سمير رشاد اليوسفي : 299 عاماً من التغيير
منذ 15 ساعات
سمير رشاد اليوسفي في يوم التأسيس، لا يعود التاريخ دائماً من بطون الكتب، بل أحياناً من مشهدٍ عالق في الذاكرة
هذا الصباح، وأنا أتابع احتفاء السعودية بذكرى 1727، عاد إليّ ذلك الوقوف الصامت أمام قصر سلوى في حي الطريف، حين زرت الدرعية في أكتوبر 2024 بدعوة من وزارة الإعلام للمشاركة في الأيام الثقافية اليمنية
يومها، لم يكن المكان مجرد أطلال طينية مرممة، بل لحظة تأسيس ما زالت تلقي بظلالها على الحاضر
في جدرانٍ بُنيت من الطين قبل ثلاثة قرون، كان العرض التفاعلي داخل مركز الزوار في حي الطريف يقدّم سرداً بصرياً لتاريخ الدرعية ونشأة الدولة السعودية الأولى، عبر تسلسلٍ زمني يستعيد لحظة التأسيس بلغة حديثة
دولة بدأت من الطين، تدير اليوم ملايين الحجاج والمعتمرين بتقنيات الذكاء الاصطناعي
بين هاتين الصورتين، يتجدد السؤال الذي يفرض نفسه في هذه المنطقة: كيف تبقى الدول؟تبقى حين لا تكتفي ببناء مدنها، بل تعيد صياغة ما يتوقعه مواطنوها منها
الرياض التي عشتُ فيها سنوات تعليمي، من الابتدائية حتى التخرج الجامعي، لم تكن تبدل طرقاتها ومبانيها فقط؛ بل كانت تتغير في مفهوم الدولة نفسها، وفي طبيعة العلاقة بينها وبين المجتمع
وتبقى حين تستثمر في الإنسان، لا في البنية التحتية وحدها
ففي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وفي سياق التوجهات التي يقودها سمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، لم تعد النهضة تقتصر على بناء المدن، بل امتدت إلى بناء العقول عبر حراك ثقافي وفني يتجلى في مهرجانات تُقام في مختلف مدن المملكة، واهتمام مؤسسي بالمعرفة والبحث العلمي، بما في ذلك صدور المجلة السعودية للدراسات الفلسفية، حتى غدا ما كان يسافر له المواطن بحثاً عن المعرفة أو الترفيه متاحاً له على أرضه
وتبقى حين توسّع مصادر قوتها الاقتصادية
من موانئها الكبرى في جدة والدمام إلى الموانئ الصناعية في جازان، تسعى المملكة إلى تعزيز موقعها في سلاسل الإمداد الإقليمية والدولية عبر ربط الخدمات اللوجستية بالتصنيع، لتنويع الاقتصاد وتقليل تعرضه لتقلبات الأسواق
وتبقى حين تدير تحدياتها المناخية بمرونة إنتاجية
من مزارع الزيتون في الجوف إلى مزارع البن والفواكه في جازان، تتقدم مشاريع الزراعة الحديثة في بيئة صعبة، دعماً للأمن الغذائي
وتبقى حين تتحول خدمة الحرمين الشريفين إلى منظومة إدارة متكاملة لملايين الحجاج والمعتمرين، تبدأ من مبادرة «طريق مكة» في بلدان القدوم، وتمتد إلى توظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تنظيم الحشود وتيسير أداء المناسك
وأخيراً، تبقى حين تفهم موقعها في محيطٍ تتبدل فيه موازين القوة سريعاً، وتتعرض فيه دولٌ لضغوط النزاعات وتقلبات الاقتصاد وسلاسل الإمداد
فالحضور السياسي المتنامي للمملكة، وتحول الرياض إلى نقطة تقاطع لملفات سياسية واقتصادية متشابكة، يعكس إدراكاً بأن الاستقرار لم يعد شأناً داخلياً فقط
في يوم التأسيس، لا تبدو الدرعية مجرد بداية تاريخية، بقدر ما تبدو درساً مستمراً في كيفية التكيّف مع التحولات دون فقدان الاستمرارية
فالاستقرار لا يُورث، بل يُبنى
والدولة لا تبقى بما كانت عليه، بل بما تصير إليه