صنعاء: سوق سوداء للقاحات الأطفال

منذ 5 ساعات

صنعاء- إيمان محمد يتلفت يمينًا ويساراً، خوفاً على طفله الذي لم يتجاوز ربيعه الثاني ونصف، يسكن قلبه قلق ينهشه كلما تذكر أن “جرعة اللقاح” الروتينية، التي من المفترض أن تكون درع طفله الصغير، أصبحت حلماً بعيد المنال

محمد علي، شاب في العقد الثالث من عمره، وقف مصدوماً أمام أبواب المركز الطبي في حي 45، صنعاء

لم يكن يتوقع أن يجد المركز خالي من اللقاحات، لكن الصدمة الأكبر كانت في “العرض” الذي تلا الرفض

يقول المشاهد: أخبرني الموظف الصحي في البداية بعدم التوفر، لكنه لحق بي إلى الخارج هامساً: يمكنني توفير إبرتين لك، مقابل 5 آلاف ريال…”عبارة وقعت على أذنيه كالصاعقة، فكيف يتحول حق طفله المكفول إلى سلعة تُباع في “سوق سوداء” للصحة؟لم يستسلم محمد واندفع نحو مركزا آخر، وهناك، تكرر المشهد ذاته بحذافيره: نفس الرد البارد، ونفس العرض “السري” بسعر مضاعف هذه المرة

عاد محمد إلى منزله يجر أذيال الخيبة، يغالب غصة في حلقه لم يحصل طفله إلا على بضع قطرات في فمه، وإبره واحده في رجله بينما بقيت الإبرة الأخرى غائبة خلف جدار الاستغلال

تساؤل ينتشر خلال الآونة الأخيرة للأمهات

هذه أم أخرى تسأل على فيسبوك حول اللقاحات ومكان تواجدها علها تجد من يرشدها الى اضالتها

في تقرير لها نشر في 2024، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إن أقل من 30% فقط من الأطفال تحت سن ثلاث سنوات يتلقون جرعات التطعيم الكاملة

وفي هذا الصدد تفصل المنظمة أن معدل التطعيم ضد الحصبة في 2023 لم يتجاوز 41%

وبلغ معدل التطعيم ضد شلل الأطفال 46% لنفس العام

وتشير المنظمة في تقرير آخر نشر في مارس 2024، أن عوامل مختلفة تسهم في ضعف معدلات التطعيم بين الأطفال في اليمن من بينها التضليل، المعتقدات الثقافية، انعدام الثقة في النظام الصحي، وقلق بشأن أمان وفعالية اللقاح

وقالت المنظمة ” تمكنت

العديد من دول العالم من كبح انتشار الأمراض مثل الحصبة والسعال الديكي (الشاهوق) بفضل ارتفاع معدلات التطعيم، إِلَّا أن اليمن لا تزال متأخرة في هذا الجانب بسبب تدني معدلات تطعيم الأطفال الصغار بشكل مقلق

”وبين هذا الطفل وذاك، وتستيقظ آلاف الأسر على تساؤل يتردد في كل بيت “إلى متى يظل حق أطفالنا في الحياة معلقاً على أرصفة البيع والشراء؟يشير عبد الرحمن محمد، ممرض كان يعمل ضمن فرق التحصين في أحد المستشفيات الحكومية الى وجود قيود ومنع جزئي يفرضه الحوثيون على حملات التحصين الوطنية الشاملة (مثل حملات شلل الأطفال والحصبة التي تنتقل من منزل إلى منزل) خلال الأشهر الماضية معتبرة إياها “مؤامرة”، وهو ما أدى إلى تراجع كبير في نسب التغطية الصحية

ويقول إن الحملات الميدانية التي كانت تنظمها منظمة الصحة العالمية واليونيسف لا تزال ممنوعة في مناطق سيطرة الحوثيين، بينما تستمر في المحافظات الأخرى مثل عدن ومأرب

 ويقول للمشاهد: تتوفر بعض اللقاحات الروتينية في المراكز الصحية والمستشفيات الكبيرة في صنعاء، لكنها تعاني من نقص في الإمدادات أو ضعف في الإقبال نتيجة التحريض والتردد في أخذ اللقاحات

يلقي الدكتور أنيس الأصبحي المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان بصنعاء، باللوم على المنظمات الدولية ويقول إنها المسؤولة عن توفير اللقاحات لليمن مثل منظمة الصحة العالمية واليونيسيف ورعاية الطفولة وغيرها، بيد أنها قيدت وقلصت من نشاطها في الجانب الصحي خلال الآونة الأخيرة وهي السبب الرئيسي لعدم توفرها ونقصها

ويقول في حديثه مع “لمشاهد”: “سياستنا وخطابات السيد واضحة في هذا الجانب وفيما يتعلق بأضرار اللقاحات على الأطفال، بيد أن المنظمات والتي كانت تمد الوزارة بكافة اللقاحات ومنها نحن نوزع على الجنوب وبقية المحافظات علقت نشاطها مما أدى الى تقليصها على المرافق الحكومية، مؤكدا أن السيد (زعيم جماعة الحوثي) لم يصدر قرارا بشأن منعها بعد، وفي حال تلقت الوزارة ذلك سيتم تعميمه على جميع المحافظات

”ويقول “اللقاحات هي في الأصل فيروسات وأمراض ممكن أن تعود بالضرر على أطفالنا ـ حسب قوله

” مضيفا “اللقاحات المتوفرة موجودة في المرافق الصحية، لا تنفذ الوزارة حملات مثل من منزل الى منزل أو حملات في المدارس هي لمن أراد فقط، ومن يصر عليه يتحمل المسؤولية

”وتجدر الإشارة هنا أن حديث المتحدث باسم وزارة الصحة في صنعاء بشأن اللقاحات تضليل صريح وجزء من تضليل ممنهج رصده المشاهد على مدار أكثر من ثلاث سنوات يستهدف لقاح الأطفال

وكان المشاهد قد نشر في فبراير 2023 تحققا عن تضليل مماثل قادته حكومة جماعة الحوثي ضد لقاحات الأطفال في صنعاء

حيث أشار التحقق أن رئيس وزراء حكومة جماعة الحوثي في حينها، عبد العزيز بن حبتور، ووزير الصحة في حينها، طه المتوكل حضرا في 8 فبراير 2023، ندوة بعنوان “اللقاحات ليست آمنة ولا فعالة

” وفي الفعالية نفسها قال المتوكل إن اللقاح ليس إلزامياً بالمطلق، لكنها عملية إتاحة ومن يصر عليه ويطالب به يتم منحه اللقاح على أن يتحمل المسؤولية في معرفة سلبيات الأمور من إيجابياتها

”وأمام الواقع الذي يناقض سردية جماعية الحوثي ضد لقاحات الأطفال، ظهر المتوكل في نفس الشهر الذي قيمت فيه الندوة أمام مجلس النواب في صنعاء يقول إن 170 طفلا يموتون يوميا بسبب انتشار الأمراض والأوبئة

وفي مواجهة هذه الحملات المضللة ضد لقاحات الأطفال قالت اليونسف في تقريها الخاص باللقاحات في اليمن في 2024، إن التطعيم يؤدي دورا حاسما في الصحة العامة، حيث يسهم في تلافي أكثر من أربع ملايين وفاة بين الأطفال حول العالم سنويا

وتقول المنظمة في نفس التقرير “تعمل اللقاحات على تقوية جهاز المناعة لدى الأفراد مما يؤدي إلى الحد من انتشار الأمراض وبالتالي بناء مجتمعات أكثر صحة

”يكشف محمد العودي ـ طبيب أطفال في مستشفى بصنعاء ـ عن قلق يجتاح الكادر الطبي من حجم الكارثة التي ممكن او تواجه المجتمع في حال توقف الأطفال عن أخذ لقاحاتهم، مؤكدا ان اللقاح ليس مجرد “حقن أو قطرات”، بل سد منيع يحمي أجسادهم من غزو بكتيريا وفيروسات لا ترحم

ويتابع العودي في حديث مع “المشاهد”: تأخر جرعة شهرين ونصف يعني أن جهاز الطفل المناعي لا يزال “أعزل” أمام بكتيريا المكورات الرئوية والتهاب الكبدـ وهناك عده أوبئة وأمراض فتكت بأجيال سابقة ومن أبرزها وممكن ان تعود، شلل الأطفال، الحصبة، الدفتيريا (الخناق)، السعال الديكي، فيروس الروتا

”ويحذ العودي “إن غياب اللقاحات أو تحويلها إلى سلعة تجارية هو جريمة بحق الطفولة، نحن مجتمع هش والبنية التحتية للقطاع الصحي تكاد تكون معدومة مع افتقار لوجود نظافة وتغذية سليمة، توقف التحصين او نقصها لا يعرض الطفل للخطر بل يعرض جيل كامل بعودة أوبئة كنا قد شارفنا على محوها

“في 2023 سجلت منظمة اليونيسف 271 حالة شلل أطفال، 88

5% من هذه الحالات في مناطق شمال اليمن، الخاضعة لسلطة جماعة الحوثي

وفي 2025 قالت منظمة الصحة العالمية إنه تم الإبلاغ عن 29 حالة، 28 منها في المناطق الشمالية لليمن

منوهة أن ن التحديات الأمنية المُعقدة في المحافظات الشمالية حالت دون تنفيذ الحملات الجماعية للتطعيم ضد شلل الأطفال

وكانت اليمن خالية من شلل الأطفال حتى 2006 وعاد تفشي المرض في 2020 بعد إصابة 35 طفلا في محافظة صعدة التي لم يسمح فيها بالتطعيم عن طريق الزيارات المنزلية لعدة سنوات، حسب “منظمة الصحة العالمية“

فرضت الأردن في أغسطس 2024،  قيوداً على المسافرين اليمنيين، تحت سن 15 عاماً، تطلب شهادات تطعيم ضد شلل الأطفال معتمدة كشرط للدخول

إن استمرار تحويل اللقاحات من “حق إنساني أصيل” إلى “ورقة صراع” أو “سلعة في السوق السوداء” ينذر بكارثة لن تتوقف عند حدود صنعاء، بل ستمتد آثارها لعقود طويلةـ وبينما ينتظر العالم القضاء النهائي على هذه الأوبئة، يجد الأب اليمني نفسه وحيداً في مواجهة خيارين أحلاهما مر: إما الرضوخ لابتزاز السوق السوداء، أو مشاهدة طفله وهو يواجه مستقبلاً مقيداً بكرسي متحرك، في وطن أثقلته الأزمات، ولم يعد قادراً على تحمل المزيد من الأشباح العائدة من الماضي

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن