سليمان العقيلي : عندما يتحوّل التطبيع إلى أداة تحريض!

منذ يوم

سليمان العقيلي تحاول دولة الإمارات في السنوات الأخيرة توظيف علاقاتها المتنامية مع إسرائيل، لا لدعم السلام أو تعزيز الاستقرار الإقليمي

بل لخدمة مصالحها الضيقة في توسيع النفوذ

بما في ذلك استهداف المملكة العربية السعودية التي يبدو أن إضعافها هدف استراتيجي في سياستها الخارجية

ولتحقيق ذلك تلجأ إلى وسائل مختلفة مقبولة وغير مقبولة ؛ كاستغلال قوى الضغط السياسي والإعلام الأمريكي والموالين لإسرائيل في واشنطن لتسخيرها ضد المملكة

هذا السلوك يعكس نزعة عدوانية تتنافى مع الروابط التاريخية لبلدان المنطقة

ويعبّر عن مشروع سياسي مأزوم يقوم على خلط الأوراق وافتعال الصراعات ودبلوماسية الوشاية والخداع

التطبيع كوسيلة للتحريض لا للسلامإن استخدام التطبيع وسيلة للتحريض السياسي يمثل انحداراً سياسياً قبل أن يكون خطأً استراتيجياً

فالتعاون مع جماعات ضغط معروفة باستعدادها لمهاجمة السعودية والعرب بناءً  على وجهة النظر من الصراع العربي الإسرائيلي وتأليبها ضد الجيران، يدل على فقدان البوصلة السياسية في التعاطي مع قضايا المنطقة، وتجاهل قواعد الجغرافيا السياسية الواحدة التي تفرض منطق التعاون والتكامل لا التصادم

من المؤكد أن محاولات بعض الأطراف الإقليمية استغلال اللوبي الإسرائيلي للتحريض على السعودية ليست سوى فصل جديد من العبث السياسي، ومحاولة بائسة لابتزاز واشنطن عبر بوابة إسرائيل وجرّها إلى دوامة استقطابات الشرق الأوسط المتبدلة ورمالها المتحركة

الموقف السعودي: مبدئي لا عدائيفي المقابل، حافظت المملكة العربية السعودية على موقف مبدئي ثابت وواضح من القضية الفلسطينية، يقوم على السلام الحقيقي ورفض التطبيع المجاني

ولم تتخذ أبداً موقفاً عدائياً من اليهود كأتباع ديانة سماوية، بل احترمت الأديان كافة واعتبرت الاختلاف الديني جزءاً من سنة الله في خلقه

نقد المملكة موجّه إلى سياسات حكومة نتنياهو المتطرفة التي رفضها المجتمع الدولي – بما في ذلك البيت الأبيض – لما ترتكبه من جرائم موثقة بحق الشعب الفلسطيني في انتهاك صارخ للقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة والمبادئ العالمية لحقوق الإنسان

من الخطأ البالغ الخلط بين انتقاد سياسات نتنياهو وبين مفاهيممعاداة السامية الموجهة ضد اليهود

فالمملكة لم تنزلق يوماً إلى خطاب الكراهية ضد الديانات الأخرى، بل أسست مؤسسات إقليمية ودولية لحوار الأديان والحضارات، وتبنت نهجاً إنسانياً وأخلاقياً في تعاملها مع الثقافات المختلفة

وقد نالت بذلك تقدير المجتمع الدولي، وكان آخره تكريم الكونغرس الأمريكي لأمين عام رابطة العالم الإسلامي الدكتور محمد العيسى لدور الرابطة في نشر التسامح ونبذ الكراهية

السعودية رائدة مبادرات السلامإن احترام المملكة لليهود كديانة لا يعني قبولها بجرائم الاحتلال الإسرائيلي، كما أن رفضها للتطبيع المجاني لا يُعد عداءً لأحد، بل يعكس موقفاً مبدئياً يعلي من شأن العدالة وحقوق الإنسان ويرفض تحويل القضية الفلسطينية إلى ورقة مساومة أو تجارة سياسية

لقد كانت المملكة – منذ مطلع الثمانينيات – رائدة في طرح مبادرات السلام العادلة والشاملة؛ فقدمت مبادرتين واضحتين لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي عامي 1982 و2002 انطلاقاً من رؤية استراتيجية تؤمن بأن السلام العادل هو الطريق الوحيد للاستقرار في الشرق الأوسط

ورغم التباينات العربية تبنت قمتا فاس وبيروت هذه المبادرات بالإجماع بفضل جهود الرياض

رؤية 2030: الانفتاح لا الاصطفافوفي موازاة مواقفها المبدئية، تنتهج المملكة سياسة منفتحة تنسجم مع رؤية 2030 التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كمشروع وطني وإقليمي شامل يربط التنمية بالاستثمار والانفتاح على العالم

هذه الرؤية لا تقوم على العزلة أو التصادم، بل على الشراكة الاقتصادية والثقافية الإقليمية والدولية، بما يعزز التواصل الإنساني والتبادل المعرفي واحترام التنوع الحضاري

ومن هذا المنطلق، تتعامل المملكة مع العالم بلغة المصالح المشتركة والتنمية المستدامة لا بلغة الاصطفافات والتحريض

لذلك، على الولايات المتحدة وقواها السياسية والإعلامية أن تدرك خطورة المسار الذي تدفع إليه بعض الأطراف الاقليمية في الشرق الأوسط ، ومنها أبوظبي ، حين تفجر الحروب والصراعات وتخلق المحاور مستغلة التطبيع لإشاعة الانقسام بين الحلفاء العرب و لتشويه ادوارهم المحورية في قضايا السلام والاستقرار مثلما تفعل السعودية

فمثل هذا النهج لا يخدم السلام الحقيقي، بل يضربه في الصميم ويضعف الثقة في الشراكات الجديدة حتى مع إسرائيل ذاتها

إن السلام لن يُبنى على الخصومات المفتعلة أو الدعاية المضللة، بل على الثقة المتبادلة واحترام الحقوق والمبادئ التي يؤمن بها العالم