على مدى 11 عاماً من اختطافه.. هكذا استخدم الحوثيون قضية إخفاء السياسي محمد قحطان كورقة للابتزاز والتوظيف
منذ 6 ساعات
منذ اختطاف السياسي اليمني البارز محمد قحطان في 5 أبريل 2015، لم تتعامل ميليشيا الحوثي مع قضيته بوصفها ملفاً إنسانياً أو قانونياً، بل حوّلتها على مدى أحد عشر عاماً إلى ورقة غامضة للمساومة والضغط السياسي، متنقلةً بين الإنكار والاعتراف الجزئي، وبين التعتيم الكامل والتصريحات المتناقضة، دون أن تقدم حتى اليوم جواباً واضحاً وحاسماً بشأن مصيره
وبحسب التسلسل الذي تكشفه الوقائع، بدأ الملف بفرض الميليشيا إقامة جبرية على قحطان بعد اعتراضه على الطريق العام في محافظة إب، قبل أن تنقله الجماعة إلى منزله في صنعاء وتفرض عليه حصاراً مشدداً، ثم تقتحم المنزل في الأيام الأولى لعملية عاصفة الحزم وتختطفه بالقوة
وتقول روايات أسرته ومقربين منه إنه نُقل لاحقاً إلى منزل تابع للشيخ حميد الأحمر جنوب صنعاء كانت الجماعة قد استولت عليه، وشوهد هناك في زيارة وحيدة جرت بعد أيام من اختطافه، قبل أن ينقطع خبره تماماً وتبدأ مرحلة الإنكار والإخفاء القسري الكامل
ومنذ ذلك التاريخ، أحاط الحوثيون القضية بسرية مشددة، ورفضوا السماح لأسرته بزيارته أو التواصل معه أو حتى الإفصاح عن مكان احتجازه، رغم أن ملفه كان مشمولاً بقرار مجلس الأمن 2216، الذي طالب بالإفراج عن جميع السجناء السياسيين، وعلى رأسهم محمد قحطان
ومع ذلك، بقي الرجل استثناءً لافتاً حتى بعد الإفراج عن بقية الأسماء البارزة المشمولة بالقرار نفسه، بينهم قيادات عسكرية
وخلال السنوات الأولى، تمسك الحوثيون بإنكار وجود أي معلومات عنه، ففي مشاورات بييل بسويسرا أواخر 2015، أبلغ رئيس وفد الحوثيين محمد عبدالسلام نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية السابق عبدالملك المخلافي بمعلومات عن محمود الصبيحي وناصر منصور هادي وفيصل رجب، لكنه قال بشأن قحطان إنه لا يعرف مصيره، قبل أن يتبين لاحقاً أن الحديث عنه، وفق ما نقله مفاوضون حكوميون، كان محصوراً بدائرة ضيقة على رأسها عبدالملك الحوثي نفسه، بما يعكس خصوصية الملف لدى الجماعة واستخدامه كورقة سياسية لا إنسانية
وفي سياق الغموض المبكر الذي أحاط بملف قحطان، كشف المبعوث الأممي إلى اليمن آنذاك، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، في يناير 2016، أنه لم يتلقَ أي تأكيدات بشأن ما إذا كان محمد قحطان على قيد الحياة
وقال في تصريحات صحفية إنه حصل على أدلة تثبت بقاء قيادات أخرى مختطفة، بينهم وزير الدفاع السابق محمود الصبيحي وناصر هادي وفيصل رجب (تم الإفراج عنهما في 2023)، على قيد الحياة، لكنه لم يتلقَ معلومات مماثلة بشأن قحطان، حيث أبلغه الحوثيون أن المعلومات غير متوفرة وأنهم سيقدمونها لاحقاً في حال توفرت، وهو ما لم يحدث حتى اليوم
وفي 5 فبراير/شباط 2019، حدث أول تطور لافت عندما كشفت مذكرة صادرة عن النيابة الجزائية المتخصصة التابعة للحوثيين عن مصير قحطان للمرة الأولى، إذ وجهت بالإفراج عنه لعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجزائية بحقه
غير أن هذه المذكرة، التي كان يُفترض أن تفضي إلى إنهاء سنوات الإخفاء، تحولت بدورها إلى حلقة جديدة في مسلسل التلاعب، إذ لم يُنفذ القرار، ولم تُبلّغ الأسرة بأي شيء، ولم يُكشف عن مكانه أو وضعه الصحي، ما جعل القرار نفسه موضع تساؤل واسع بوصفه أداةً للتلاعب بمشاعر أسرته أكثر من كونه إجراءً قضائياً فعلياً
ومع دخول القضية عامها الثامن، انتقلت الميليشيا من مرحلة الإنكار الصريح إلى الاعتراف الملتبس، حيث قال رئيس لجنة شؤون الأسرى لدى الحوثيين عبدالقادر المرتضى 14 أبريل 2023، إن محمد قحطان كان أحد عقد المفاوضات في جولة سويسرا، وإن القيادة في صنعاء لا مانع لديها من التفاوض عليه، متهماً الطرف الحكومي باستخدامه ورقة للابتزاز السياسي، لكن هذا التصريح لم يبدد الغموض، بل عمّقه، لأنه جاء دون أي إفصاح عن مكان احتجازه أو السماح بزيارته أو تقديم دليل مباشر على حالته، وسرعان ما كذّب الوفد الحكومي هذه الرواية، مؤكداً أن الحوثيين هم من رفضوا منذ البداية الإدلاء بأي معلومات عنه لمكتب المبعوث الأممي أو للجنة الدولية للصليب الأحمر، وأنهم يواصلون التعنت بشأنه على وجه الخصوص
وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، عاد المرتضى نفسه ليرفض الحديث عن قحطان تماماً
ففي وثائقي بثه التلفزيون العربي في مايو/أيار 2023، قال إن الحديث عنه غير ممكن، بينما نقل عضو الوفد الحكومي ماجد فضائل أن الرجل سأله مباشرة عما إذا كان قحطان حياً أم ميتاً، فجاءه الرد بأن قحطان لن يخرج وأن الجماعة لا تريد كشف حالته
وبين تصريح يتحدث عن لا مانع من التفاوض عليه وآخر يعتبر الحديث عنه غير ممكن، بدت المراوغة الحوثية أكثر وضوحاً، وكأن الجماعة تتعمد إبقاء الملف معلقاً بين الحياة والموت، وبين الاعتراف والإنكار
هذا النمط من التلاعب بلغ ذروته في مشاورات مسقط منتصف 2024، ففي 3 يوليو أعلن عضو الوفد الحكومي ماجد فضائل التوصل إلى تفاهم بشأن إطلاق قحطان مقابل 50 أسيراً حوثياً، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن الوفد لم يتحقق مما إذا كان قحطان على قيد الحياة أم لا، مضيفاً أن التبادل سيتم كيف ما كان، إن كان حياً يأخذ الحوثيون أحياء، وإن كان جثة يأخذون جثثاً
وفي اليوم التالي، أكد حزب الإصلاح امتلاكه معلومات تفيد بأن قحطان ما يزال حياً، محملاً الحوثيين المسؤولية الكاملة عن سلامته
هذا التناقض بين انعدام التحقق الرسمي وبين تأكيدات الحزب، ترافق مع موجة غضب واسعة من حقوقيين وسياسيين وناشطين اعتبروا مجرد القبول بصيغة حياً أو جثة انزلاقاً أخلاقياً وقانونياً خطيراً ومكافأةً للجماعة على جريمة الإخفاء القسري
ولم يتوقف الأمر عند حدود الجدل السياسي، بل تحول إلى استنكار حقوقي واسع، حيث انتقد مستشار الرئيس عبدالملك المخلافي بشدة ربط مصير قحطان بـاحتمالات بعد عشر سنوات من تغييبه، مؤكداً أن الإفصاح عن مكانه والسماح لأسرته بزيارته يجب أن يسبقا أي اتفاق تبادل، كما اعتبرت نحو 150 منظمة مجتمع مدني يمنية أن الحديث عن مبادلته، إذا كان حياً، بخمسين أسيراً، أو إذا كان ميتاً بخمسين جثة، يمثل مكافأة للمجرمين ويتعارض مع العدالة والكرامة الإنسانية
وبعد أيام، قال عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي إن الحوثيين أفشلوا مشاورات مسقط برفضهم الإفصاح عن مكان احتجاز قحطان أو السماح لأهله بزيارته أو حتى الاطمئنان عليه
ومع نهاية 2025، عاد اسم قحطان مجدداً إلى واجهة التفاوض مع الإعلان عن اتفاق مبدئي جديد للإفراج عن نحو 2900 محتجز
، ورغم إدراج اسمه ضمن المشمولين بالصفقة، ظلت المشكلة ذاتها قائمة: الحوثيون يرفضون تقديم أي معلومات عنه
ووفقاً لما نقلته مصادر مطلعة لـالمصدر أونلاين في حينه فإن الاتفاق نص على السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة أماكن الاحتجاز والتحقق من وجود المحتجزين وأوضاعهم الصحية، لكن الملف لازال حتى الآن معرضاً للتعثر بسبب استمرار وجود مخفيين قسراً يرفض الحوثيون الكشف عن مصيرهم، وفي مقدمتهم السياسي محمد قحطان
ويظهر من هذا المسار الزمني أن الجماعة لم تكتفِ بإخفاء قحطان قسراً، بل أدارت ملفه بمنهجية قائمة على الإرباك والتسويف: إنكار في البداية، ثم مذكرة إفراج التهمتها الأدراج، ثم اعتراف مشروط، ثم رفض الحديث عنه، ثم مفاوضات على شخص لم تسمح حتى بالتحقق من كونه حياً أو ميتاً، ثم إدراج اسمه في اتفاقات دون أي كشف فعلي عن مصيره
وخلال كل هذه السنين من المراوغات بقيت أسرته محرومة من أبسط حقوقها في المعرفة والزيارة والاطمئنان، فيما تحوّل ملفه إلى المثال الأبرز على استخدام الإخفاء القسري أداةً للابتزاز السياسي والنفسي
وبعد 4018 يوماً على تغييب محمد قحطان، لا يبدو السؤال الرئيسي متعلقاً فقط بمصير سياسي بارز، بل أيضاً بطبيعة السلوك الذي تدير به ميليشيا الحوثي هذا الملف: سلوك قائم على الاحتجاز خارج القانون، والإخفاء خارج أي مساءلة، والتفاوض خارج أي معيار أخلاقي أو إنساني
ولهذا، فإن قضية قحطان لم تعد مجرد اسم في قوائم الأسرى والمختطفين، بل تحولت إلى اختبار مفتوح لجدية أي تفاوض إنساني، ولمصداقية أي حديث عن بناء الثقة في اليمن، ما دام الحوثيون يرفضون حتى الآن كشف الحقيقة الأساسية: أين محمد قحطان؟