د. محمد الميتمي : إمِّا التحول العظيم لليمن أو إعادة انتاج المِحَن
منذ 3 ساعات
د
محمد الميتمي شد جُلّ انتباهي مقالاً عميقاً في بنيته الفكرية والسياسية قرأته للأخ هاني ابن المناضل الكبير علي سالم البيض نائب رئيس الجمهورية اليمنية الأسبق والأمين العام للحزب الاشتراكي أحد أبرز صناع التحولات العظمي في تأريخ اليمن المعاصر ألا وهي الوحدة اليمنية
يلخص الأستاذ هاني البيض بمهارة شديدة والتزام وطني خالص وعمق فكري متين بعنوان شديد التعبير هل نُصلِح الوحدة
أم نَكسْر الوطن وبمحتوى شديد العمق وواسع الرؤية والبصيرة لخص ذلك في جملتين لامعتين: المصير الواحد أكثر عدلًا
يصنع المستقبل؛ والمسارات المعزولة تعيد إنتاج الضعف وتفتح الأبواب لبلد مجزئ بلا أمان ولا وزن ولا أفق
كل كلمة في هذه الجمل القصيرة هي كتاب بليغ في الأفكار والرؤى والسياسية دفعت بالسؤال المركزي إلى مكانه المنهجي المُسْتحق: من سؤال البقاء إلى سؤال التحول والنهضة! ليخلص في مقاله الجميل إلى القول إن المشكلة ليست في فكرة الوحدة، بل طريقة إدارتها والحفاظ عليها، شأنها في ذلك شأن الأديان السماوية العظيمة التي أُنزلت لهداية البشر وتنظيم حياتهم نحو علاقات انسانية خلاّقة وعادلة فأحالها الخطّاؤون منهم والمتعصبون والدوجمائيون إلى دعوات للتعصب والعنف وأداة للقتل
من وحي هذا ينطلق مقالنا الراهن
ذكرني مقال هاني البيض بكتاب المفكر والاقتصادي السياسي الأمريكي العظيم كارل بولاني التحول العظيم الذي نستعير منه العنوان ونستوحي المضمون بوصفه أحد أهم الكتب الفكرية في القرن العشرين، والذي قدم تحليلًا حضاريًا وفلسفيًا- سياسيًا لصعود الأمم الحديثة، خاصة في العالم الغربي، وكيف أن الصراعات والأزمات والتشققات الداخلية تؤدي إلى تفكك البنى الاجتماعية وانهيار الدولة
يحذر (بولاني) من أن أي مجتمع يُسلّم مصيره إلى السوق العمياء المدفوعة بالمصالح الأنانية الذاتية الضيقة للأفراد والجماعات، محكوم عليه بالتفكك أو الانفجار
وعندما يصبح المجتمع ككل خاضعًا للسوق، بدلاً من أن تكون السوق خاضعة للمجتمع، يختل التوازن وتتعمق التصدعات في بنية هذا المجتمع، التي تحكمها وتسيّرها الفئات والجماعات الانتهازية في سوق المصالح الخاصة الآنية، سواء كانت فردية أو جماعية
اليمن اليوم يمُرُّ منذ أسابيع قلائل بمخاض سياسي عميق ومزلزل ارتفع فيه منسوب الأمل عاليا باستعادة الوطن اليمني لكينونته الحضارية وخصائصه الإنسانية البديعة وهويته الحضارية المجيدة ومنابع تحقيق الاستقرار والرخاء والتنمية، وفي ذلك تحول عظيم في الاتجاه والخطاب والنهج والمنهج أن واصل اليمن السير على هذا الطريق بثبات، ورؤية، وعزيمة، وإجماع
فالتحول العظيم والتنمية المستقلة لا يمكن أن تحدث إلا إذا كان المجتمع اليمني قد رتّب منزله بانتظام من الداخل ونظّفه من الشوائب
لم تعد معضلة اليمن اليوم مقتصرة على إنهاء الحرب أو استعادة الدولة بالمعنى الإجرائي الضيق، بل تجاوزت ذلك إلى سؤال أعمق وأكثر جذرية: كيف يمكن لليمن أن ينجو من إعادة إنتاج الهشاشة والتشظي، وينتقل انتقالاً تاريخياً من مجتمع ما قبل الدولة، واقتصاد الريع والعنف، ومجتمع هش ممزق إلى مجتمع متماسك حديث ودولة وطنية صناعية منتجة؟إن الحديث عن “التحول العظيم” ليس خطاباً طوباوياً، بل توصيف لمسار تاريخي معقد خاضته أمم كثيرة خرجت من رماد الحروب والتخلف، ونجحت في بناء دول قوية ومجتمعات منتجة، حين توافرت الشروط البنيوية والفكرية والسياسية لذلك التحول
أي مشروع تحول حقيقي عظيم يبدأ بالاعتراف بجذور الأزمة، لا بأعراضها
فالهشاشة في اليمن ليست وليدة الحرب الأخيرة فقط، بل نتاج تراكم تاريخي طويل يتمثل في: غياب الدولة الوطنية الحديثة لصالح أنماط حكم تقليدية وشبه ريعية تقوم على الاقصاء والتهميش والاستبعاد الاجتماعي تحت مظلة أيديولوجيات متعددة متباينة متصادمة، اقتصاد غير منتج قائم على التحويلات والمساعدات والريع المحدود، تفكك البنية الاجتماعية لصالح الولاءات القبلية والمذهبية والمناطقية والدينية والطائفية والحزبية، ثقافة سياسية ترى السلطة غنيمة لا وظيفة عامة
التحول العظيم يفترض أولاً تفكيك هذه البنية الذهنية والمؤسسية لبناء الدولة القادرة، لأن إعادة بناء الدولة على الأسس نفسها تعني إعادة إنتاج الفشل
الدولة القادرة ليست دولة مُتغوِّلة، بل دولة ضابطة، منظمة، ومحفزة للتنمية، وهي الشرط الأول لأي تحول اجتماعي واقتصادي نهضوي مستدام
لا يمكن تحقيق تحول عظيم في ظل مجتمع منقسم على ذاته
بل بوجود مجتمع مبني على عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية لا الغلبة مع إعادة تعريف الهوية الوطنية بوصفها إطاراً جامعاً للتنوع لا نقيضاً له؛ وعدالة انتقالية حقيقية تعالج جراح الماضي دون أن تأسر المستقبل
الدولة القادرة تعرف ماذا تريد، وتملك أدوات التنفيذ وتخضع للمساءلة
ونزع السلاح من الميليشيات جميعها ابتداء بوصفه شرط للتحول لا مجرد بند أمني فقط
لذلك فأن أي خارطة طريق أو مؤتمر حوار لا يضعان نزع السلاح من المجال العام وتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية في قلبها، ستفشل في بناء دولة مستقرة آمنة منتجة مزدهرة
نزع السلاح هنا ليس إجراء تقنيا، بل تحول ثقافي وسياسي وقانوني
حينها ستتحول الدولة اليمنية من الدولة المتفاوضة مع الجماعات المسلحة إلى الدولة الحاكمة بالدستور والقانون
الدولة الأمة التي تحمي جميع مواطنيها لا يستقر لها حال في ظل بنادق موازية وجغرافية خارجة عن سيطرتها
لا بد للدولة اليمنية المنتظرة إن تقوم على مبدأ الاحتكار الشرعي للعنف، وإنهاء تعدد الميلشيات وتفكيك مراكز القوى أيما كان مسمياتها؛ أن تقوم على نظام دستوري مستقل يساوي بين المواطنين ويحطم مناطق النفوذ؛ دولة تبني مؤسسات فعالة تقوم على الكفاءة لا المحاصصة، وتعتمد نهجا عصريا حديثا في إدارة الدولة يعتمد على التخطيط، والمعلومات، والبيانات، والشفافية، والمساءلة
أخطر ما في مرحلة ما بعد الحرب هو الاكتفاء بشرعية “إنهاء الصراع”، دون الانتقال إلى شرعية الإنجاز والتنمية
إن طريق التحول طويل وشاق، لكنه ليس مستحيلاً
فالأمم لا تنهض حين تزول أزماتها، بل حين تقرر أن تحوّل أزماتها إلى نقطة انطلاق تاريخية
واليمن، رغم كل ما أصابه، لا يزال يمتلك فرصة نادرة إن أحسن قراءة اللحظة التاريخية كما هي عليه اليوم، وبنى مشروعه على شروط التحول لا على أوهام الخلاص السريع
اليمن بحاجة إلى نخبة جديدة تتجاوز عقلية الحرب والاصطفاف، وتنتقل إلى عقلية البناء والإدارة والتخطيط؛ فكافة التحولات الكبرى في العالم قادتها نخب تاريخية امتلكت رؤية بعيدة المدى، استعداداً للتضحية السياسية، قدرة على بناء التوافقات، إيماناً بالدولة بوصفها مشروعاً أخلاقياً وتنموياً
واليوم يمكن القول إن اليمن في الوقت الراهن تتوافر لديه مقومات قيادة سياسية تتسم بالوطنية والرؤية الفكرية والخطاب العقلاني المستنير
فرئيس الدولة الدكتور رشاد محمد العليمي هو أكاديمي وأستاذ جامعي في مجال علم الاجتماع قبل أن يكون سياسيا، وهو سياسي وسطي معتدل قبل أن يكون عسكريا، وهو ضابط عسكري مهني محترف لعقود لا أحد يستطيع أن يسجل عليه انتهاكا خلال مسيرته المهنية العسكرية والأمنية التي امتدت لعقود متلاحقة من الزمن
وقد لخص فكره ورؤيته كرجل الدولة الأول قائلا في خطابه في 30 مارس من العام الماضي إن الدولة
لم تتخل عن مسؤوليتها في تأمين عوامل النصر، لكنها ترفض إدارة الخلافات بمنطق السلاح، أو استخدام معركة اليمنيين الكبرى ذريعة لتبرير أضعاف الدولة، أو تقويض مرجعياتها، أو مصادرة أرادة اليمنيين شمالا وجنوبا
وفي خطابه في 10 يناير من الشهر الجاري يؤكد أن تعزيز الأمن وسد أي اختلالات أو فراغات أمنية، وحماية السلم المجتمعي ليست خيارات قابلة للتأجيل أو المساومة، بل هي التزام وطني أصيل، وواجب سيادي تفرضه مقتضيات المرحلة، لضمان تماسك مؤسسات الدولة، وترسيخ الاستقرار، وتعزيز قدرة وطننا على الصمود في مواجهة الأخطار والتحديات
السيادة في القرن الواحد والعشرين لا تقاس برفض الخارج، بل بحسن التعامل معه بوعي إستراتيجي، ومسؤولية، ودراية، وحزم
ففي ظل عالم شديد الترابط والارتباط وعلاقات دولية وإقليمية متشابكة ومتداخلة مقررة لمصير الدول والمجتمعات فان نجاح مشروع التحول العظيم في اليمن ونجاح النخبة اليمنية القائدة لمسار التحول لا يمكن أن يتحقق بنجاح بمعزل عن وجود حلفاء أقوياء أوفياء
والمملكة العربية السعودية التي يربطها باليمن جوار جغرافي كبير وعمق تأريخي واجتماعي ممتد لقرون ومصالح مصيرية مشتركة هي السياج الأبرز والاهم في مشروع التحول العظيم هذا
إن المملكة ترى في اليمن عمقها الأمني والاقتصادي والاجتماعي وأي تهديد لليمن هو تهديد مباشر للمملكة والعكس صحيح تماما
فقوة المملكة ونهضتها واتساع نفوذها هو عمق استراتيجي لليمن في كل هذه المحاور والابعاد
هذان البلدان بمثابة جسدان يقفان على عمود فقري واحد، وهذا ما أثبتته أحداث العقد الماضي والأحداث الأخيرة في اليمن