طه العامري : المناورات العسكرية..من يستعد لمن ؟!!

منذ 20 أيام

   تميز عام 2021 م عن غيره من الأعوام بما فيها تلك الأعوام التي سبقت اندلاع الحروب الكونية من حيث كثرة وتعدد المناورات العسكرية التي شهدتها المنطقة والعالم خلال هذا العام والتي امتدت من( مضيق هرمز) مرورا بالبحر الأحمر وشواطئ النيل وصحاري مصر والصحراء الكبرى بالمغرب العربي دون أن نغفل مناورات البحر الأبيض المتوسط وصولا إلى البحر الأسود الذي لا يزل حافلا بالبوارج والاساطيل والمدمرات التي تعتاك فوق مياهه دون أن نغفل ما يطفوا على مياه بحر الصين ومضيق تايوان وما يستوطن في اعماقهما من أليات عسكرية فتاكة تكفي حمولتها لتدمير الأرض ومن عليها عشرات المرات

؟! مناورات عسكرية تشارك فيها دول إقليمية وحلفاء إقليمين ولا تخلوا بعضها من مشاركة أقطاب دولية فاعلة ؛ غير أن الأكثر غرابة هو أن يشهد البحر الأحمر ولأول مرة في تاريخه وتاريخ المنطقة العربية مناورة مشتركة بين أنظمة عربية خليجية و( العدو الصهيوني ) الذي يجد نفسه وفي سابقة غير معهودة له ويمكن أن العدو ذاته لم يصدق حدوثها في حالة اريحية في مشاركته بمناورة عسكرية مع بعض العسكريين العرب وفي قلب السيادة العربية وهي ظاهرة لم يحققها هذا العدو مع دولة مثل مصر وجيشها رغم (اتفاقية التطبيع) التي وقعها مع نظامها في زمان الرئيس السادات ؛ ومع ذلك لم يحدث أن شارك الجيش المصري بمناورة عسكرية مع جيش العدو على الأقل خلال العقدين التاليين على توقيع الاتفاق

؟!فيما لم يمضي على علاقته العلنية مع أنظمة الخليج وابرام اتفاق ( إبراهيم ) أو الابراهيمي ؛ لا فرق بين المسميات سوى عاما واحدا ومع ذلك استطاع العدو خلال هذا العام أن يكسب قلوب وعقول أخواننا في دول الخليج وحماسهم الغير محدود بالترحيب ب( اشقائهم من بني صهيون )

؟!وبعيدا عن كل هذا دعونا نقف أمام ظاهرة زخم المناورات العسكرية وأهدافها والغايات المرجوة منها وأيضا عن اتجاه وتوجه الرسائل التي حملتها هذه المناورات للأطراف المعنية الإقليمية والدولية ؟فإذا انطلقنا من المناورات الإيرانية والتي يمكن استخلاص ابعادها وأهدافها بأنها تندرج في سياق استعراض القوة وهي أيضا حمالة رسائل باتجاه الكيان الصهيوني وحلفائه من أنظمة المنطقة المجاورة لإيران واقصد بها الأنظمة الخليجية

؟!بيد أن سحب بارود المناورات الممتد من مضيق هرمز حتى ما بعد الجغرافية العربية على شواطئ البحر الأبيض المتوسط  ؛ هذه السحب ليست أكثر من مجرد حاملة رسائل تتداولها أنظمة المنطقة فيما بينها ؛ غير أن ما يشهده البحر الأسود وبحر الصين هو الخطر الذي قد يحمل معه رسالة الوداع الأخيرة لعالم اليوم أن لم تحكم أطرافه عقولها ولا ترهن مصالحها ووجود العالم ( لعقليات الحواسيب )

؟!لفترة سابقة غير قصيرة كان ( أقطاب العالم ) يعتمدون في صراعهم على وكلاء لهم هناء وهناك وينفسون عن غضبهم بدفع الوكلاء للاقتتال فيما بيهم سواء كانوا بصورة دول مجاورة لبعضها أو انقسام داخل الوطن الواحد ونماذج هذا كثيرة والكل يعرفها ويعلمها

؟وبالرغم إننا ومنذ العام 2011 م وبعد ما يسمى بزمن ( الربيع العربي ) نشهد صراع الوكلاء قد استشرى وتوسع ولم ينحصر في نطاق دول وأنظمة مجاورة ؛ بل تسرب إلى داخل الدولة الواحدة والنظام الواحد والوطن الواحد ليتحول على اثر ذلك النظام إلى أنظمة والدولة إلى دول والوطن إلى أوطان ؛ ومع كل هذا كان يمكن بقاء النظرة التفاؤلية لمرحلة استقرار قادمة قد تفرضها ( الأقطاب الكبيرة على وكلائها ) ؛ لكن اليوم لم يبقى لهذه الرؤية التفاؤلية مكان في ذاكرة أي مراقب على ضوء ما يجري في البحر الأسود من ناحية وما يعتمل في بحر الصين ومضيق تايوان وكل جغرافية البحر الأصفر ؛ ناهيكم عما يعتمل على الحدود البيلاروسية _ البولندية حيث قد تنطلق منها الشرارة التي تحرق الكبار والصغار دون أن ننسي أن للجغرافية البولندية سوابق تاريخية في إشعال الحرائق المدمرة

؟!!أن الأحداث بكل اتجاهاتها ومساراتها غدت بمثابة ( لعبة شطرنج ) ادواتها دول وبيادقها شعوب ؛ لكن في هذه اللعبة لم تعود قواعد وأسس وقوانين لعبة الشطرنج المتعارف عليها هي المتبعة في هذه اللعبة بعد ان تم تطوير طريقة اللعب وابتكار طرق حديثة منها المختصرة وفيها الصادمة التي تجبر اللاعب المقابل على الدهشة من هول المفاجئة

؟!!إذ أن قواعد الحرب والعلاقات الدولية والإقليمية كلها تغيرت واستبدلت بطرق تتناسب مع ثقافة المرحلة وخاصة من بعد العام 1990م الذي يمكن وصفه ومقارنته بعام ( سيل العرم الذي فرق أيدي سباء ) ودمر كل مقومات الحياة في بلد كانت ذات مجد وحضارة وتاريخ تليد

!!اليوم ( الكبار) متواجدين في ديار ( الصغار ) ودورهم  هو مراقبة صراع الصغار فيما بينهم  الذين يدمرون قدراتهم ذاتيا وينهكون أنفسهم ذاتيا ويخربون بيوتهم بأيديهم وفق حسابات يحرص أطرافها من الصغار على مراعاة مصالح الكبار

؟!!في هذا الصراع الذي يخوضه الصغار هناك قانون مفادها أن التعادل بين الصغار والتوازن في قدراتهم يؤدي إلى تفاهم وتقبل الكبار ؛ فإذ فشل الصغار في احداث التعادل والتوازن ؛ تدخل الكبار لمواجهة بعضهم وحسم الصراع فيما بينهم وتحديد نطاق نفوذ الكبار فيما بينهم على الخارطة الكونية

؟!بيد أن صراع اليوم يتمحور حول تمسك البعض بمكاسب نتائج الحرب الكونية الثانية ؛ فيما يرى البعض الأخر أن تلك المكاسب قد سقطت وأن ثمة حاجة ملحة تفرض نفسها وتدعوا لإعادة رسم خارطة العالم ونطاقات النفوذ المتعدد الاشكال

؟!وحدهم العرب الذين هم غير فاعلين بل مفعول بهم وغير حاضرين بل العالم بأقطابه ومحاوره يحضر إليهم ؛ ولا يملكون رؤية لغدهم بل يراهنون على رؤى الأخرين التي سيقدمونها لهم بمقابل قد تفوق تكلفته قدرة العرب ووجودهم الحضاري

؟!!يقال _ مثلا _ أن العرب المناهضين للنفوذ الإيراني يتصدون لهذا النفوذ في اليمن وسورية ولبنان  والعراق

؟ ويذهب البعض من العرب إلى ابرام اتفاقيات أمنية وعسكرية واقتصادية وثقافية مع ( إسرائيل ) بزعم التصدي لنفوذ إيران والحيلولة دون تمكنها من الهيمنة والنفوذ على المنطقة

؟!!الحقيقة قطعا ليست كذلك فإيران هناء مجرد ( بعبع ) استخدمته واشنطن لتخويف حلفائها واتباعها في منطقة الخليج وفي أي منطقة من العالم وحيث تجد ( أتباع أمريكا ) تجد من يتحدث عن ( البعبع الإيراني ) وخطورته وأهميته التصدي له حتى في داخل دول وأنظمة أمريكا اللاتينية ؛ فالإعلام الكولومبي مثلا يتحدث عن خطورة إيران وعلاقتها بنظامي كوبا وفنزويلا وأصبح النظامين الكوبي والفنزويلي بخطاب بعض دول أمريكا اللاتينية الحليفة لواشنطن أنظمة ( شيعية ) وإيران قد تمدهم بقدرات ( نووية )

؟!أن الألة الإعلامية الجبارة التي توظفها الإمبريالية الاستعمارية العالمية بقيادة أمريكا كفيلة بشيطنة أي ( ملاك ) ومن استطاع أن يحرف كتب مقدسة أنزلت من السماء من السهل عليه أن يحرف حقائق الأرض واحداثها ويصور كل ما يجري كما يحلوا له وكما يريد ويدلس على المتلقي وأن كان هذا المتلقي حاضرا وشاهدا على الاحداث لكنه في النهاية يكذب نفسه ويكذب كل الحقائق ويصدق فقط الحقيقة التي تسوقها أمريكا واعلامها وأجهزتها وحلفائها من الترويكا الاستعمارية التي تقودها ( الصهيونية ) العالمية الحاكم المطلق على العالم والمتحكمة به وبمصيره

!أن الصهيونية العالمية ممثلة بأمريكا كنموذج ومثال لا تختلف في رؤيتها وادارتها للعالم بعقلية تنظيمات إرهابية مثل ( القاعدة ) و( داعش ) و( تنظيم الدولة ) ؛ وإذا كانت هذه التنظيمات ترى نفسها هي المعبرة عن الدين والمتمسكة بقيمه وما دونها هم كفار ومارقون وبعيدين عن الله ؛ فأن واشنطن ترى بذات العيون التي ترى بها هذه التنظيمات العالم ومن فيه ؛ فهي ترى نفسها هي سيدة العالم وعاصمة الديمقراطية والحامية للحقوق والحريات وأنها القوة الوحيدة على الأرض التي كلفها الله برعاية العالم وإدارة شئونه

؟!!ثمة احداث دولية تراها واشنطن وحلفائها إنها تعيق شرعية وصايتها وتحد من سيطرتها على العالم تتمثل بنمو قوة روسيا الاتحادية والصين وهما الشر المطلق اللذان يقفان في وجه الإرادة الأمريكية التي تحاول إعاقة ما تعتبره تمرد صيني _ روسي عليها بدءا من منطقتنا ومن خلال افتعال الأحداث ونشر وبث الفوضى والأفكار والثقافات الاستهلاكية اللا وطنية واللا قومية واللا أخلاقية وهذا ما دشنته فيما يطلق عليه ب( الربيع العربي ) ومن خلال تدمير دول وأنظمة مثل العراق وسورية واليمن وليبيا وتونس والسودان والصومال وتمييع القضية العربية المركزية فلسطين بكل موروثها الثقافي والحضاري والنضالي ؛ سلاحها في ذلك الأحزاب السياسية المتناحرة ؛ والوسائل الإعلامية بكوادرها المرتهنة ؛ ومنظمات المجتمع المدني العميلة وبشبكات تجسسيه واستخبارية متعددة الاشكال والمسميات والمهام والاختصاصات

!!وصولا إلى بث ونشر أدوات ومفاهيم ومقومات الصراعات العرقية والمذهبية والطائفية والقبلية والاثنية ؛ ويمكن التأمل في الخارطتين القطريتين العراقية والسورية وتداعياتهما الاجتماعية وألية تمزيق مجتمعهما ؛ والمقارنة في كيفية كانت الحياة داخل هذه المجتمعات في عصر الديكتاتورية وحالها اليوم في عصر ديمقراطية أمريكا وحلفائها

؟!!بل لن نذهب بعيدا يكفي أن نرى المجتمعات الخليجية كيف كانت قبل عقدين ؟ وكيف أصبحت في ظل الوجود الأمريكي المباشر الذي دخل المنطقة ولأول مرة عام 1990 م

بمعنى أوضح أن كل ما يدور في المنطقة والعالم اليوم هو جزءا من حرب أمريكية الهدف منها ليس النطاقات الجغرافية التي تحترق بويلات هذه الحروب والاحداث بل المقصود بها هو روسيا والصين ومحاولة أمريكية غربية استعمارية قطع الطريق على قطبين يتعملقان ويصادران مكانة ودور وهيبة أمريكا وحلفائها

؟!!والمناورات العسكرية التي تشهدها المنطقة فيما بين دولها سلوك يندرج في هذا السياق وضمن خطة أمريكية لتطويق نفوذ خصومها ومنافسيها على الخارطة في نطاق حرب جيبولوتيكية محسومة لصالح خصوم أمريكا

للموضوع صلة