عدن: عمال الأجر اليومي لا مال للعودة ولا للعيد
منذ 3 ساعات
عدن- معاذ مدهشفي إحدى “اللوكندات” الشعبية بمديرية الشيخ عثمان بعدن، يجلس “عبدالله مختار”، اسم مستعار، يعمل بالأجر اليومي، قرب نافذة تطل على سوق الحراج المزدحم، يراقب حركة المارة وهم يتنقلون بين البسطات ومحال الملابس الرخيصة استعدادا لعيد الأضحى
فمنذ أشهر اعتاد عبدالله أن يقف في المكان نفسه كل صباح مترقبًا فرصة عمل كعامل بالأجر اليومي، نظرات “عبدالله” إلى الخارجة تبدو مختلفة اليوم، لم يعد يبحث عن عمل بقدر ما يبحث عن مخرج من مأزق إنساني يزداد ثقلًا مع اقتراب عيد الأضحى
غادر “عبدالله” قريته، في شمال تعز، قبل ستة أشهر، مدفوعًا بضيق الحال وانعدام فرص العمل في منطقته، آملًا أن يجد في عدن ما يساعده على إعالة أسرته الصغيرة، غير أنه اصطدم بواقع أشد قسوة من توقعاته، إذ تتراجع فرص العمل يومًا بعد آخر، وركود اقتصادي جعل العمالة اليدوية أولى ضحايا الأزمة
بحسب “الأمم المتحدة” فإن نصف الأسر في اليمن، لم تتمكن من تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية في مارس الماضي
وتقول الأمم المتحدة: “إن الأزمة الإقليمية المستمرة، في إشارة إلى الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، تعيق واردات الوقود إلى اليمن، في حين يُهدد ارتفاع أسعار المواد الغذائية إمكانية الحصول على الغذاء”
وتقول منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “الفاو” في نشرة السوق والتجارة الصادرة في مارس الماضي: “إن آفاق الأمن الغذائي في اليمن مطلع 2026 مثيرة للقلق، حيث يواجه 18
3 مليون شخص أزمة أو مستويات أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد”
وتشير إلى أنه رغم استقرار سعر صرف العملة المحلية في مناطق سيطرة الحكومة يوفر “انفراجًا هشًا”، فإن الوضع في مناطق سيطرة سلطة صنعاء (جماعة الحوثي) حرج للغاية؛ بسبب توقف عمليات الأمم المتحدة والنقص الحاد في التمويل
وكان “برنامج الغذاء العالمي” التابع للأمم المتحدة قد أعلن في سبتمبر 2025 تعليق أنشطته في مناطق سيطرة جماعة الحوثي عقب فشل الإفراج عن معتقلين من موظفي الأمم المتحدة من سجون جماعة الحوثي
يقول عبدالله بلهجته العامية وصوت خافت: “برمضان كنت أقول للجهال (للأطفال) إني باسافر ومعي ملابس وسيكل، أما ذلحين (الآن) أدور (أبحث) عن عذر يصدقوه”
يتوقف قليلا ثم يضيف: “عيد رمضان قلت لهم إن العمل ما خلصش، إيش أقول لهم الآن”
عبدالله مختار، عامل بالأجر اليومي في عدن: برمضان كنت أقول للجهال (للأطفال) إني باسافر ومعي ملابس وسيكل، أما ذلحين (الآن) أدور (أبحث) عن عذر يصدقوه”
يتوقف قليلا ثم يضيف: “عيد رمضان قلت لهم إن العمل ما خلصش، إيش أقول لهم الآن”
داخل الغرفة التي يتشاركها مع عدد من العمال، تبدو الحياة معلقة بين الانتظار والخوف، فمعظم النزلاء جاءوا من محافظات ريفية بعيدة، يحملون القصة نفسها تقريبًا، رجال تركوا أسرهم على أمل تحسين أوضاعهم، ثم وجدوا أنفسهم عالقين في مدينة بالكاد توفر لهم ثمن الطعام والمبيت
لم تعد المشكلة بالنسبة لعبدالله مرتبطة فقط بندرة العمل، أصبحت أعمق من ذلك، ارتبطت بتكاليف العودة أيضًا
فحتى إذا تمكن من جمع مبلغ بسيط خلال أسابيع متقطعة من العمل، فإن الطريق إلى أسرته يستهلك معظمه، وبين أجور المواصلات وارتفاع أسعار السلع والانقسام النقدي بين مناطق البلاد، تتحول العودة إلى عبء يفوق قدرته
ويعيش اليمن منذ 2019 “انقسامًا نقديًا” حادًا انعكس مباشرةً على حياة المواطنين، خصوصًا العمال القادمين من المناطق الشمالية، الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي؛ للعمل في المحافظات الجنوبية الخاضعة لسلطة الحكومة المعترف بها دوليًا
فالفارق الكبير في سعر صرف العملة بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين جعل قيمة ما يجمعه العامل في عدن يذهب رسومًا للتحويل
هذه الحسابات المعقدة يفهمها عبدالله جيدًا، حتى وإن لم يتحدث عنها بلغة الاقتصاد
وتحظر جماعة الحوثي في صنعاء منذ ديسمبر 2019، حيازة وتداول العملة الجديدة التي طبعها البنك المركزي في عدن؛ مما أوجد سعرين مختلفين للعملة اليمنية
فقد وصل السعر الدولار لقرابة ثلاثة آلاف ريال في يوليو الماضي للعملة الجديدة، مقابل 530 للدولار في صنعاء للعملة القديمة
وفي أغسطس الماضي استعادت العملة الجديدة جزءًا من قيمتها في عدن بعد انخفاض سعر الدولار إلى أقل من 1,700 ريال
ووصل سعر الدولار الواحد في مايو الجاري إلى قرابة 1560 ريالًا
يقول المختص الاقتصادي، صابر الجرادي، ماجستير إدارة اعمال من جامعة عدن، في حديث مع “المشاهد” إن عمال الأجر اليومي في عدن بشكل عام، وخاصة القادمين من المناطق المتعامل بالعملة القديمة، يعيشون واحدة من صور الاستنزاف الاقتصادي؛ وذلك لعملهم طوال النهار بأجور بالكاد تكفي لتوفير قوت أسرهم، خاصةً وأن مستحقاتهم تدفع بالعملة الجديدة والتي فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها، ناهيك عن قله هذا الأجر”
صابر الجرادي، اختصاصي إدارة أعمال في عدن: عمال الأجر اليومي في عدن بشكل عام، وخاصة القادمين من المناطق المتعامل بالعملة القديمة، يعيشون واحدة من صور الاستنزاف الاقتصادي؛ وذلك لعملهم طوال النهار بأجور بالكاد تكفي لتوفير قوت أسرهم، خاصةً وأن مستحقاتهم تدفع بالعملة الجديدة والتي فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها، ناهيك عن قله هذا الأجر”
ويضرب الجرادي مثلًا لهذا الاستنزاف فيقول: “إذا تسلّم عامل الأجر اليومي مبلغ عشرون ألف ريال بالعملة الجديدة يصرف منها على نفسه في عدن، وإذا تبقت عشرة ألف ريال يرسلها إلى مناطق شمال اليمن، فتصل ثلاثة ألف ريال فقط”
ويضيف: “هناك فقدان للكرامة واستغلال ممنهج من أرباب العمل؛ مما يجعل هؤلاء لا يعيشون أزمة عمل فقط، بل أزمة كرامة ومعيشة واستقرار، في ظل حرب جعلت العامل البسيط أول من يدفع الثمن وآخر من يُنظر إليه”
في سوق الحراج القريب، تبدو مظاهر العيد حاضرة في كل شيء، أطفال يجرون خلف آبائهم، وباعة يرفعون أصواتهم لجذب الزبائن، وروائح الطعام المنبعثة من الأزقة الشعبية، وتكبيرات العيد
لكن عبدالله يشعر أن كل ذلك يحدث بعيدًا عنه، يراقب المشهد من نافذته كمن يشاهد حياةً لا تخصه أبدًا
ومع تزايد الضغوط المعيشية، يجد كثير من العمال أنفسهم مضطرين للبقاء في المدن التي يعملون فيها خلال الأعياد، لا رغبة في ذلك، بقدر ما هو هروب من كلفة العودة ومن شعور العجز أمام أسرهم
بالنسبة لعبدالله، يبدو الأمر أكثر إيلامًا من مجرد الغياب، فالأطفال الذين ينتظرون عودته لا يدركون شيئًا عن أسعار الصرف أو الانقسام النقدي أو الركود الاقتصادي، كل ما يعرفونه أن والدهم وعدهم بالعودة ولم يفعل
مع اقتراب العيد يتحول السؤال الأكثر تداولًا بين العمال إلى ما يشبه مزحةً يكررها الجميع “ليش ما تروّح عند جهالك
قده عيد؟”
يطلق أحدهم السؤال مستفزًا، فيرد الآخر بابتسامة أو بصمت قصير، مع أن السائل والمسؤول يشتركان في الإجابة نفسها، لا مال يكفي للعودة، ولا قدرة على مواجهة أطفال ينتظرون هدايا العيد بيدين فارغتين
ومع حلول العيد، ستبقى “اللوكندة” التي يقيم فيها مزدحمةً بعمال يشبهونه، رجال غرباء داخل وطنهم، يحمل كل واحد منهم حقيبةً صغيرة، وهاتفًا مليئًا بالمكالمات المؤجلة، وعذرًا “بريئًا” يحاول أن يبدو مقنعًا بما يكفي لأطفال ينتظرون طرق الباب أكثر مما ينتظرون العيد نفسه
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن