سليمان العقيلي : الإبراهيمية في الخليج بين التطبيع السياسي والتحول الديني !
منذ 5 أيام
سليمان العقيلي لم يكن توقيع الإمارات على ما يُعرف بـالاتفاق الإبراهيمي للسلام مع إسرائيل في سبتمبر 2020 مجرد خطوة دبلوماسية في سلسلة تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل
بل كان لحظة تحول أيديولوجي مفصلي حيث بدأت فكرة سياسية بحتة في التسلل إلى حقل الدين والهوية
لتصبح مشروعًا لبناء ما يشبه ديانة إبراهيميةجديدة ومتطورة تُقدَّم كحلّ للصراع
فتحولت ورقة تفاهم سياسي بين دولتين تدريجيًّا إلى مشروع ثقافي - ديني يعيد تشكيل الفهم الجمعي للإسلام والمسيحية واليهودية في الخليج
ويفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة، والهوية والانتماء
في السياق السياسي، يُقدَّم الاتفاق الإبراهيمي كإنجاز تاريخي يكسر جمودًا دام عقودًا في مسار السلام، ويحوّل إسرائيل من عدو إلى صديق وشريك اقتصادي وأمني وثقافي
لكنه في الوقت نفسه يُحاول اعفاء النظام العربي من أية مسؤولية عن إنهاء الاحتلال أو إنصاف الشعب الفلسطيني
ليحل محل ذلك خطاب رخو عنالسلام الشامل و الازدهار المشترك
هذا الخطاب السياسي هو الذي أوجد الأرضية المناسبة لظهور مشروع العائلة الإبراهيمية الذي يحاول ربط التطبيع بالقيم الدينية، فيحوّل ما كان خيارًا سياسيًّا قابلًا للنقاش إلى مبدأ أخلاقي وديني شبه مقدَّس
!في قلب هذا المشروع تقع فكرة الأديان الإبراهيمية باعتبارها ثلاث ديانات توحيدية ترجع نسبها الروحي إلى النبي إبراهيم عليه السلام
لكن ما يجري في الخليج اليوم هو تحوّل هذا المصطلح من وصفٍ علمي محايد إلى إطار أيديولوجي يُستخدم لتذويب الفروق العقائدية وبناء هوية دينية جامعة تُخفّف من حدة الخصوصيات الدينية الكبرى
وهو ما تعارضه المرجعيات الدينية الثلاث
وفي هذا السياق يُقدَّم الإسلام ليس كرسالة خاتمة ومستقلة بذاتها
بل كجزء من تيار أوسع ضمن العائلة الإبراهيمية مما يفتح الباب لقراءة جديدة للإسلام تُعيد تعريفه في علاقته بالآخر وفق المصلحة دون اي استرشاد بالنص القرآني والسنة النبوية وبمعزل عن هذا السياق تماماً
أحد أبرز تجسيدات هذا المشروع هو “بيت العائلة الإبراهيمية” في جزيرة السعديات بأبوظبي الذي يضم مسجدًا وكنيسة وكنيسًا في موقع واحد
ويُقدَّم كرمز للتسامح والتعايش على المستوى المعماري
يوجه رسالة واضحة: أن الدين يمكن أن يُختزل في مساحات متجاورة تُفتح أبوابها في المناسبات المشتركة
وأن الصلاة والعبادة يمكن أن تُقرأ كممارسات إنسانية وثقافية عامة أكثر منها عبادات ملتزمة بتفاصيل العقيدة والشريعة
من هنا يبدأ التحوّل من فكرة سياسية إلى معتقد ديني جديد، ليس بالضرورة باسم ديانة إبراهيمية صريحة، بل عبر بناء بيئة رمزية وثقافية تجعل من التقارب بين الأديان الثلاثة مبدأً أعلى من أي مبدأ ديني خاص بشر به الأنبياء المرسلون
في هذا الإطار، تُستغل فكرة أن اليهودية والمسيحية والإسلام يؤمنون بالله الواحد وبإبراهيم كأب روحي مشترك، لبناء خطاب يرى أن الاختلافات الفرعية يمكن تجاوزها لصالح وحدة أكبر تقوم على الأخلاق المشتركة والقيم الإنسانية
هذا الخطاب يقلل من أهمية الخلافات الكبرى في النبوة والرسالة والكتاب، ويحوّل الدين إلى مجموعة من القيم العامة مثل التسامح، المحبة، العدالة الاجتماعية مما يفتح الباب لصناعة دين جديد لا يعترف بالحدود العقائدية الصارمة، بل يروّج لنموذج ديني مرن مثلما فعلت الديانة السيخية التي مزجت بين الإسلام والهندوسية
وفي الإبراهيمية ينتقى ما يماشي اقتصاد العولمة والمصالح السياسة القائمة على التحالفات الاستراتيجية
من الناحية العقائدية الإسلامية، يصطدم هذا المشروع مع جوهر العقيدة التي ترفض أي محاولة لدمج الإسلام في إطار عام يُخلّ بأسس التوحيد والنبوة والكتاب واليوم الآخر
فالإسلام يرى نفسه رسالة خاتمة مستقلة، لا مجرد فرع من عائلة دينية أوسع
كما يرفض أي محاولة لتقديم التطبيع مع إسرائيل كجزء من الدين نفسه
لأن ذلك يُخلّ بمعنى الحقوق والعدالة في سياق الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي
لكن المشروع الإبراهيمي يحاول تجنب الإعلان بشكل صريح وصادم عن دين جديد ويركّز على تغيير البيئة الثقافية
فيُربّي جيلًا يرى في قبول احتلال الأراضي العربية والتحالف مع إسرائيل وحضور المناسبات المشتركة بين الأديان سلوكًا طبيعيًا ودينيًّا لا خروجًا عن الثوابت
هذا التحوّل من اتفاق إبراهيم إلى دين إبراهيمي يعكس مرحلة جديدة في الصراع العربي - الإسرائيلي حيث لم تعد المعركة محصورة في الحدود والجيوش والموارد، بل امتدت إلى ساحة العقيدة والهوية
فبينما يحاول المشروع الإبراهيمي تقديم نفسه كحلّ للصراع
فإنه في الواقع يُعيد تشكيل السؤال نفسه
فيحوّل الصراع من صراع على الأرض والحقوق إلى صراع على المعنى العقائدي والهوية الدينية