سليمان العقيلي : السعودية كـ‘شماعة‘ سياسية:  لماذا يسعى أنصار نتنياهو لإدماج الرياض بمسئوليات الحرب؟

منذ 7 أيام

سليمان العقيلي تأتي التسريبات والمزاعم التي يتبناها لوبي نتنياهو في واشنطن عن مواقف السعودية من الحرب  ومنها ما ينشره صديقا نتنياهو نفسه الصحفيان مارك كابوتو ، باراك رافيد في موقع أكسيوس عن مواقف المملكة من الحرب والتي تصل احياناً بتشبيه الموقف السعودي بطروحات اليمين المتطرف الأمريكي كـ مارك ليفين، في سياق محاولة ممنهجة لإعادة صياغة الواقع الجيوسياسي في المنطقة بما يخدم أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي وحلفائه في واشنطن

 إن هذه السردية التي تحاول تصوير الرياض وكأنها المحرض الخفي على الحرب أو الطرف الأكثر حماساً لاستمرارها وتوسيع رقعتها، ليست مجرد قراءة خاطئة، بل هي تزييف متعمد للحقائق يهدف إلى تحقيق غايتين؛ الأولى : هي تخفيف الضغط السياسي عن تل أبيب عبر تصوير رغبتها في الحرب باعتبارها مطلب إقليمي مشترك

وأنها غير مسؤولة وحدها عن الضغط على ترامب لتفجير الحرب وهو مايعتقده الشارع الأمريكي

والثانية : هي الإيحاء بوجود تحالف عسكري وشيك يجمع السعودية بإسرائيل ضد طهران، وهو ما يتناقض جملة وتفصيلاً مع المسار الاستراتيجي الذي تبنته المملكة منذ سنوات

إن الرد الحاسم على هذه الادعاءات يبدأ من فهم المحرك الأساسي للسياسة السعودية المعاصرة، وهو رؤية 2030 التي تضع التنمية الاقتصادية والتحول الوطني فوق أي اعتبار آخر

حيث تدرك الرياض يقيناً أن الانخراط في حروب إقليمية شاملة أو الدفع نحو مواجهات عسكرية كبرى مناقض لمصالح الرؤية السعودية

وان اي حرب على حدود المملكة هي معوق للمشاريع الكبرى التي تقودها، فمن يسعى لبناء مدن المستقبل كـ نيوم وتحويل البحر الأحمر إلى وجهة سياحية عالمية وجذب مئات المليارات من الاستثمارات الأجنبية لا يمكن أن يكون محرضاً على صراع سيؤدي حتماً إلى إغلاق الممرات المائية وتدمير البنى التحتية للطاقة في المنطقة

 إن السياسة السعودية انتقلت من مربع المواجهة الصفرية إلى مربع تصفير الأزمات، وهو ما تجلى بوضوح في اتفاق بكين عام 2023 لاستئناف العلاقات مع إيران، والذي لم يكن مناورة عابرة بقدر ما كان قراراً استراتيجياً لضمان بيئة آمنة للتنمية، فالمملكة اليوم ترى في الاستقرار الإقليمي ضرورة وجودية، بينما ترى فيه حكومة نتنياهو تهديداً لبقائها السياسي

علاوة على ذلك، فإن محاولة أنصار نتنياهو في واشنطن تسويق فكرة أن السعودية هي من تستعجل الحرب او ترغب في استمرارها تمثل عملية إسقاط سياسي بائسة، فالرياض التي رفضت الانجرار إلى التصعيد العسكري بعد استهداف منشآتها النفطية في سنوات سابقة، واختارت ضبط النفس والمسار الدبلوماسي هي ذاتها التي تقود اليوم حراكاً عربياً وإسلامياً ودولياً من أجل وقف فوري لإطلاق النار في كل المنطقة

 إن الموقف السعودي الرسمي والشعبي يدرك تماماً أن أي مغامرة عسكرية لن تنتهي بنصر خاطف كما يتخيل اليمين الأمريكي، بل له انعكاسات سلبية على امن واستقرار الاقليم واقتصاده، وهو ثمن ترفض المملكة دفعه بالنيابة عن طموحات شخصية لسياسيين في واشنطن أو تل أبيب

 إن التباعد بين الرياض ونتنياهو يكمن في أن الأخير يرى أمنه في استمرار النزيف، بينما تراه السعودية في التهدئة والالتزام بمسار سياسي يفضي إلى بيئة خالية من اسلحة الدمار الشامل والى حل الدولتين كشرط أساسي لأي ترتيبات إقليمية مستقبلية

إن السعودية التي يصفها البعض في واشنطن بـ المتلهفة للحرب هي نفسها التي امتنعت عن الدخول في أي تحالفات عسكرية هجومية خلال الأزمات الأخيرة، وهي التي تصر في كل محفل دولي على أن الحل في الشرق الأوسط ليس عسكرياً بل هو سياسي بامتياز يبدأ من نيل الشعب الفلسطيني لحقوقه

إن الترويج لسردية السعودية تريد الحرب هو مجرد غطاء دخاني يحاول من خلاله أنصار إسرائيل في دوائر صنع القرار الأمريكي تبرير إطالة أمد الصراع، ومحاولة إلصاق تهمة التحريض بطرف عربي لغسل سمعة الطرف الذي يرفض فعلياً وقف إطلاق النار

إن ما تريده السعودية فعلياً هو محو التوتر لا محو الدول، وبناء اقتصاد قوي يتجاوز صراعات الماضي، وهو طموح لا يمكن أن يتحقق في منطقة تشتعل فيها الحرائق التي يسعى نتنياهو وحلفاؤه لإذكاء نيرانها