علي العمراني : القضية اليمنية فقط … لماذا؟
منذ 2 أيام
علي العمراني 1يجري الإعداد الآن لحوار جنوبي–جنوبي حول ما يُسمّى القضية الجنوبية
وبالنظر إلى مواقف دول خليجية من وحدة اليمن منذ عام 1990، وما قبلها، وفي حرب 1994 خاصة، وما جرى خلال حرب السنوات العشر الماضية من ملابسات، خصوصاً توقّف عمليات التحرير عند الأطراف السابقة بين الشطرين، وتضخيم ما يُسمّى القضية الجنوبية، وفرض الانفصاليين في الحكومة والرئاسة دون تخليهم عن مشروع الانفصال، وقطع الوعود تجاه ما يُسمّى القضية الجنوبية فإن توجّس اليمنيين يبدو مبرَّراً من طرح القضية الجنوبية الآن، وتبنّي مؤتمر حوار شامل من أجلها
وفي الحقيقة، فقد سمعنا عن القضية الجنوبية بعد قيام جمهورية اليمن الديمقراطية في 1967، بسبب ما ترتّب على ذلك من عنف بالغ ونزوح عشرات الآلاف وقتها من الجنوب
وفي الأصل فإن تلك القضية، من حيث التاريخ والمنشأ، هي جنوبية–جنوبية، وأطرافها من الجنوب
وتلا ذلك دورات عنف أخرى ونزاعات متعددة، أبرزها ما حدث في يناير 1986، وخروج رئيس الدولة ومعه نصف الجيش ونصف القيادة، على الأقل، وجلّهم من أبين وشبوة
وعشية تحقيق الوحدة عام 1990 عاد مجمل النازحين، جرّاء كل الأحداث السابقة، إلى مناطقهم، واشترط الطرف الجنوبي الموقّع على الوحدة خروج عدد من القيادات الجنوبية التابعة للرئيس علي ناصر محمد من اليمن، لكن الأمر اقتصر في النهاية على الرئيس علي ناصر الذي خرج من اليمن كلها بمرارة كبيرة، فيما تمّ التغاضي عن شرط خروج أشخاص آخرين مثل محمد علي أحمد وأحمد مساعد حسين
كان يُفترض أن تكون الوحدة أهم عملية إصلاح تاريخي في اليمن المعاصر، كما كان يصف ذلك رئيس الوزراء السابق باجمال
لكن تداعيات غزو الكويت في 2 أغسطس عام 1990 ألقت بظلالها على الوضع في اليمن، ولم تُعطِ تلك التطورات المفاجئة اليمن واليمنيين فرصة كافية ووقتاً، سوى شهرين وعشر أيام، لترتيب وضعهم الجديد، على قلّة ما في اليد وكثرة المطالب والحاجات والتحديات
وتصاعد الصراع على السلطة في القمة بين شركاء الوحدة، مع كثافة التدخلات والضغوط السياسية والاقتصادية من الخارج، بما في ذلك طرد أكثر من مليون مغترب من السعودية، وتفاقم الوضع حتى انفجرت الحرب في 1994، مع دور ودعم كبير لبعض دول الخليج لإعادة التجزئة والانفصال
وكان لحرب 1994 تداعياتها الخطيرة، ولم تتم معالجات آثار تلك الحرب كما يجب، مثل كثير مما سبقها من حروب واقتتالات، مع بعض الفوارق، خاصة ما نال الجيش الذين كان في الجهة الخاسرة، وجلّهم من الضالع وردفان العزيزتين
وبذل الرئيس هادي جهداً في المعالجة، واستكمل ذلك الجهد الدكتور العليمي من خلال التعويضات التي تم التوجيه بصرفها في وقت سابق
وكان قد صرّح الرئيس السابق صالح أنه أوكل المعالجة لنائبه عبدربه منصور هادي ورئيس الأركان عبدالله عليوه وآخرين
وفي معظم حروب اليمنيين الكثيرة غالباً ما يفقد الخاسر كل شيء
ورغم بعض إيجابيات صالح، ومن ذلك تسامحه، فليس من ضمن تلك الإيجابيات حسن الإدارة والتدبير، وكان بالإمكان أفضل مما كان قطعاً
وهو ليس مسؤولاً وحده، وإن كان يتحمّل جلّ المسؤولية باعتباره رئيس البلاد، لكن هناك من ساهم في خراب الديار من الجشعين والطامعين
وها هي البلاد تدفع ثمن الجشع والطمع والنهب والثراء غير المشروع
بعد حرب 1994 عانت اليمن كلها اختلالات كبرى جرّاء سوء الإدارة، وساد فساد كبير بعد الحرب وغير مسبوق
وبسبب تفاقم تلك الاختلالات تعاظمت معارضة صالح حتى انفجرت الثورة ضد نظامه في 2011
ولعل حسن نية اليمنيين، وقد نقول أهل الشمال، تمثّل في إسناد القيادة السياسية إلى جنوبيين: هادي وباسندوه
وكان يمكن أن تُسند إلى آخرين؛ الدكتور علي مجور والدكتور ياسين سعيد نعمان، برغبة كثيرين
وكان الأول برغبة الرئيس صالح وفريقه ، لكنه أُعيق بوجود عبدربه منصور هادي نائب الرئيس ونائب رئيس المؤتمر، أما الثاني فلم يكن يرغب، كما فهمنا وقتها
ثم جاء مؤتمر الحوار، وعلى الرغم من المحاولات لا أرى أنه تبنّى حلولاً ذكية وحقيقية، ولم يكن من الصواب تبنّي مشروع الفيدرالية في اليمن، أو فكرة المناصفة التي لا تخدم اليمن أو أي جهة فيه؛ الجنوب مثلاً، لكنها قد تحقق مزايا وظيفية لأشخاص ونخب خارج مفهوم العدالة والمواطنة المتساوية، وبعيداً عن الاستحقاق والجدارة، التي كان يتبنّاها الحزب الاشتراكي والرئيس البيض ويرفعها شعاراً ويتحدث عنها كثيراً
والعدالة هي الأساس، لا غيرها، لحل مشاكل اليمن، وليس التمييز من أي نوع
2والحقيقة أن وثيقة العهد والاتفاق تبنّت معالجات أكثر نضجاً وموضوعية لمعالجة مسألة المركزية
أما الفيدرالية، وفقاً لمؤتمر الحوار، فهي ليست مناسبة لليمن، ولا يوجد بلد عربي أو غير عربي يوافق على تفكيك وحدة اندماجية قائمة
وينطبق الأمر على اليمن، على الرغم مما يعانيه الآن، وخاصة في العشرية الأخيرة
لكن ذلك لا يعني التمسك بالمركزية التي كانت، ولا بد من حكم محلي واسع وكامل الصلاحيات، سواء كانت العاصمة صنعاء أو المكلا أو عدن، وسواء كان الرئيس من صنعاء أو حضرموت أو عدن
وفي حالة العراق، الذي اعتمد الفيدرالية، فإن الأقلية الكردية قد أُعطيت حكماً ذاتياً منذ زمن حكم البعث باعتبار الأكراد أقلية عرقية هناك، تقابلها أغلبية عربية، وتتراوح نسبة الأكراد في العراق من 15 إلى 20%
ولا توجد أقليات في اليمن تحتم معالجات فيدرالية أو محاصصة أو حكماً ذاتياً على غرار العراق أو السودان أو لبنان
ولا قيود من أي نوع على تولي قادة من الجنوب قيادة الدولة اليمنية دون محاصصات جهوية أو طائفية
ونَحْذَر الفيدرالية خشية التفكك في وضع يعاني من هشاشة تتطلب دولة مستقرة وقوية غير قابلة للاختراقات الخارجية
وإذا كان هناك تحسّس من المركز التقليدي، صنعاء، مع المودة الكبير لصنعاء العزيزة، فلا مانع من تغيير العاصمة السياسية، ولتكن في حضرموت، ويتم من هناك تحقيق العدالة لجميع المواطنين على نحو قد يكون أنسب
ويُلاحظ في تاريخنا المعاصر أن الشيطنة تنال من الخاسر أو المنهزم، لكن الوضع بعد حرب 1994 كان العكس؛ فقد استخدم الحزب الاشتراكي (مع الاحترام المستحق لكل الأعزاء في ذلك الحزب العريق) أساليب البروباغندا التي تبنّتها الأحزاب الشيوعية في حقبة الحرب الباردة، لينال من المنتصرين في تلك الحرب
ولم يكتفِ بذلك، بل شيطن الوحدة التي ظلت أيقونة يتغنّى بها طوال عمر دولة الجنوب
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل نالت الشيطنة من كل ما يمتّ إلى الشمال بصلة
وهذا يذكّر بالردح الذي كان يتعرّض له الضحايا المنهزمون في النزاعات السابقة، مثل مشايخ وأعيان القبائل والسلاطين في الجنوب، مروراً بجبهة التحرير وقحطان وفيصل عبداللطيف وسالمين وعلي ناصر محمد وجماعته
ويقابل ذلك نخبة حاكمة في صنعاء فقدت المصداقية بسبب الأنانية والفساد والمحسوبية، ولم تكن قادرة، ولا تملك الجدارة، بتبنّي سردية الدفاع عن الوحدة وقيمها
قبل نكبة سقوط صنعاء في 2014، كان يمكن الحديث عن قضايا عديدة ومظالم جهوية، ومن ذلك مظالم وتهميش في البيضاء أو تهامة أو الضالع وردفان أو غيرها
أما بعد سقوط صنعاء وحرب العشر سنوات، فلا يصح الحديث إلا عن القضية اليمنية الشاملة التي لا تستثني جهة أو منطقة