ترتيب الأولويات وترسيخ قيمة الاعتدال في حياة الإنسان
غير أن المتأمل في واقعنا المعاصر يلحظ أن الفارق لم يعد في رمضان ذاته، بل في الطريقة التي أصبح يُمارس بها عند بعض المجتمعات، حيث تراجعت المقاصد الروحية أمام مظاهر استهلاكية وسلوكية لا تنسجم مع فلسفة الصيام الحقيقية
فالصيام لم يكن يوماً انقطاعاً عن العمل أو مبرراً للخمول، بل كان تاريخياً موسماً للانضباط والإنتاج، تتواصل فيه الدراسة، وتستمر المسؤوليات، ويزداد حضور القيم الأخلاقية في التعامل اليومي
وكان الإنسان يخرج من رمضان أكثر توازناً وقدرة على ضبط رغباته، لا مثقلاً بعادات غذائية مرهقة أو إيقاع حياة مضطرب
ومع تسارع نمط الحياة الحديثة، تسللت إلى الشهر الكريم أنماط جعلت الليل موسماً للاستهلاك المفرط والسهر الطويل، فيما تحوّل النهار عند البعض إلى حالة من الإرهاق وتعطّل الإنجاز
وهنا تتشكل المفارقة؛ فشهر التقشف الروحي بات أحياناً محاطاً بثقافة الوفرة، وشهر الإحساس بحاجة الآخرين أصبح لدى البعض مناسبة للمبالغة التي تُضعف الشعور الحقيقي بمعاناة المحتاجين
إن المقصد الأعظم من الصيام لا يتحقق بالامتناع المؤقت عن الطعام فحسب، بل بإحياء الضمير الإنساني، وتعزيز قيمة المسؤولية، واستعادة العلاقة المتوازنة مع الوقت والعمل والأسرة والذات
فالتقوى التي أرادها الله ليست شعوراً لحظياً، وإنما سلوك ممتد ينعكس على أخلاق الإنسان قبل عاداته
ومن هنا، فإن استعادة روح رمضان تبدأ من وعيٍ بسيط وعميق في آنٍ واحد: أن هذا الشهر ليس موسماً لتغيير ساعات الحياة، بل فرصة لتغيير الإنسان نفسه
فحين يُعاش رمضان بمعناه الحقيقي، يعود مدرسةً للإصلاح الداخلي، وموسماً للسكينة، ومحطةً سنوية تُجدّد في النفس معنى الامتنان والانضباط والسمو الروحي
رمضان يبقى كما هو… نوراً وهداية،لكن الأثر الذي يتركه فينا يتحدد بقدر ما نختار أن نعيشه عبادةً تصنع الفرق، لا عادةً تمضي دون أثر