د. محمد الميتمي : مأزق التسوية السلمية في اليمن مع الإنسان "ذو البعد الواحد"

منذ يوم

د

محمد الميتمي في خضم سنوات الحرب الطويلة التي عصفت باليمن منذ انقلاب 2014، طال الدمار البنية التحتية والاقتصاد والمعرفة وامتد ليطال البنية النفسية والثقافية والاجتماعية للإنسان اليمني

 الحرب في بلدي اليمن تعدّت أن تكون نيرانا تلتهم الجغرافيا وصراعاً جيوسياسياً تسعى فيه دولٌ إقليمية مارقة مزعزعة لاستقرار الإقليم وأمنه القومي للسيطرة عليه وإعادة رسم خريطته؛ بل غدت في جوهرها الأكثر قتامة، عملية جرف جيولوجي لنفسية الإنسان اليمني، أعادت هندسة كينونته المتعددة لتختزلها في بعدٍ واحد فج وموحش

 تشير التقارير إلى أن انقطاع رواتب أكثر من مليون ونصف من الموظفين في جهاز الدولة فقط لعقد من الزمن لم يفقرهم فحسب، بل دفع بآلاف منهم إلى جبهات القتال كخيار وحيد للبقاء، مُحوّلاً صُنّاع العقول ومُطبّبي النفوس إلى حملة سلاح

هذا هو التجسيد الحرفي لاختزال الإنسان في بعده الغريزي (البقاء) على حساب بعده الانساني والحضاري

مثل هذا التحول الأنطولوجي يشكل اليوم المعضلة الكبرى، والجدار الأصم الذي قد تتحطم عليه أمواج أي تسوية سياسية قادمة

  لقد أنتجت الحرب ما يمكن تسميته، استعارةً من الفيلسوف الألماني– الأمريكي هربرت ماركوزه، بـالإنسان ذو البعد الواحد، حيث تعرض المجتمع اليمني لعملية تنميط قسري ساحق

فبعد أن كان قبل هذه الحرب مزيجا ثريا من كيان إنساني متعدد الابعاد: مواطنا، حرفيا، عاملا ومزارعا وصيادا، مثقفا وفنانا ومحاميا وطبيبا ومهندسا، معلما واستاذا جامعيا، سياسيا وحزبيا وقبليا ملتزما لوطنه، دفعت آلة الحرب والظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية نحو تسطيح هذه الهوية المعقدة واختزالها في بعد واحد مهيمن ألا وهو الإنسان المحارب

 في الماضي، كانت القبيلة أو الحزب أو النقابة تلعب دور الوسيط والكابح للصراع

اليوم، تآكلت هذه البنى الوسيطة لصالح الميليشيات والهيمنة الأحادية

 كانت تلك الأبعاد المذكورة أعلاه تتداخل وتتوازن لتشكل نسيجاً يمنيّاً مرناً، بينما وجد هذا المجتمع نفسه اليوم أمام خيارات صفرية جرّدته من تنوعه وثرائه وألوانه

قبل الحرب، كان اليمني– كأي إنسان آخر– كائن متعدد الأبعاد؛ مع هذه الحرب تم اغتيال التعددية الإنسانية في اليمن

لقد فرضت اقتصاديات الحرب و سرديات الكراهية واقعاً جديدا دراميا، بحيث اختُزل فيه الإنسان اليمني في ثنائية قاتلة: ١) الفاعل المُسلّح: الذي يستمد قيمته الوجودية ومعاشه اليومي من فوهة البندقية التي أصبحت في نفس الوقت وسيلة التعبير الوحيدة عن ذاته فطغى الانتماء العسكري أو الميليشياوي على الانتماء الوطني الجامع

 ٢) المُتلقّي السلبي أو الضحية: حيث تحول قطاع واسع من الشعب اليمني إلى مجرد أرقام في قوائم المساعدات الإغاثية، مجردين من الفاعلية والقدرة على الإنتاج أو اتخاذ القرار، تحول فيها اليمني من مواطن منتج إلى حالة إنسانية مشلولة تنتظر سلال الإغاثة، فاقداً للقرار والكرامة

 رَسّخَ هذا الاختزال حالة من الاستقطاب الحاد

الإنسان ذو البعد الواحد لا يرى في الآخر شريكاً في الوطن، بل يراه عبر بعد واحد بوصفه نفيا لوجوده أو عدوا ينبغي استئصاله كما تجلي ذلك في منطق وسلوك المجلس الانتقالي الجنوبي على سبيل المثال في حضرموت والمهرة وبقية محافظات اليمن الجريح

اختفت مساحات الحياد والتفكير النقدي

الإنسان ذو البعد الواحد تمت برمجته أيديولوجياً ومذهبياً ومناطقياً وطائفيا لرفض الآخر

 لذا، فإن أي توقيع على الورق سيواجه عقبة التطبيق على الأرض في ظل مجتمع مشحون بالكراهية الأحادية ودول راعية للإنسان ذو البعد الواحد

أصبح الفرد مجبراً على التماهي الكامل مع سردية طرف واحد من أطراف الصراع لضمان بقائه أو حمايته

حتى من لا يحمل السلاح، أصبح يفكر بمنطق عسكري بدلاً من منطق سياسي

هكذا تتم عسكرة الوعي بشكل مختزل بما يجرد الانسان من مخزونه وقيمه الإنسانية

إن الخطورة الكامنة في البعد الواحد تتجلى في تشكيل عقلية لا تؤمن بالنسبية

ففي وعي المقاتل العقائدي – أو حتى المواطن الذي تمت عسكرة وعيه عبر مناهج تعليمية معدلة ومفخّخة وتعبئة إعلامية وأيديولوجية ممنهجة – يصبح الآخر نفياً مطلقاً للذات، وليس شريكاً محتملاً

 لقد تم تدمير المجال العام؛ فغابت النقابات والجمعيات، وهُمّشت النخب الفكرية والأحزاب السياسية التي تمثل نبض المجتمع، وصودرت منابر الحوار لصالح الزامل الحربي والخطاب التعبوي

هذا التصحّر الفكري خلق جيلاً لا يعرف لغة التفاوض، بل يتقن فقط لغة الإملاءات والمغالبة والتضليل

السلام يحتاج عادة إلى مجتمع يؤمن به ويحميه، لكن المجتمع اليمني اليوم، المنهك والمستقطب، يفتقر إلى المناعة المدنية اللازمة لحماية أي اتفاق من انتكاسة السلاح

هذا التحول الخطير في كينونة الإنسان ودوره يمثل اليوم أحد أكبر التحديات الجسام غير المرئية التي تقف حجر عثرة أمام أي تسوية سلمية عادلة منتظرة؛ وهي التسوية المبنية على أسس المرجعيات الثلاث التي تتبناها الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا ويحتشد لها الأنصار في رِواق الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ومنابر الدول الإقليمية والعالمية، ويسندها بحزم التحالف التي تقوده المملكة العربية السعودية الشقيقة

 عندما يجلس المفاوضون على الطاولة، فإنهم لا يواجهون فقط خلافات حول الحدود أو السلطة، بل يواجهون مجتمعاً تمت إعادة تشكيله ليتلاءم مع الحرب لا مع السلم

الطاولة المستديرة للتسوية– في الظروف الماثلة اليوم- لا تجمع ممثلين عن المجتمع بتنوعه (النساء، الشباب، التكنوقراط، المثقفون، المجتمع السياسي والمدني)، بل تجمع ممثلين عن البندقية

هؤلاء المفاوضون هم أبناء البعد الواحد، الذين يرون في الدولة غنيمة وفي السلطة أداة إقصاء

إنهم يبحثون عن محاصصة تضمن استدامة نفوذهم العسكري، لا عن عقد اجتماعي يعيد للمواطن حقوقه

وهنا تكمن المعضلة: سلام أمراء الحرب لا سلام المواطنين

بما أن الصوت العالي هو لـلميلشيات المسلحة أو بعبارة أخرى للإنسان المحارب، فإن التسوية السلمية تميل لأن تكون محاصصة لتقاسم النفوذ بين قادة الميليشيات، أو ما يطلق عليهم أحيانا سلطات الأمر الواقع؛ وليست عقداً اجتماعياً ينعم فيه اليمنيين جميعا بالمساواة والعدل

يتم تهميش الأبعاد المجتمعية الأخرى لأنهم لا يملكون البعد العسكري الذي يمنحهم ثقلاً في ميزان القوى الحالي

  الإنسان الذي تكيّف لسنوات مع كونه مقاتلاً يتقاضى أجره من الجبهة أو من الممول الخارجي، أو منتفعاً من السوق السوداء، سيجد صعوبة بالغة في قبول تسوية تعيده إلى كونه مواطناً خاضعاً للقانون والضريبة والعمل الروتيني

هذا يخلق مقاومة داخلية مجتمعية خفِّية لأي استقرار قد يهدد مصالح البعد الواحد

 السؤال الأخطر الذي يواجه التسوية هو: ماذا سيفعل مئات الآلاف من الشباب اليمني الذين لا يملكون وظيفة سوى التملشن؟ الإنسان الذي تشكل وعيه ونمطه الاقتصادي حول الحرب سيقاوم السلام لا شعورياً؛ لأن السلام يعني تجريده من مصدر قوته ودخله، وإعادته إلى حجمه الطبيعي كمواطن عادي في دولة قانون

هذا الفائض البشري المسلح يمثل قنبلة موقوتة تُهدّد أي استقرار هش

 إن قراءة المشهد اليمني من زاوية سياسية أو عسكرية بحتة هي قراءة قاصرة ومُضِلّلة

الأزمة في اليمن اليوم هي أزمة إنسان تم تفريغه من محتواه الحضاري وحشره في زاوية العنف أو العوز

 وعليه، فإن أي تسوية سلمية منتظرة لن يكتب لها النجاح والاستدامة ما لم تكن مصحوبة بمشروع نهضوي شامل يهدف إلى تفكيك البعد الواحد: مشروع يعيد الاعتبار للمدنيّة، يحرر الاقتصاد من هيمنة أمراء الحرب، وينقذ التعليم من التطييف

السلام الحقيقي ليس مجرد توقيع بروتوكولات وقف إطلاق النار؛ إنه معركة شاقة لإقناع اليمني بأنه أكثر من مجرد مقاتل، وأكبر من مجرد ضحية، وأنه يستحق حياةً تتسع لأحلامه المتعددة، لا لنكباته الثقيلة وكوابيسه الغزيرة وجروحه النازفة

لإنجاح أي تسوية قادمة، يجب أن تتجاوز الحلول الجوانب الأمنية والعسكرية لتعالج هذا التشوه البنيوي في الهوية

يجب أن يضمن الاتفاق السياسي مساحة واسعة لكل أطياف المجتمع اليمني المنتفعة من السلام لكسر احتكار المسلحين للمشهد؛ تحرير الإنسان من الحاجة التي تجبره على الالتحاق بالجبهات

عندما يستعيد اليمني دوره كـمنتج ومبدع، تتراجع سطوة بُعْد المحارب

لابد من وقف ضخ الكراهية الذي يغذي البعد الواحد، والبدء في ترميم الذاكرة المشتركة والهوية اليمنية الجامعة

 إن أي تسوية سلمية لا تضع في اعتبارها تحرير الإنسان من سجنه في البعد الواحد، ستظل تسوية هشة، مجرد استراحة محاربين، بانتظار جولة أخرى من الصراع

السلام الحقيقي يبدأ عندما يعود اليمني ليُعرِّف نفسه بمهنته، وحلمه، وفنّه، ومواطنته وانتمائِه لِيَمَنَه، لا بنوع سلاحه أو جهة ولائه

وهذا هو بالضبط ما يتفانى في العمل عليه رئيس المجلس الرئاسي الدكتور رشاد العليمي ومن معه من الحكماء والأوفياء المخلصين لليمن وشعبه