سليمان العقيلي : قراءة في جيوسياسية هرمز.. الحرب بين منطقين : "الضربة الوقائية" و "احتواء الصين"

منذ 4 ساعات

سليمان العقيلي تحولت الحرب الامريكية - الإسرائيلية على إيران ومعها أزمة مضيق هرمز إلى ساحة خصبة لفرضية يعتبرها البعض فصلاً جديداً من الصراع مع الصين

هدفه استنزاف طهران وخنق شريان الطاقة المتجه إلى بكين

هذه المقاربة تلتقط بعداً حقيقياً يتعلق بحضور الصين كأكبر مستورد لنفط الخليج الذي يمر عبر هرمز، حيث يضرب أي اضطراب قلب نموها الصناعي ويضيف مخاطر لنموذج عولمتها

لكن هذه الفرضية تُسقط تداخل ثلاث دوائر حاكمة: الصراع المباشر مع إيران، أمن الطاقة في الخليج، والتنافس البنيوي مع الصين

الهدف الأساسي للحرب يبقى إيران ذاتها: ضرب البرنامج النووي، تقليص قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإضعاف شبكتها الإقليمية من لبنان إلى اليمن مروراً بالعراق، لخفض التهديد على إسرائيل والقواعد الأمريكية والحلفاء الخليجيين، ومنع طهران من تثبيت وضع قوة نووية يُمكّنها من فرض معادلات ردع جديدة

في هذا الإطار تُقرأ هرمز كأداة ضغط إيرانية لا منصة أمريكية لضرب الصين، ورواية «سكوت واشنطن» عن إغلاقها في البداية لا تصمد أمام التحركات الفعلية اللاحقة: تعزيز القطع البحرية، السعي لتحالف مرافقة الناقلات وتنسيق مهام دفاعية دولية، وضغط علني على بكين لاستخدام نفوذها لدى طهران، مما يُظهر الصين كطرف متضرر يُمكن أن يلعب دور «وسيط ضغط»، لا كخصم رئيسي

ما نعيشه ليس إغلاقاً رسمياً إيرانياً، بل حالة «إغلاق بحكم الأمر الواقع» : استهداف سفن، تهديدات، ارتفاع أقساط التأمين، وتحوّل هرمز إلى منطقة عالية المخاطر تدفع شركات الشحن إلى الانسحاب

واشنطن قادرة على تنفيذ ضربات عسكرية ضد مواقع إيرانية أو ضد وسائل تهديد الملاحة، لكنها لا تستطيع بقرار سياسي أو عسكري واحد أن تجعل المضيق طبيعياً فوراً

لأن عودة الوضع الطبيعي لا تعتمد فقط على إزالة التهديد العسكري المباشر، بل أيضاً على سلوك السوق، وشركات الشحن، وشركات التأمين، والمضاربين وتقديرهم للمخاطر

 ليست الصورة لصالح واشنطن بهذه البساطة: الصين تمتلك مخزونات كبيرة وتنويعاً متزايداً عبر روسيا وآسيا الوسطى، وقد تتحمّل الصدمة أفضل من أوروبا أو اليابان، مما قد يدفع بكين لتعميق مسارات أقل خضوعاً لهيمنة الممرات الغربية، فيعزّز «الكتلة القارية» الروسية - الصينية على حساب النفوذ الأطلسي

في الوقت نفسه، أي تعطيل طويل لهرمز يصيب الاقتصاد العالمي برمته: ارتفاع أسعار الطاقة، تضخم، اضطراب سلاسل الإمداد، وتوتر أسواق مالية، والولايات المتحدة رغم إنتاجها النفطي، غير محصنة من صدمة الأسعار والركود السياسي الداخلي، مما يجعل فكرة «معاقبة الصين عبر إيران» مكلفة داخلياً

  الحرب على إيران حربٌ ذات أهداف مباشرة تتعلق بطهران وشبكتها الإقليمية، لكنها تُخاض فوق مسرح دولي تتزاحم فيه واشنطن وبكين وموسكو على تعريف من يملك مفاتيح الممرات البحرية وقواعد اللعبة في الاقتصاد العالمي

اختزال هذا التعقيد في عبارة أنها حرب «على الصين أساساً» يحجب عنّا فهم التداخل بين المستويات الثلاثة: المحلي (إيران)، والإقليمي (الخليج وأمن الطاقة)، والكوني (التنافس الأمريكي–الصيني)

ومن دون الإمساك بهذه الطبقات معاً، ستبقى قراءتنا للحرب ناقصة، تميل إلى الشعارات أكثر من اقترابها من منطق الحسابات الإستراتيجية الفعلية