سمير رشاد اليوسفي : الأطراف المعنية باليمن
منذ يوم
سمير رشاد اليوسفي يقولون إن التاريخ يعيد نفسه؛ في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة
أما في اليمن، فيبدو أن التاريخ مصابٌ بـ“زهايمر انتقائي”؛ ينسى المأساة ليعيدها كمهزلة، ثم ينسى المهزلة ليعيدها كمأساة أشد قتامة
إنها حلقةٌ لا تنتهي من العبث، حيث يصرّ الجميع على تدوير الفشل نفسه، مع وهمٍ بأن هذا العبث يمكن أن يبقى محصورًا داخل حدود اليمن؛ وهو وهمٌ كان ليضحكنا لولا أنه يبكينا دمًا
قبل أكثر من ستين عامًا، جلس رجلٌ اسمه محمد أحمد نعمان، ولقبه “الغوبة”، واستعار مصطلحًا دبلوماسيًا من “مباحثات الإسكندرية” حول الخلاف في اليمن هو “الأطراف المعنية”، ليحوّله إلى مشرط جراحٍ يشخّص به الداء اليمني
لم يكن يقصد فقط طرفًا يريد الحكم باسم “الحق الإلهي” وآخر باسم “البندقية القبلية”، بل كان يغوص أعمق في جسد المجتمع المتشظي: هاشمي وقحطاني، زيدي وشافعي، جبلي وتهامي… أطرافٌ لا حصر لها تنسى أنها قبل كل شيء “يمنية”
وبين حجري الرحى، يُطحَن طرفٌ ثالث يحلم بدولةٍ اسمها “القانون والمواطنة”
إن فهم مصير هذا الحلم هو فهمٌ لمصير اليمن نفسه
وماذا عن “الطرف الثالث”؟ إن وصفه بـ“الحالم” فيه تبسيطٌ مُخلّ؛ فتاريخ هذا التيار أوسع من أن يُختزل، لكن قصته تتكثف بشكل مأساوي في سيرة رموزه الأبرز، كآل النعمان وغيرهم من رواد الدولة المدنية، قصة الواقعية التي سُحقت
لم يكونوا مجرد مثقفين، بل سياسيين براغماتيين حاولوا تطبيق حلول منطقية في بيئة غير منطقية
لكن يبدو أن من يحاول أن يكون منطقيًا في السياسة اليمنية، ينتهي به الأمر إما مقتولًا في بيروت، أو منفيًا بعد سحب جنسيته من رفاق ثورته، أو في أفضل الأحوال، يتعلم فن البقاء؛ فيصبح “كومبارسًا” في مسرحية أحد أمراء الحرب، أو في زماننا هذا، يتحول إلى “معارض فيسبوكي” محترف
ثم جاءت اللحظة التي تحوّر فيها المشهد بعد ثورة الشباب عام 2011؛ فـ“الطرف الأول” الذي قاتل لاستعادة “الإمامة”، تبخر ليحل محله أحفادٌ أيديولوجيون يرفضون لقب “ملكي” لكنهم يتمسكون بجوهره
أما “الطرف الثاني”، جمهورية العسكر والقبيلة، فقد انقسمت على نفسها؛ جزءٌ منها تحالف مع “أحفاد الطرف الأول” في صنعاء، وجزءٌ آخر يقاتلهم من مأرب وتعز باسم “الجمهورية” نفسها التي كان بعضهم شركاء في إفشالها
والأطرف من كل هذا، كان ظهور “طرف رابع” لم يكن في حسبان النعمان: طرفٌ جنوبي، سئم من هذه القصة العبثية، وقرر أنه يريد استعادة دولته التي سلمها طواعية قبل نحو ستة وثلاثين عامًا على أمل بناء “يمن أكبر”، ليكتشف أن “اليمن الأكبر” هو مجرد “مشاكل أكبر”
وفي خضم هذا التدوير، لم تكن الساحة يومًا مغلقة على ممثليها المحليين؛ فاليمن، بحكم موقعه، لم يُمنح ترف أن يجنّ وحده؛ بعض من راقبوا العرض من النوافذ ظنوا، في لحظة ما، أن إدارة الفوضى أسهل من رعاية دولة متعبة، قبل أن يكتشفوا – متأخرين – أن الفوضى لا تعترف بالمسافة الآمنة
وهنا تتجلى ذروة المهزلة في سيرة أسرة واحدة، كتاريخ مكثف لليمن: الابن الأكبر، محمد، المثقف صاحب التشخيص، دفع حياته ثمنًا لأفكاره حين اغتيل عام 1974
والده، “أستاذ الأحرار” أحمد محمد نعمان، الثائر الذي سُجن في عهد عبد الناصر ثم عاد ليصالح خصومه، عاش بعد ابنه عقدين كاملين من الألم، ليموت في منفاه عام 1996
واليوم، نرى الشقيق الأصغر، مصطفى، يكمل فصول المأساة بمنطقٍ هو التطور الطبيعي لكل ما سبق؛ فالدبلوماسي المحنك الذي كان متوقعًا أن يُعيّن وزيرًا للخارجية في التشكيل الحكومي المعلن عنه الأسبوع الماضي، لولا أن المنصب ذهب للجنوب في إطار المحاصصة، انتهى به الأمر إلى الدعوة لتفاهم الضرورة مع وريث “الطرف الأول” لمواجهة “طرف رابع” جديد
قبل فترة، أهداني الصديق العزيز لطفي النعمان، الذي أبارك له تعيينه المستحق عضوًا في مجلس الشورى، نسخةً من كتاب عمه، وعنوانه الدقيق “الأطراف المعنية في اليمن”
أعدت قراءة الكتاب وأنا أفكر في أزمة اليمن الراهنة، وكيف أن المشكلة لم تعد فقط في الأطراف المعنية “في” اليمن، بل أصبحت معنية “به” من كل حدب وصوب
بينما تدور النخب في هذه الحلقة المفرغة، يقف المواطن العادي في طابور الخبز أو الغاز، ويدفع وحده فاتورة هذا الجنون
إنه الإصرار على استخدام نفس الوصفات القديمة – المصالحة، الاحتواء، التحالف مع الشيطان – مع تجاهل الحقيقة الأبسط: أن الرهان على دولة واحدة، مهما كانت مريضة ومتعبة، أقل جنونًا من الرهان على أطرافٍ تُعاد تدويرها بلا نهاية
إن توقع نتيجة مختلفة من نفس المقدمات هو التعريف الحقيقي للجنون
ويبقى السؤال الأهم: أين هي تلك “الطبقة المستنيرة” التي راهن عليها النعمان كدواء وحيد لداء التشظي، وكيف يمكن لها أن تكسر هذه الحلقة، قبل أن يُكتب فصل جديد في مأساة اليمن، بنفس الحبر القديم؟