سليمان العقيلي : اللوجستيات كقوة ناعمة :  كيف تعيد (الرياض) رسم خرائط سلاسل الإمداد الدولية ؟

منذ 13 أيام

سليمان العقيلي من الواضح أن الشرق الأوسط يعيش اليوم لحظة إعادة تعريف جذرية لمفهوم الجغرافيا الاقتصادية

فمن الاعتماد التاريخي على الممرات البحرية “الهشة” إلى بناء شبكات ربط برية مرنة ومتعددة الاتجاهات، تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراع على من يملك الطريق؟

وفي هذا السياق، يأتي إعلان وزير التجارة التركي، عمر بولات، بشأن منح سائقي الشاحنات الأتراك تأشيرات عبور سعودية لمدة 15 يوماً نحو الخليج وجنوب الجزيرة العربية، كمؤشر رمزي على تحوّل عميق يتجاوز العلاقات الثنائية ليعكس تحولاً في معمار القوة الإقليمية الذي تقوده المملكة العربية السعودية

 من عنق الزجاجة إلى هندسة الممرات المفتوحة لم يعد مضيق هرمز مجرد شريان لتدفقات النفط، بل تحول إلى نقطة ضغط جيوسياسية بيد الأطراف الاقليمية والدولية المتصارعة

ومع تصاعد هشاشة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، تحركت السعودية بمزيج من الواقعية الإستراتيجية والطموح البنيوي نحو (إعادة توزيع الجغرافيا اللوجستية للمنطقة)

التحول الحقيقي لم يكن في إنشاء طرق جديدة، بل في تكسير القيود الإدارية والتنظيمية التي كبّلت حركة التجارة البرية لعقود

منح تأشيرات العبور المباشر، وإلغاء بروتوكول تفريغ وتحميل البضائععلى الحدود، حول السعودية من “نهاية طريق” إلى جسر قاري يربط الأناضول بالخليج وبحر العرب، ويجعلها مركز التحام بين ثلاثة فضاءات جغرافية: **المتوسطي، الخليجي، والأفريقي**

 السعودية: من مصدر للطاقة إلى مركز النظام التجاري الجديد ضمن رؤية 2030، تسعى الرياض لتكريس نفسها كـ **محور لوجستي عالمي** يوازي دورها الطاقوي في الاقتصاد الدولي

تسهيل مرور الشاحنات التركية يمثل التطبيق العملي الأول لمشروع المبادرة الوطنية لسلاسل الإمداد العالمية ، الهادفة إلى دمج المملكة في شرايين التجارة بين أوروبا وآسيا

تقليص زمن العبور من أسابيع إلى أيام لا يحمل بعداً اقتصادياً فحسب، بل بعداً سيادياً واستراتيجياً يجعل أمن التجارة العالمية جزءاً من المجال الحيوي السعودي

هذا التموضع يرسخ فكرة أن من يتحكم في طرق مرور البضائع، يتحكم في إيقاع الأسواق، ومعها ملامح النفوذ السياسي

 جيوسياسية الممرات البديلة: الشمال كمحرّك توازن جديد يمثل المسار البري بين تركيا وسوريا والأردن والسعودية تجسيداً عملياً لفكرة الهلال اللوجستي الشمالي، القادر على تجاوز اختناقات المضائق البحرية

هذا الامتداد يعيد بناء العمق الاستراتيجي البري للمنطقة العربية، ويقلّص الارتهان للمياه الدولية المليئة بالمخاطر الأمنية

من جهة أخرى، فإن هذا الممر يمنح السعودية أوراق ضغط مضاعفة في تفاعلاتها مع كلٍّ من العراق، الأردن، وشرق المتوسط، ويعيد تعريف العلاقة بين “الموقع” و”القوة”، إذ تتحول الجغرافيا من عامل ثابت إلى أداة صُنع التأثير

 تكامل الطاقة والنقل: هندسة الاعتماد المتبادل تدرك المملكة أن السيطرة على الموارد لا تكفي لبناء النفوذ، وأن المستقبل لمن يمتلك القدرة على ضمان تدفقها بأمان وكفاءة

الربط البري مع تركيا، مقروناً بمشروعات الربط مع العراق وصولاً إلى أوروبا، ومع هندسة طرق تصدير الطاقة عبر البحار المفتوحة كلها تشكل نظاماً تكاملياً للطاقة والنقل وتعيد توزيع الثقل الجيوسياسي من البحار إلى البر

بهذا المعنى، لم يعد الهدف تجاوز مضيق هرمز فحسب، بل تجاوز معادلة الاحتجاز البحري بأكملها نحو فضاء بري مفتوح من الهند إلى أوربا ومن الخليج إلى البحار العربي والأحمر والمتوسط

وبذا تسيطر الرياض على عصب سلاسل الامداد لوجستياً وتشريعياً وأمنياً

بما يحمي استقرار الاقتصاد العالمي وأسواقه من قوى الصراعات الثورية

 إننا أمام بلورة هلال لوجستي جديد تقوده السعودية لا كخيار طارئ، بل كإستراتيجية بعيدة المدى تُحوّلها إلى المعبر المركزي للقرن الحادي والعشرين

ففي زمن تتراجع فيه الثقة بالممرات البحرية التقليدية، تنشئ المملكة منظومة ربط برية بالطرق الشريانية والسكك الحديدية تجعلها لا تُشحن عبرها البضائع فحسب، بل تعبر من خلالها موازين القوة العالمية