سليمان العقيلي : القرن الأفريقي على حافة الانفجار: ماذا يعني انزلاق إثيوبيا إلى حرب السودان ؟

منذ 17 أيام

سليمان العقيلي لم تعد الأزمة بين السودان وإثيوبيا مجرد ملف حدودي أو سجال دبلوماسي عابر، بل بدأت تتخذ ملامح أخطر بكثير، لأن أي انخراط إثيوبي مباشر أو غير مباشر في الحرب السودانية يعني انتقال القرن الأفريقي من مرحلة الاحتكاك السياسي إلى مرحلة انفجار الإقليم كله

فحين تتداخل الطائرات المسيّرة، والحدود المفتوحة، والجماعات المسلحة، والاتهامات المتبادلة، تصبح المسألة أوسع من حادثة عسكرية محددة، وتتحول إلى سؤال استراتيجي عن مستقبل الدولة الإثيوبية نفسها، وحدود قدرتها على البقاء لاعبًا إقليميًا مستقرًا إذا  اصبحت مصدرًا دائمًا للاشتعال

والأخطر أن هذا الانزلاق يأتي في لحظة تعيش فيها المنطقة أصلًا على درجة كبيرة من الهشاشة: حرب السودان، العلاقة الملتبسة مع اريتريا ، والتدخل في الصومال ، تشابك ملفات الحدود، تداعيات الصراع الداخلي الإثيوبي، والتوتر مع مصر والتنافس الإقليمي على البحر الأحمر، وتقاطعات النفوذ الدولي في شرق أفريقيا

وعندما تتوافر هذه العناصر كلها في وقت واحد، فإن أي خطوة غير محسوبة من أديس أبابا قد تتحول إلى شرارة تتجاوز السودان لتصيب مجمل النظام الأمني في القرن الأفريقي

إن المشكلة الجوهرية في السلوك الإثيوبي ليست فقط احتمال التورط في دعم عمليات عدائية ضد السودان، بل في النمط الأوسع الذي يجعل من إثيوبيا دولة قابلة لأن تكون مصدرًا دائمًا للتوترات مع جيرانها

فالدولة التي تعاني من هشاشة داخلية، وتعدد بؤر الانقسام، وتداخل الهويات المسلحة، غالبًا ما تبحث عن تصدير أزماتها إلى الخارج أو على الأقل إدارة محيطها عبر أدوات الضغط غير المباشر

وهذه المعادلة بالذات هي ما يجعل إثيوبيا في موقع خطير: فهي ليست مجرد طرف إقليمي كبير، بل دولة قد تتحول، بسبب حساباتها الأمنية وشبكاتها الداخلية، إلى مركز لإدارة الأزمات بدل أن تكون دولة احتواء واستقرار

وهنا يصبح الحديث عن الدور الوظيفي لإثيوبيا في شرق أفريقيا أكثر وضوحًا

فالمقصود ليس بالضرورة وجود قرار مركزي معلن يحكم كل التحركات، بل أن الدولة، بحكم بنيتها الداخلية وتناقضاتها وموقعها الجغرافي وطموحات نخبها، قد تُستخدم أو تُوظف في مشاريع تفكيك أوسع، أو تصبح هي نفسها قناة لنقل الاضطراب إلى الجوار

وهذا ما يجعل خطورتها مضاعفة: فهي ليست فقط دولة متأزمة، بل دولة يمكن أن تتحول إلى منصة لتوليد الأزمات، سواء عبر الحدود مع السودان، أو عبر التداخل مع أزمات الصومال، أو عبر الضغط على إريتريا وجنوب السودان، أو من خلال علاقتها الملتبسة بالقوى الخارجية

أما بالنسبة للسودان، فإن أي تصعيد مع إثيوبيا يفتح بدوره بابًا شديد الحساسية

فالسودان، وهو يعيش أصلًا حربًا داخلية مدمرة، قد يرى في دعم بعض الجماعات الإثيوبية أو الاحتفاظ بورقة التأثير على الحدود وسيلة ردع مقابلة

لكن هذا المسار، وإن بدا مغريًا تكتيكيًا، يحمل مخاطر كبيرة، لأن توظيف الجماعات المسلحة في دولة مجاورة لا يؤدي إلى استقرار متبادل، بل إلى دوامة استنزاف طويلة، تُضعف الدولتين معًا وتزيد قابلية الإقليم كله للانفجار

ومن هنا فإن أي منطق يقوم على المقايضة الأمنية بين الخرطوم وأديس أبابا لن ينتج إلا مزيدًا من الفوضى، لأن كل طرف سيظن أنه يوازن الآخر، بينما هو في الحقيقة يوسّع ساحة الحرب

إن القرن الأفريقي لا يحتمل حربًا جديدة بين السودان وإثيوبيا، لا لأن الحرب مستحيلة فحسب، بل لأن نتائجها ستكون أعنف من قدرة دول المنطقة على الاحتواء

فالممرات التجارية ستتضرر، وحركة اللاجئين ستتضاعف، والحدود الرخوة ستتحول إلى مسارات مفتوحة للجماعات المسلحة، كما ستزداد أهمية الأطراف الخارجية في توجيه مسار الأحداث بما يخدم مصالحها لا مصالح شعوب الإقليم

وهنا تحديدًا تكمن الخطورة الاستراتيجية: كلما ضعفت الدول المركزية وتنازعت حول أمنها، ازداد المجال المتاح للقوى الأجنبية كي تدير الصراعات بالوكالة، وتحوّل شرق أفريقيا إلى ساحة تفكيك متبادل بدل أن يكون فضاء تعاون وتنمية

من هذه الزاوية، تبدو إثيوبيا اليوم أمام لحظة اختبار قاسية

فإما أن تعيد تعريف علاقتها بجيرانها على أساس الاستقرار والتوازن والاعتراف المتبادل، أو أن تواصل الانزلاق نحو دور الدولة المصدّرة للتوترات، بما يجعلها مركزًا لتقاطع المشاريع الخارجية والحسابات الإقليمية المتصارعة

إن التوتر السوداني-الإثيوبي ليس تفصيلًا في مشهد إقليمي مزدحم، بل هو مؤشر على انتقال القرن الأفريقي إلى مرحلة أكثر خطورة

وإذا لم يُكبح منطق استخدام الجوار كساحة ضغط، فإن إثيوبيا قد تجد نفسها من دولة تسعى إلى توسيع نفوذها إلى دولة تُستدعى كعامل اضطراب دائم، ومن لاعب إقليمي إلى مركز لإدارة التوترات، وربما منصة لتغذية مخططات التفتيت في شرق أفريقيا